
ترجمة: محمد الدخاخني
لا يحتاج المراقبون المخضرمون للسياسة والاقتصاد الدوليين إلى من يخبرهم بأنّ النظام الدولي يعاني اضطراباً شديداً، فهذه الحقيقة واضحةٌ للعيان؛ فمن ارتفاع أسعار الذهب إلى انهيار مُخصَّصات المساعدات الدولية، تهزُّ موجات من الصدمات العالمَ بوتيرةٍ متسارعة.
يُعدُّ مارك مالوك براون، نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة، أحد الشخصيات التي ترى سبيلاً للمضي قُدُماً للمؤسسات الدولية الرئيسة التي يبدو أنّها ستُهمَّش بفعل التطورات الأخيرة. وينطلق الدبلوماسي البريطاني السابق من إعادة تنشيط المنظمات التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، لا سيّما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
يعود تاريخ هاتين الهيئتين والمؤسسات التابعة لهما إلى اجتماع عُقد عام 1944 في بريتون وودز، في جبال وايت بولاية نيو هامبشاير الأمريكية. لكن بعد أكثر من ثمانية عقود، وفي وقت يبدو فيه النظام العالمي كأنّه "ينقسم إلى كتلتين أو ثلاث كتل قوى"، يسعى عدد كبير من الدول إلى إيجاد بدائل لهذا المسار.
يشير تقرير شارك في تأليفه مالوك براون لصالح معهد التنمية الخارجية العالمي إلى القطيعة الجذرية مع نظام بريتون وودز منذ انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويؤكد التقرير أنّ "تقديم المنح من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة فقد الدعم السياسي، ليُصبِح ضحية أخرى لانهيار التضامن العالمي. ويُلقي هذا التحول بعبء أكبر على مؤسسات الإقراض، بدلاً من مؤسسات المنح، لسد هذه الفجوة".
بعبارة أخرى، فإنّ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هما الأنسب للعودة إلى الساحة الدولية في الوقت الراهن. وقد أخبرني مالوك براون عن وجود توقٍ شديدٍ لإيجاد حلول من دول "ترغب في حرية اتخاذ خياراتها السياسية".
وتنتشر تكهنات واسعة النطاق بأنّ هيئات منافسة، تسيطر عليها القوى الكبرى المستقطبة، ستتوسع في الفراغ الذي خلَّفته المؤسسات الدولية.
وعندما حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الشهر الماضي من أنّ منظمته تمر بأزمة، رأى كثيرون أنّ إضعافها كان متعمداً. قال: "إمّا أن تفي جميع الدول الأعضاء بالتزاماتها بالدفع كاملاً وفي الوقت المحدد، أو أن تُجري الدول الأعضاء إصلاحاً جذرياً لقواعدنا المالية لتجنب انهيار مالي وشيك".
ويُعدُّ إطلاق مجلس السلام التابع للرئيس الأمريكي أحدث مثال على التكتلات التي تبدو كأنّها تتعدى على اختصاصات كانت حكراً على الأمم المتحدة.
ومع ذلك، يشير مالوك براون إلى أنّ العديد من الدول والقادة الذين انضموا إلى مجلس السلام أوضحوا أنّ دافعهم هو الدور الذي سيضطلع به المجلس في إعادة إعمار غزة. وهذا ما أكده قرار مجلس الأمن الدولي، ومن المتوقع أن تُرفع تقارير عن أنشطة المجلس في غزة إلى مجلس الأمن. وبالتالي، فإنّ دور الأمم المتحدة يتغير ـ ولكنّه لا ينتهي ـ وهناك نقاط واضحة تعتمد فيها الدول على الأمم المتحدة في تبنّي نهج جديد.
ويشير مالوك براون إلى أنّ رئيس مجموعة البنك الدولي، أجاي بانغا، انضم إلى مجلس السلام لضمان مشاركة مؤسسته في تمويل خطط إعادة الإعمار. وقد صرَّح بانغا نفسه لمحطة إذاعية هندية في دافوس بأنّه يرى أنّ انضمامه إلى المجلس فرصة لا تتكرر. وقال: "من المهم الحصول على الدعم السياسي اللازم، هذا ليس بديلاً عن الأمم المتحدة".
ومع التحول الجذري في توجهات المانحين التقليدية بعيداً عن الولايات المتحدة وأوروبا، سيتحول تركيز العالم النامي حتماً. ولا شك أنّ هذا سيُبرز أدواراً جديدة لما وصفه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس بـ "القوى المتوسطة".
وبالنظر إلى دور دول الخليج في هذا السياق، لا يرى مالوك براون مجرد تكرار لأنشطة تقديم المنح التي كانت سائدة في العقود السابقة، بل تطويراً لإمكانات الموارد المتاحة.
فعلى سبيل المثال، يشير إلى دور صناديق الثروة السيادية في المنطقة في دعم المجالات التي "تلتقي فيها المصالح الأمنية الاستراتيجية والاستثمار". ومن خلال تعاون المؤسسات العالمية معها لن يكون من الممكن فقط تحقيق الأهداف الاستراتيجية لكلا الجانبين، بل ضمان عدم تهميش أيّ دولة.
وما تزال عبقرية عام 1945 ـ في إنشاء هيئات تمويل التنمية التي تُتيح للدول النامية فرصاً للاقتراض من الأسواق بأسعار فائدة تفضيلية للغاية - تُشكّل ركيزة أساسية للنظام الدولي. وقد أدت التساؤلات المتزايدة حول هياكل التحالفات الدولية القائمة وهيمنة الدولار وصعود أنظمة الائتمان البديلة إلى تعزيز دور هذه المؤسسات كملاذ أخير في نواحٍ عديدة.
وتخلق هذه الضغوط المتنافسة زخماً لإعادة ابتكار سريعة لأساليب عملها. ويرى مالوك براون أنّ هذا من شأنه أن يمنح الدول مجالاً أوسع لتولي زمام خطط تمويل التنمية الخاصة بها.
ويأتي تعزيز البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مصحوباً بالعديد من التحفُّظات، وهو نتيجة غير مقصودة لأكبر تحول سياسي تشهده الأجيال. لكن المؤكد أنّ أمام الدول المتوسطة فرصة واضحة لضمان استخدام الموارد بشكل مختلف، وأن تكون محركات نمو أفضل للعالم النامي في ظل المقاربات الجديدة الجريئة التي تنتظرنا.
المصدر: داميان ماكلروي، ذي ناشيونال، 3 شباط/فبراير 2026

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_0.jpg.webp?itok=Di4TYWFQ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D8%B2-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AF%D9%87%D9%8A.jpg.webp?itok=tiXXhcD0)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86%D9%8A_1_1_0_0_0.jpg.webp?itok=mo5Wod39)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A4_3_0_0_1_0.jpg.webp?itok=5LhvMVBt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/81872688-fbc4-42e8-89c8-2a104ba8fefe.png.webp?itok=E_fyVLVH)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%88%D9%88%D9%88_0.jpg.webp?itok=5vQRr4dD)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/kolds5bJ.jpg.webp?itok=XhkLPCxd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84_0_2.jpg.webp?itok=hQGL9w4e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%A1%20%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A_0_2_0.jpg.webp?itok=_sFlPzn8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_90.png.webp?itok=nqFTAzIc)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0.jpg.webp?itok=1nRP-ZIv)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/474d1761-eb23-42bc-9067-7e2924393dd2.jpg.webp?itok=B_iW5YGn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%20_2.jpg.webp?itok=AnV0Unc7)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/Screenshot%202026-06-16%20142601.png.webp?itok=2qlF45oa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1_89.png.webp?itok=7-WgJd8p)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%AD%D8%A7%D8%B6%D9%86%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8_0_1.jpg.webp?itok=WwqZho3e)