هل ستغرق ليبيا من جديد في الحرب الأهلية؟

هل ستغرق ليبيا من جديد في الحرب الأهلية؟


كاتب ومترجم جزائري
27/07/2022

ترجمة: مدني قصري

"حكومات موازية"، "عودة إلى الحرب الأهلية"، "تقلبات سياسية"، "اشتباكات مسلحة في طرابلس"، بعد عدة أشهر من الحرب الأهلية الليبية الثانية (2014-2020)، التي انتهت بعد اشتباكات عنيفة عديدة شهدت مواجهة بين حكومتين  متنافستين؛ واحدة في طرابلس، إلى الغرب، والأخرى في طبرق، إلى الشرق، ها هي ليبيا مرة أخرى تغرق تدريجياً في صراع سياسي يتطور أكثر فأكثر عسكرياً.

لم تنتهِ الحرب الأهلية الليبية الأخيرة حقاً؛ فهي إذ تندرج في سياق استمرار الفراغ السياسي الذي خلّفه موت معمّر القذافي في نهاية الحرب الأهلية الأولى، شهدت الحرب التالية صراعاً بين قطبين سياسيّين عسكريّين رئيسيّين: في الشرق حكومة طبرق بدعم من روسيا، مصر ودول خليجية، بقيادة المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي (ANL)، وفي الغرب حكومة الوفاق الوطني (GNA)، بزعامة فايز السراج ومقرّها طرابلس، ومعترَف بها كحكومة شرعية وحيدة من قبل المجتمع الدولي وبدعم من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وقطر وتركيا ودول أخرى.

وصلت هذه الحرب الأهلية إلى ذروتها، منذ نيسان (أبريل) 2019 عندما شنت قوات المشير حفتر هجوماً واسعاً سرعان ما وجدت قوات حكومة الوفاق الوطني نفسها غارقة فيه، وعند شعورها بالنهاية الوشيكة المحتملة لحكومة طرابلس أرسلت تركيا أحدث المعدات الحربية (الطائرات بدون طيار على وجه الخصوص) إلى ليبيا، في أيار (مايو)، ما مكّن حكومة الوفاق الوطني من عكس الوضع وإحباط تقدم قوات المشير حفتر في ضواحي طرابلس.

...

وفيما تشهد الأزمة، على ما يبدو، ذروتها، اتفقت موسكو وأنقرة أخيراً على فرض وقف إطلاق النار، في 8 كانون الثاني (يناير) 2020، وإذا كانت أعمال القتال قد استمرت بشكل متقطع خلال العام؛ فقد ظلّ احترام الاتفاقية سارياً بشكل عام حتى توقيع وقف إطلاق النار الدائم، في 23 تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه.

لكن منذ ذلك التاريخ واجهت عملية السلام ومحاولات تحقيق الاستقرار السياسي فشلاً إثر فشل؛ المتحاربون الليبيون مسؤولون عن جزء كبير من الفشل، تماماً مثل رعاتهم الدوليين، وقد ظلّ كلّ طرف يلقي باللوم على الطرف الآخر عن فشل الحلّ السلمي للصراع، وقد خلقت الجهات الفاعلة في الأخير الظروف التي تدور فيها الأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها ليبيا حالياً.

فور التوقيع على وقف إطلاق النار النهائي، في أكتوبر 2020، عبّرت أطراف رئيسة في الصراع عن تشاؤمها، إن لم يكن عن تردّدها، بقدرة وفق إطلاق النار على الصمود

يتناول هذا التحليل عرض الظروف التي أدّت إلى اندلاع الوضع الحالي، وفي المرتبة الأولى منها الإخفاقات المتتالية للحلّ السلمي للنزاع وسوء النية عند مختلف الجهات الفاعلة، قبل أن يأتي، في جزء تالٍ، عرض وتحليل مداخل ومخارج الأزمة الحالية وآفاقها.

1. مسلسل فشل محاولات استقرار الأزمة سياسياً

 يمثّل اتفاق وقف إطلاق النار، الموقّع في تشرين الأول (أكتوبر) 2020، من قبل الأطراف المتحاربة في ليبيا لحظة تاريخية في الصراع: رمزياً إن كان هناك رمز حيث في اليوم نفسه، انطلقت أول رحلة تجارية بعد أكثر من عام باتجاه مدينة بنغازي، الواقعة بين أيدي حكومة طبرق، من طرابلس عاصمة حكومة الوفاق الوطني.

ومع ذلك كان من الصعب للغاية الوصول إلى هذا الاتفاق، استقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، من منصبه، في آذار (مارس) 2020، بسبب "الإرهاق"، الذي لم يتوقع شيئاً آخر غير وقف القتال وإنهاء الحصار الذي يمارسه الجيش الوطني الليبي ضدّ البنية التحتية النفطية في البلاد، والذي ظلّ يخنق كلاً من الحكومة في طرابلس وحكومة طبرق.

واجهت عملية السلام ومحاولات تحقيق الاستقرار السياسي فشلاً إثر فشل؛ المتحاربون الليبيون مسؤولون عن جزء كبير من الفشل، تماماً مثل رعاتهم الدوليين، وكلّ طرف يلقي باللوم على الآخر

 كما تضمّن اتفاق وقف إطلاق النار هذا وعداً بتشكيل "لجان فرعية" مستقبلية لمناقشة مواضيع متنوعة وحساسة؛ مثل رحيل القوات الأجنبية من ليبيا، مثل القوات التركية ومرتزقتها السوريين في الغرب، أو التشاديين ومجموعة فاجنر في الشرق، وتنظيم انتخابات أو توزيع موارد البلاد الاقتصادية، لا سيما الرواسب الغنية من الهيدروكربونات التي تعدّ أراضيها والساحل الليبي غنية بها بشكل خاص.

لكن لم تجد أيّ من هذه الإشكاليات حلاً حقيقياً في الأشهر التي تلت، ويرجع ذلك إلى حدّ كبير إلى عدم وجود إرادة من قبل الأطراف الخارجيين للنزاع للموافقة على تقديم تنازلات.

2. استمرار سوء النية من جانب الأطراف المعنية

 فور التوقيع على وقف إطلاق النار النهائي، في تشرين الأول (أكتوبر) 2020، عبّرت عدة أطراف رئيسة في الصراع عن تشاؤمها، إن لم يكن عن تردّدها، فيما يتعلق بقدرة وفق إطلاق النار على الصمود مع مرور الوقت. فعلى سبيل المثال؛ أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أنّ الصفة النهائية لوقف إطلاق النار "لا تبدو له قابلة للتحقيق حقاً".

وبالمثل؛ ففي حين أعلنت القائمة بأعمال مستشارة الأمم المتحدة الخاصة بليبيا، ستيفاني ويليامز، يوم توقيع وقف إطلاق النار أنه يجب على جميع المقاتلين الأجانب مغادرة البلاد في غضون ثلاثة أشهر، استغرق الأمر عاماً كاملاً حتى تتّفق الأطراف على اتفاق رسمي بشأن هذه المسألة، في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2021. هنا أيضاً أحجمت القوى المتدخلة في النزاع عن الوفاء بالتزاماتها، وادّعت أنقرة، على سبيل المثال؛ أنّ تركيا لن تسحب قواتها إلا عندما "تفعل ذلك أوّلاً" الأطراف المتحاربة في النزاع. في الواقع، بصرف النظر عن القوات التركية وحلفائها، احتفظت الأطراف الأخرى بوجود عسكري في البلاد، لا سيما روسيا، من خلال مجموعة فاغنر.

بالطريقة نفسها؛ ففي أثناء المشاركة في المناقشات التي تهدف إلى وضع خريطة طريق للسلام، خلال "مؤتمرات برلين" على وجه الخصوص، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020 و23 حزيران (يونيو) 2021، والتي طالبت من بين أمور أخرى الوقف الفوري لتوريد الأسلحة للمتحاربين، واحترام الحظر المفروض على المعدات العسكرية، وعلى الأطراف الدولية المناصرة الرئيسة، وفي مقدمتها مرة أخرى تركيا وروسيا، وسواهما الالتزام بذلك.

3. استمرار تأجيل الانتخابات

 في 10 آذار (مارس) 2021، وكجزء من خطة حلّ النزاع الموضوعة تحت رعاية الأمم المتحدة، تمّ تشكيل حكومة مؤقتة في طرابلس لتحلّ محلّ الحكومتين المتنافستين في الغرب والشرق الليبيين: تم تعيين عبد الحميد الدبيبة، وهو رجل أعمال من مدينة مصراتة رئيساً للوزراء مؤقتاً، حيث كلّف بتنظيم الانتخابات المستقبلية، الرئاسية والتشريعية.

بعد عدة أشهر من العمل والمفاوضات تم تحديد موعد للانتخابات الجديدة: 24 كانون الأول (ديسمبر) 2021، ومع ذلك، بسبب الخلافات المحيطة ببعض القواعد الأساسية للاقتراع، لا سيما شروط أهلية بعض المرشحين، ومن بينهم المارشال حفتر ورئيس الوزراء المؤقت عبد الحميد الدبيبة، تم تأجيل الانتخابات أخيراً إلى حزيران (يونيو) 2022. في مواجهة هذا الفشل قرّر البرلمان الليبي تشكيل لجنة في الشهر التالي، من أجل وضع خريطة طريق سياسية جديدة لليبيا، ومع ذلك فإنّ البرلمانيين الليبيين المقيمين في طبرق معروفون بمعارضتهم لحكومة الوفاق الوطني.

وهكذا، في 24 كانون الثاني (يناير) 2022، نشرت اللجنة أول تقرير ينصّ على أنّ أيّة محاولة انتخابية جديدة ستستغرق تسعة أشهر على الأقل للتحضير، لمنع محاولات تزوير محتملة وضمان أقصى درجات الأمن في يوم الانتخابات، ولكن دعت اللجنة إلى تغيير رئيس الوزراء المؤقت من أجل تنظيم انتخابات جديدة، فيما تعهّد الدبيبة لمناصريه بـ "معارضة من يريدون إطاحته، واضعاً بذلك إطاراً للأزمة السياسية الليبية الجديدة التي سيتم عرض مخرجاتها في الجزء الثاني.

(يتبع جزء ثانٍ...)

مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://www.lesclesdumoyenorient.com/Nouvelle-crise-politique-en-Libye-le-pays-risque-t-il-de-sombrer-a-nouveau-dans.html

 

مواضيع ذات صلة:

دور إخوان ليبيا في فشل أعمال لجنة المسار الدستوري

ليبيا وإعلام الكراهية الإخواني

مسارات التوافق في ليبيا ورهانات القوى الدولية



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية