هل يتآكل حياد الجزائر أمام قرابين فرنسا المتتالية؟

هل يتآكل حياد الجزائر أمام قرابين فرنسا المتتالية؟

مشاهدة

12/08/2020

حتى وقت قريب، ظلت فرنسا ترفض الاعتراف بممارساتها الوحشية بحقّ الشعب الجزائري خلال عقود الاستعمار، خاصة في أعوام الثورة، ما عمّق الصدع بين البلدين على مدى أكثر من خمسة عقود.

وجاء قرار الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أواخر تموز (يوليو) الماضي، خطوة على طريق التخلي عن هذا الرفض، بعد أن عهد إلى المؤرخ الفرنسي، بنيامين ستورا، بمهمة صياغة توصيات حول ذكرى الاستعمار والحرب الجزائرية، في إطار تعزيز المصالحة بين الشعبين الفرنسي والجزائري.

اعتذار على مضض

لأكثر من نصف قرن، تمادت فرنسا في إنكار جرائمها بحقّ الشعب الجزائري، بعد 132 عاماً من الاحتلال، الذي تضاعفت وحشيته بعد اندلاع ثورة التحرير، التي أدّت إلى قتل العديد من الفرنسيين والجزائريين ممن ناضلوا الاحتلال وإخفائهم، حتى جاء اعتراف ماكرون بقتل جيش بلاده للمواطن الفرنسي وعالم الرياضيات، موريس أودان، عام 2018.

المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا

ولم تكن تلك البادرة الأولى من باريس؛ إذ سلّمت، في مطلع تموز (يوليو) الماضي، رفات أربعة وعشرين مقاتلاً جزائرياً، استشهدوا في بداية الاستعمار الفرنسي، في القرن التاسع عشر، وهي لفتة عدّتها الجزائر خطوة كبيرة على طريق مصالحة متأخرة مع الماضي الأليم، دفعت المؤرخ بنجامين ستورا إلى الإعراب عن سعادته بهذه اللفتة من ماكرون، حيث قال في لقائه مع وكالة "فرانس برس": "من خلال هذه اللفتة، تعيد فرنسا اكتشاف تاريخها"، معتبراً أنّ "هناك حركة عالمية لإعادة ملائمة تاريخ الشعوب، ولا يمكن لفرنسا تجاهل ذلك".

التزمت الجزائر، منذ اندلاع الأزمة الليبية الحياد وضبط النفس، ونأت بنفسها عن التدخل العسكري، فهل يمكن أن تنجح محاولات باريس في تغيير هذا الموقف؟

كان ماكرون قد أثار الجدل في بداية حملته الانتخابية، عام 2017، حين وصف احتلال بلاده للجزائر بـ "جريمة ضدّ الإنسانية"، لكنّه تراجع فيما بعد عن قوله، لاجئاً إلى سياسة سلفه فرنسوا أولاند، الذي اعترف بجرائم بلاده، دونما اعتذار للشهداء الجزائريين، حتى على غرار ما حدث مع موريس أودان، وفسّر مراقبون هذا التراجع وقتها، بأنّه جاء تفادياً للتبعات التي يجب أن تتحملها فرنسا بموجب هذا الاعتراف، أولها المسؤولية التاريخية، والتي ستترتب عليها استحقاقات مادية وإنسانية تتعلق بالتعويض المادي والمعنوي، وفتح الباب أمام المتضررين للتقاضي، لا سيما أنّ البرلمان الجزائري قد رفض سابقاً إصدار قانون لتجريم الاستعمار، رغبة منه في الاعتراف الطوعي من قبل فرنسا.

لماذا الآن؟

تلعب فرنسا دوراً مهمّاً على الساحة الليبية، منذ اندلاع ثورة شباط (فبراير) 2011، وقد تبلور هذا الدور بعد التدخلات التركية الأخيرة، التي رفضتها فرنسا، وانضمت لحلفاء الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر (مصر، الإمارات، المملكة العربية السعودية)، فيما التزمت الجزائر حياداً منذ بداية الأزمة، بسبب انشغالها بأزماتها الداخلية، إلّا أنّ تجاهل الجزائر، جارة ليبيا، لإعلان القاهرة الذي أطلقه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في حزيران (يونيو) الماضي، فُهم وكأنّه رفض جزائري للتدخل المصري في الأراضي الليبية، بينما سبقت مبادرة القاهرة الإعلان عن التعديلات الدستورية الجزائرية، في أيار (مايو) الماضي، لمادَتي 31 و 95 من المسودة، اللتين يعتقد محللون أنّ تغييرهما سيحدث انقلاباً كبيراً في العقيدة القتالية للجيش الجزائري، التي من الممكن أن تؤدي لإرسال قوات عسكرية إلى الغرب الليبي.

وبينما اتّسم الموقف الجزائري بالتدرج، لعبت العلاقات الإقليمية بين دول الجوار دوراً مهمّاً في تأطير هذا التغيّر، الذي، بحسب الكاتب الصحفي الفرنسي وعضو حركة فرنسا الأبيّة الاشتراكية، ميشيل فرانسوا، أصبح مركباً بسبب العلاقات القوية بين الإمارات والجزائر، التي تتميز بثبات واستقرار بخلاف علاقة الأخيرة بأنقرة، بينما لا تملك الجزائر خيار المواجهة العسكرية مع قوات حكومة الوفاق؛ إذ لا تريد مواجهة حليفها الروسي، إلى جانب مرتزقة أردوغان.

الباحث في الفلسفة العربية الإسلامية بجامعة السوربون والناشط السياسي الفرنسي، فرانسيس إيمانويل لـ"حفريات": ما يجري هو تصالح سياسي مع الماضي واحتياج فرنسا إلى الجزائر لا ينكره أحد

وأشار فرانسوا، في حديثه لـ "حفريات": "التزمت الجزائر الحياد حتى اللحظة التي وصل فيها رئيس برلمان طبرق، عقيلة صالح، إلى الجزائر، في حزيران (يونيو) الماضي، والذي أكّد للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال زيارته على تبني بلاده لسياسة الحوار بين الأشقاء، وأهمية السيادة الليبية، باعتبارها معززاً للأمن القومي الجزائري، الذي تضرّر بشكل كبير بعد 2011؛ بسبب الفوضى في ليبيا، ما جعل تكلفة تأمين الحدود مرتفعة للغاية للدولة الجزائرية، التي يتضح أنّها تُستقطب إلى الجانب الفرنسي، الذي بدأ بمغازلتها منذ إعادة رفات الجزائريين، في تموز (يوليو) الماضي".

قربان فرنسي

في سياق موازٍ لتكليف ماكرون لـ "ستورا"؛ أعلن الرئيس الجزائري أنّه عيّن الدكتور عبد المجيد شيخي، المدير العام لمركز المحفوظات الوطني الجزائري، للقيام بأعمال "التحقيق" حول القضايا التذكارية بين البلدين، التي ستتم بينه وبين بنيامين ستورا، في إطار هذه الخطوة التاريخية، وقد نال استحسان الجزائر اختيار باريس لـ "ستورا"، المولود عام 1950 في قسنطينة الجزائر، وهو أحد أشهر المتخصصين في تاريخ الجزائر، خاصة في الحرب (1954-1962) التي أدّت إلى استقلال البلاد.

اقرأ أيضاً: الجزائر إذ تقطع الطريق على التدخلات التركية في ليبيا

وفي رسالة بعثته؛ حدّد إيمانويل ماكرون أنّه "من المهم أن يعرف تاريخ الحرب الجزائرية وينظر إليه بوضوح، وعلّق ستورا على ذلك بأنّه "يتعلق باسترضاء الجزائر جراء ما أصابها، وكذلك خروج من صراعات الذاكرة للأجيال الشابة من البلدين".

وفي مقابلة له مع راديو فرنسا الدولي (RFI)، عشية تلقي رسالة التكليف، أصرّ بنيامين ستورا على أنّه "ليس ممثلاً للدولة الفرنسية"، وأكمَل "لا يمكنك التوفيق بين الذكريات نهائياً، لكنني أعتقد أنّه يجب علينا المضي قدماً نحو سلام نسبي للذكريات، من أجل مواجهة تحديات المستقبل، على وجه التحديد، حتى لا نبقى سجناء الماضي طوال الوقت؛ إذ تحتاج فرنسا والجزائر إلى بعضهما".

وقد فسّر هذا الأمر الباحث في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية بجامعة السوربون والناشط السياسي الفرنسي، فرانسيس إيمانويل؛ بأنّه تصالح سياسي مع الماضي، لأجل المضي قدماً في المصالح المشتركة بين البلدين، وهي نيّة معلنة منذ صعود ماكرون إلى سُدّة الحكم، إذ امتلك القدر الأدنى من الشجاعة للاعتراف بأخطاء الاستعمار، وهي خطوة تُحسب له".

اقرأ أيضاً: حركة رشاد الإخوانية تمهد لعودة سنوات الدم في الجزائر

وأضاف إيمانويل، في تصريحه لـ "حفريات": "احتياج فرنسا إلى الجزائر لا ينكره أحد، فأكبر جالية جزائرية في العالم توجد في فرنسا، ما يعني أنّهم صاروا جزءاً من المجتمع الفرنسي، شاء من شاء وأبى من أبى، ولا يمكن لهذه الحقيقة أن يغيرها إنكار الماضي، كما أنّ المصالح الإستراتيجيّة الممثلة في محاربة الإرهاب بين البلدين، تُحتم على فرنسا تقديم استحقاقات تاريخية للجزائر، لا سيما بعد الفوضى الليبية، التي تودّ أنقرة تأجيجها، ما يهدّد أمن الجزائر بشكل كبير، ومصالح فرنسا الاقتصادية التي تمثّل عماد اقتصادها الداخلي".

التزمت الجزائر، منذ اندلاع الأزمة الليبية الحياد وضبط النفس، ونأت بنفسها عن التدخل العسكري، فهل يمكن أن تنجح محاولات باريس في تغيير هذا الموقف؟

الصفحة الرئيسية