هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟

هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟

مشاهدة

18/12/2018

"من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"؛ هكذا لخّص المسيح حقيقة الإنسان في كلّ عصر ومصر، لا يوجد إنسان مبرأ من الخطأ، وما سمّي إنساناً إلا لكونه ينسى، يخطئ ويتوب، يقع وينهض من جديد، وسيبقى كذلك حتى النهاية.
لكنّ واقع حياتنا يقول: إنّه قد يختلف الأمر إذا تعلق بكبار المثقفين، أو قادة الرأي في المجتمعات، أو صنّاع الرأي العام، أو النخب التي تعبّد للناس طريق الحضارة بأفكارها وإبداعاتها.
قد يتسامح المجتمع مع جلّ أعضائه، ويغفر ويستوعب الزلات والهنات، لكنّ الأمر يختلف إذا تعلق بالمثقف.

البعض يرى أنّ المثقف يجب أن يكون نبياً أو وقديساً، ما دام يحيا في أنوار كلّ تلك الأفكار

البعض يرى أنّ المثقف يجب أن يكون نبياً أو وقديساً، ما دام يحيا في أنوار كلّ تلك الأفكار، التي تملأ الدنيا وعياً وحضارة وتقدم، معتقدين أنّه لا بدّ من أنّ وهج تلك الأفكار يجب أن يدفّئه هو أولاً، وبالتالي لا ينبغي له أن يتلبس بما يتلبس به البشر من خطأ أو نسيان.
يجري الناس محاكمات يومية لحياة المثقفين أو المبدعين، ويتابعون كلّ لحظة في حياتهم، بطبيعة أنّ حياة هؤلاء دائماً تحت أضواء العدسات؛ لذا تبقى تصرفاتهم محلّ تغطية إعلامية مكثفة واهتمام دائم من الناس، وتحظى هفواتهم أو كبواتهم، أو حتى جرائمهم، بضجيج أوسع بكثير من واقع غيرهم.

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
وتقوم الدنيا ولا تقعد حين تسجل العدسات زلّة أو فضيحة تتعلق بأحدهم، ويقفز الجميع، إلا من رحم ربي، لتعليق المشانق ومحاكمة الأشخاص، دون سؤال عن السياق والظروف؛ فالناس في العادة ينصبون لهم محكمة، تكتفي من إجراءات التقاضي بإصدار الحكم النهائي البات، دون إبرام أو استئناف.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي
وهو ما يطرح سؤالنا: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟ وقبل أن تنطلق بنادق الإجابات بإجابات سريعة، دعونا نمضي مع ما سجله الناقد بول جونسون في كتابه "المثقفون".
ما فعله الكاتب برموز ثقافية وتنويرية كبيرة، مثل: جان جاك روسو، كارل ماركس، أرنست هيمنجواي، إبسن، برتراند رسل، ليو تولستوي، سارتر، أنه حوّلهم إلى أفّاقين وانتهازيين، كذابين شهوانيين، بل ومرتزقة.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
ذهب جونسون إلى نفس النتيجة، التي قد يذهب لها عامة الناس، في وسم هؤلاء المثقفين، بالتناقض بين أفكارهم وما دعوا إليه، اعتماداً على تقييم أخلاقي خاص لسلوكهم الشخصي، مستنداً، كما زعم، إلى اعترافاتهم ومذكرات القريبين منهم: زوجاتهم عشيقاتهم أبنائهم رفقائهم، منتهياً بأنهم يستحقون ما خلعه عليهم من أوصاف.
سجّل الكاتب أنهم جميعاً ناقضوا أفكارهم، ومارسوا ضدّها إلى حدّ ابتذالها، وباستثناء تولستوي؛ الذي تنازل عن أرضه لفلاحيه، وسعى إلى تعليمهم، فإنّ أياً منهم لم يقدم مصاديق على صلاحية أفكاره للتطبيق، وجميعهم، بمن فيهم تولستوي نفسه، يتشاركون باحتقار المرأة والهوس الجنسي بها، حتى أن تولستوي نفسه يشكو من شهوته بعد سنّ الثمانين، واصفاً إياها بأنّها وصلت حدّ المرض.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
حاول جونسون أن يصل، من خلال تحليله، إلى إصابة هؤلاء بمرض نفسي؛ هو الفصام أو "الشيزوفرانيا"، وكيف أنّ هؤلاء لم يهتموا بالإنسان كما ادّعوا، ولم ينحازوا للأفكار العظيمة التي بشروا بها؛ بل دهسوا القيم النبيلة التي ادعوا الانتساب لها، سعياً إلى المجد الشخصي، وهكذا سقطوا في الادعاء والخداع، على حدّ وصفه.
ضارباً المثل ببريشت؛ الذي كان يقضي ساعات يلطخ جسده وأظافره بالطين، كي يبدو بالنسبة إلى العمال واحداً منهم، فينطلي عليهم خداعه، وماركس، داعية الاشتراكية الأعظم، لم يدخل مصنعاً في حياته، وعاش وأسرته عالة على صديقه أنجلز، أما الفيلسوف الوقور، برتراند رسل، فكان يطارد أيّ شيء داخل تنورة، فيما عاش روسو بين جشعه الشديد للمال واحتقاره للثروة.

اقرأ أيضاً: المثقف وجهاً لوجه أمام التحولات الكبرى
معلومات من هذا القبيل تطالعنا، وتصدمنا، في هذا الكتاب، الذي يتعرض بالتحليل لسير مثقفين علمانيين، وأكثرهم من ذوي ميول اشتراكية وشيوعية صريحة، ربما حتى قبل بروز الماركسية كأيديولوجية.
الكتاب ليس "فضائحياً"، وإن كان "صادماً"؛ فهو دراسة حالة عن حدود التماثل والتباين بين الفكر والسلوك، يستبدل فيها المؤلف نزع الأقنعة بتثبيتها، دون أن يبخس أيّاً منهم حقه كمبدع، باستثناء حالة المسرحي الألماني بريشت، الذي عدّه لصّ أفكار بامتياز، نقل عن همنغواي وشلي وكيلخ وغيرهم، دون أن يغمض له جفن.
ما انتهى إليه الكتاب من تثبيت لفكرة التناقض والمرض النفسي لدى هؤلاء، تدعمه حالة التربص لدى أفراد المجتمع تجاه تلك الفئة بشكل خاص.
سألني شاب منصرف عن متابعة الشأن العام، يأساً وحنقاً: بمن تثق من الكتّاب والمثقفين؟ كان السؤال ظلّاً لهذا الموضوع في نفسه، كل يوم يطالع خبراً عن فضيحة لهذا الكاتب أو ذاك المفكر، ولا بدّ من أنه قرأ كتابات مشابهة لكتاب بول جونسون، بالتالي؛ تعزّزت لديه ما أسميه القناعات المريحة.

اقرأ أيضاً: المثقفون العرب الآن: بيانان وزمنان ورهانان
يجب أن نكفر بكلّ القيم، البشر كلهم كاذبون، مدعون، نفعيّون، مرتزقة، والمثقفون والكتّاب أكثرهم حظّاً من تلك الصفات، بالتالي؛ لا توجد منظومة قيمية يحسن أن أومن بها، أو أعمل على تمكينها في حياتي، وأدعو الآخرين لها.
ما لخصته كلمات المسيح نسخته أقوال جونسون وغيره كثيرون، وبقي الناس أسرع إلى محاكمة الآخرين، وحرق كلّ بضائعهم إذا ظفروا منهم بسلوك سلبي، أو هنة، هنا أو هناك.

اقرأ أيضاً: المثقف والمأزق العربي الراهن
ويبقى السؤال مشرّعاً هل لابد من الاتساق بين الأفكار والسلوك؟ واجتهادي الشخصي في الإجابة عن السؤال؛ أنّ القيمة تبقى مطلقة، ويبقى الالتزام بها نسبياً، وهذه إرادة الله تعالى، ومن أجلها خلق الجنة والنار الثواب والعقاب الغضب والمغفرة.
في تقديري؛ إنّ ما دعانا له النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كشف أهمية أن تبقى ساحة القيم مصونة نقية مكشوفة، يؤمن بها الجميع، ويرونها كرابعة النهار، لا يعكرها ولا يخدش الإيمان بها شيء، بينما أراد أن تبقى خصوصية الناس وحياتهم الشخصية وانعكاس بعض تلك القيم عليهم، سراً بين العبد وربّه؛ فنهى عن التجسس والتحسس.

ما دعانا له النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كشف أهمية بقاء ساحة القيم مصونة مكشوفة يؤمن بها الجميع

تأمّل ما قاله حين بادره شخص صائحاً: يا رسول الله، لقد زنى فلان، فقال صلى الله عليه وسلم من فوره: "هلا سترته بثوبك".
ما أودّ الإشارة إليه ليس دعوة مبطنة للرذيلة، أو حمايتها، كما سيقفز المتربصون إلى الحكم؛ بل حماية الفضيلة بنشرها، ومقاومة الرذيلة بعدم إشاعتها، بالقول أو الفعل، والتنزه عن الخوض في مثل تلك الأمور، التي يجب أن ينظمها قانون لا يهتك ستر البيوت أو الحياة الشخصية، وليحرص أفراد المجتمع على أن ينظروا إلى الناس، كلّ الناس، مثقفون وعامة، باعتبارهم بشراً، وأن وقوع بعضهم في الخطأ لا يهدم ما أنجزه أو قدمه من سابقة علم أو فضل.
سيبقى التناقض ما بقيت الحياة؛ لأنّنا بشر، طاقاتنا محدودة، لكنّ آمالنا في حياة نظيفة كاملة، فلنتغافر إذا كنا مفتقرين إلى مغفرة السماء، وسيبقى أملنا مشرعاً في مجتمعات نظيفة، لا تتلبس بنفاق نفسها، أو نفاق الآخرين.

الصفحة الرئيسية