هل يمكن الحديث عن تطبيع قريب للعلاقات اللبنانية الإسرائيلية؟

هل يمكن الحديث عن تطبيع قريب للعلاقات اللبنانية الإسرائيلية؟

هل يمكن الحديث عن تطبيع قريب للعلاقات اللبنانية الإسرائيلية؟


22/12/2025

ترجمة محمد الدخاخني

في وقت سابق من هذا الشهر قام الرئيس اللبناني جوزيف عون، بالتشاور مع رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء، بتعيين سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني المشارك في ما يُسمَّى بآلية وقف إطلاق النار، وهي اللجنة الخماسية التي تم توسيعها لمراقبة ومناقشة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المُبرم بين إسرائيل ولبنان العام الماضي.

يُعَدُّ تعيين كرم ذا أهمية بالغة لكونه مدنياً (وسفيراً سابقاً لدى الولايات المتحدة)، في حين كان الوفد اللبناني المشارك في الآلية يتألف حصرياً من ضباط عسكريين. كما أنّه كُلَّف بقيادة الوفد، في حين كان موقف لبنان سابقاً يقتصر على إشراك المدنيين في المفاوضات كمستشارين فنيين فقط.

جاء هذا التغيير في الموقف اللبناني بعد أن طلبت المبعوثة الأمريكية، مورغان أورتاغوس، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر)، من لبنان توسيع وفده ليشمل مدنيين. وقد واجهت بيروت صعوبة في رفض المطالب الأمريكية، بالنظر إلى محدودية مواردها، ولأنّ واشنطن وحدها هي القادرة على الحدِّ من العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. وقد صَعَّدت إسرائيل مؤخراً غاراتها الجوية على مستوى البلاد ضد أهداف يُزعم أنّها تابعة لحزب الله.

من الواضح أنّ هدف الولايات المتحدة هو إجبار لبنان على الدخول في مفاوضات مع إسرائيل تُفضي إلى تطبيع العلاقات بينهما. وفي المقابل يرفض اللبنانيون هذا التوجه، وما يزالون متمسكين بـ "مبادرة السلام العربية" لعام 2002، التي تُقدِّم لإسرائيل السلام مقابل انسحابها من جميع الأراضي العربية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية.

وتُبدي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعماً لإسرائيل، ولا تُبدي تعاطفاً يُذكَر مع الموقف اللبناني. وعلى الرغم من إقرارها بالقيود اللبنانية، فإنّ الأمريكيين حريصون بشدة على المضي قُدماً في مسار "اتفاقيات أبراهام"، التي تسعى إليها إسرائيل أيضاً. وسيمثل النجاح في هذا المسار انتصاراً سياسياً كبيراً لترامب.

في الوقت نفسه، قد يتأثر ترامب ومن حوله بتحالف ناشئ في واشنطن يضمّ مؤسسات مقرَّبة من إسرائيل وشخصيات لبنانية تعتقد أنّ سلاماً لبنانياً إسرائيلياً من شأنه أن يُهمِّش حزب الله ويُسهم في ازدهار لبنان. وقد استغل بعض هؤلاء وسائل الإعلام للترويج للتطبيع، كإجراء مقابلة مع سفير إسرائيل في واشنطن حول السلام اللبناني الإسرائيلي.

لكنّ المشكلة تكمن في أنّ إقحام لبنان في سياسة لا تحظى بقبول واسع في المجتمع اللبناني قد يُؤدِّي إلى انقسام حاد في البلاد، بل قد يُثير جهوداً خارجية لتقويض أيّ فرصة أمام تسوية لبنانية إسرائيلية. إنّ افتراض أنّ حزب الله هو العقبة الوحيدة أمام السلام اللبناني الإسرائيلي خطأ، فالتطبيع اللبناني الإسرائيلي يواجه انتقادات كثيرة في المنطقة، ناهيك عن عدد من اللبنانيين الذين لا يرون حالياً أيّ مبرر لتجاوز الاتفاق على تدابير أمنية مع إسرائيل في الجنوب.

فعلى سبيل المثال، قد يُؤدي الضغط في هذا الشأن إلى جهود إيرانية وتركية لتقويض ما يتم التوصل إليه. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ الديناميكيات الأوسع نطاقاً في بلاد الشام اليوم تتحدد بتنافس إسرائيلي تركي إيراني لتوسيع نفوذ كل دولة، أو في حالة إيران، للحفاظ على ما تبقى من النفوذ.

ويجد لبنان وسوريا نفسيهما في قلب هذا الصراع الإقليمي. فمصالح تركيا وإسرائيل تتضارب في سوريا، بينما تتقارب مصالح الأتراك والإيرانيين لرغبتهم المشتركة في احتواء النفوذ الإسرائيلي، حتى وإن كانت تركيا تسعى إلى منع إيران من زعزعة استقرار سوريا. والجدير بالذكر أنّ حزب الله أرسل مؤخراً وفداً إلى إسطنبول، برئاسة مسؤول العلاقات الخارجية فيه، عمار الموسوي، للمشاركة في مؤتمر حول فلسطين. ويُزعم أنّ ذلك جاء عقب اجتماعات أخرى بين أعضاء الحزب ومسؤولين أتراك.

ربما لم يكن الاهتمام التركي بلبنان قوياً في السابق، لكنّه ازداد في ضوء تصاعد التوترات بين تركيا وإسرائيل ونفوذها المتزايد في سوريا. وقد أثار الاتفاق الأخير بين لبنان وقبرص لترسيم حدودهما البحرية غضب الأتراك، إذ يرون فيه تعدياً على مصالحهم في ترسيم الحدود البحرية مع الجزء التركي من قبرص، وكذلك مع سوريا.

علاوة على ذلك، فإنّ ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل وقبرص يُسهِّل نظرياً أيّ اتفاق محتمل لتصدير موارد لبنان من المحروقات البحرية، إن وُجدت، بالتعاون مع إسرائيل وقبرص. وفي المقابل يرغب الأتراك في أن يمرَّ مسار النقل الرئيس للنفط والغاز من بلاد الشام إلى أوروبا عبر تركيا، باعتبارها نقطة عبور للعديد من خطوط الأنابيب القادمة من روسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط إلى أوروبا.

ولذلك، لا يستطيع اللبنانيون أن يُخالفوا الإجماع العربي بشأن إسرائيل، ولن يسعوا بالتأكيد إلى تقارب قد يُفاقم علاقاتهم مع تركيا وسوريا. وإدراكاً لمصلحة إيران وتركيا المشتركة في ضمان عدم انضمام لبنان إلى دائرة نفوذ إسرائيل، لا يمكن للشعب اللبناني السماح بوجود انقسامات في مجتمعه قد تستغلها قوى خارجية وتوسعها.

ولهذا، فإنّ إصرار الولايات المتحدة على التطبيع مع إسرائيل فكرة كارثية. فعندما تُجبر الدول المنقسمة على الانحياز إلى أحد طرفي الصراع الإقليمي، قد تكون النتائج وخيمة، إذ لا يؤدي ذلك إلا إلى تفاقم الصراع الداخلي. وأوكرانيا مثال على ذلك، ولن يكون وضع لبنان أفضل حالاً. يجب على لبنان وإسرائيل ضمان وقف الهجمات العابرة للحدود بينهما، ولكنّ التطبيع، في الوقت الراهن، خطوة مبالغ فيها.

المصدر: مايكل يونغ، ذي ناشيونال، 16 كانون الأول ) ديسمبر) 2025

https://www.thenationalnews.com/opinion/comment/2025/12/16/beirut-is-in-no-state-to-advance-washingtons-project-to-normalise-lebanon-israel-relations/




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية