هل تكون الانتخابات طوق النجاة لليبيا؟

هل تكون الانتخابات طوق النجاة لليبيا؟


كاتب ومترجم جزائري
30/07/2022

تناول الجزء الأول من هذا التقرير النُذر التي تجعل ليبيا من جديد على حافة الحرب الأهلية، والأسباب التي تدفع إلى تشكيل نظرة متشائمة باتجاه انفراج سياسي في هذا البلد الغارق في نزاع يتعدى داخله ليعكس استقطابات الخارج. هنا جزء ثانٍ وأخير لاستكمال الصورة.

ترجمة: مدني قصري

 في أعقاب إعلان اللجنة الداعي إلى تغيير رئيس الوزراء، اندلعت أعمال شغب في طرابلس، ومن جديد أعيدت تعبئة مختلف الفصائل المسلحة، وسرعان ما اندلعت أعمال عنف كثيرة في جميع أنحاء البلاد، حيث إنّه في 10 شباط (فبراير) 2022،  قبل ساعات قليلة من اجتماع البرلمانيين للتداول حول وظيفة رئيس وزراء جديد، كان عبد الحميد الدبيبة هدفاً للعديد من المسلحين أثناء تجوله في أنحاء العاصمة الليبية، إذا كان، هو وسائقه، قد خرجا سالمَين؛ فإنّ ثقوب الرصاص العديدة في السيارة لا تترك مجالاً للشكّ في إرادة المهاجمين لاغتياله.

رغم كلّ ما حدث، عقد مجلس النواب اجتماعه واختار بين شخصيتَين يبدو أنّهما يحظيان بموافقة أكبر عدداً من النواب: فتحي باشاغا، وزير الداخلية السابق البالغ من العمر 59 عاماً، وخالد البباس، وهو مسؤول كبير سابق في وزارة الداخلية عمره 51 عاماً. لكن أخيراً فاز فتحي باشاغا، وبعد قرار مجلس النواب مباشرة سافر من طبرق إلى طرابلس ليشكر الدبيبة على عمله، ووعده بـ "فتح فصل جديد" و"مخاطبة العالم أجمع"، وفي 3 آذار (مارس) أدّى العديد من أعضاء حكومته اليمين أمام مجلس النواب.

يبدو أنّ الشرخ الجغرافي بين الغرب الليبي، الذي تجسّده طرابلس، وبين برقة التي تهيمن عليها طبرق، قد تمّ إضفاء الطابع المؤسسي عليه سياسياً واجتماعياً

ومع ذلك، فقد رفض رئيس الوزراء المؤقت السابق واقع سلطة خليفته، مؤكداً "عدم قبول أيّة مرحلة انتقالية جديدة أو أية سلطة موازية"، وداعياً الليبيين إلى النزول إلى الشوارع للاحتجاج على هذا الهجوم من قبل البرلمان لإطاحته، لبّى الآلاف من الليبيين دعوته وتحوّلت عدة مظاهرات إلى أعمال شغب أو اشتباكات مسلحة مع الميليشيات التابعة لطبرق: في 4 نيسان (أبريل) أدّى تبادل إطلاق النار بين الفصائل المتناحرة، في طرابلس، إلى مقتل شخصين وجرح كثيرين.

 وهكذا نشرت وزارة الدفاع الليبية، خلال شهر أيار (مايو)، "اللواء 444" في شوارع طرابلس، أحد أكثر الميليشيات نشاطاً وتسليحاً في معسكر الدبيبة، ما أثار "قلق" الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، جوزيب بوريل، الذي أكّد أنّه إذا أضحى الوضع في ليبيا "مقلقاً" فقد كان "متوقعاً"، معبّراً عن خوفه من العودة إلى حرب أهلية واسعة النطاق.

مجلس النواب الليبي

وهكذا استمر الوضع الأمني ​​في التدهور بسرعة؛ في 17 أيار (مايو) حاول فتحي باشاغا أن تطأ قدمه، للمرة الثالثة، طرابلس، من أجل تولي مهامه هناك، لكن واجه قتالاً في قلب المدينة أشعلته الميليشيات الموالية للدبيبة، لا سيما اللواء 444، مع جماعة النواصي التابعة لطبرق، التي انتشرت للترحيب برئيس الوزراء الجديد، ما أجبر الأخير على التراجع.

 خوفاً من فشل محاولة جديدة للاستيلاء على طرابلس، أعلن باشاغا، في اليوم نفسه، أنّه سيقيم حكومته الجديدة في مدينة سرت، وهي مدينة ترمز إلى خطّ النار الذي يفصل بين الأراضي التي تسيطر عليها طرابلس، وتلك الواقعة تحت سيطرة طبرق. 

 ثنائية سياسية

بعيداً عن تشكيل سيادة مشتركة على ليبيا، فقد شَلّت الثنائية السياسية التي يجسدها التنافس بين طرابلس وطبرق النشاط العام في البلاد، إضافة إلى الشلل الاقتصادي، بسبب الإغلاق القسري للبنية التحتية النفطية في البلاد، تعاني ليبيا من قرارات متناقضة أو أحادية الجانب تتخذها الأطراف المتصارعة. وهكذا صوّت مجلس النواب في طبرق، على سبيل المثال، بالإجماع، في 15 حزيران (يونيو)، على موازنة حكومة فتحي باشاغا، بعد رفضه في خمس مناسبات الموافقة على الموازنة التي اقترحتها حكومة الدبيبة، وافق مجلس النواب في النهاية على الميزانية المقترحة، بقيمة 90 مليار دينار (أي ما يقرب من 17,7  مليار يورو وفق سعر الصرف المعمول به يوم التصويت).

ليس من المستغرب أن تُعبّر الثنائية السياسية الليبية أيضاً في السياسة الخارجية: هكذا استنكرت وزارة خارجية فتحي باشاغا تصريحات وزارة خارجية عبد الحميد الدبيبة، في 25 حزيران (يونيو)، بشأن "التدخل" المزعوم من قبل القاهرة في الشؤون الليبية، والذي يشكّل، وفق طرابلس، "اعتداء على سيادة ليبيا".

 لقد اتّهمت حكومة فتحي باشاغا، بدعم من السلطات المصرية، منافِستَها في طرابلس؛ بأنها نفّذت، بهذا الإعلان "محاولة يائسة لزعزعة العلاقات الأخوية بين مصر وليبيا"، مرحّبة بـ "دور مصر في دعم السلام والأمن والشرعية السياسية في ليبيا".

رئيس الحكومة المكلف من البرلمان فتحي باشاغا

يدّعي كلّ طرف شرعيته في حكم البلاد ووضع ليبيا على قضبان الاستقرار السياسي والأمني​​، إلا أنّ التنافس بين طرابلس وطبرق يخلق أحياناً مواقف دبلوماسية جدّ هزلية؛ فهكذا، بعد نشر بيانٍ صاغته فرنسا بالاشتراك مع المملكة المتحدة والولايات المتحدة وإيطاليا وألمانيا، في 24 حزيران (يونيو)، داعية فيه ليبيا إلى حلّ خلافاتها بالحوار وحده وتنظيم انتخابات ديمقراطية، سارع الدبيبة إلى "الترحيب بهذا البيان، الذي يؤكد سياسته لنبذ العنف والانقلابات بالقوة أو عن طريق إنشاء إدارات موازية"، في حين أكّد باشاغا "حجم هذا البيان الذي كُتِب لدعم حكومته، خاصة الدعوة إلى تشكيل حكومة موحدة قادرة على حكم ليبيا وتنظيم انتخابات في جميع أنحاء البلاد”.

الاقتصاد النفطي الليبي رهينة

في عدة مناسبات، خلال شهرَي آذار (مارس) ونيسان (أبريل)، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط (NOC) في ليبيا تعليقاً قسرياً لاستخراج النفط في حقلَي الفيل والشرارة، وهما من أغنى الحقول ومن أكثر المواقع النفطية إنتاجاً في ليبيا، بسبب اقتحام المسلحين للحقوق للمطالبة بإغلاق المواقع. كما تمَ إغلاق محطتَين رئيستَين للنفط في ليبيا، وهما مليته (غرب طرابلس) وزويتينة (جنوب بنغازي)، بالقوة، من قبل رجال مسلحين طالبوا باستقالة الدبيبة.

أكَد وزير الغاز والبترول، محمد عون، في 29 نيسان (أبريل)؛ أنّ هذه الانقطاعات الإجبارية في إنتاج وتصدير المحروقات تسبَبت في خسارة ليبيا بمعدل 60 مليون دولار كل يوم، في الوقت الذي بسبب العقوبات الغربية على روسيا وصلت أسعار النفط إلى ذروة لم تشهدها منذ 2014. 

على مدار الأسابيع صارت جميع البنية التحتية الليبية تقريباً ضحية للإغلاق أو الاضطرابات، في حزيران (يونيو) 2022، كانت ليبيا تنتج فقط ما بين 100 ألف و200 ألف برميل من النفط الخام يومياً، مقابل 1,2 مليون قبل اندلاع هذه الأزمة الجديدة. 

 نشاط دبلوماسي دولي قليل الفعالية

اقترحت المستشارة الخاصة، ستيفاني ويليامز، يوم 5 آذار ( مارس)، لعب دور الوسيط بين الدبيبة وباشاغا من أجل جمع الإدارتين المتنافستين للعمل معاً مرة أخرى، وكان على كلّ معسكر تعيين ستة مندوبين لتشكيل لجنة لوضع إطار دستوري قابل للتطبيق لتنظيم الانتخابات المقبلة، وهذه اللجنة التي كان من المقرر عقدها في 15 آذار (مارس) لم ترَ النور في نهاية المطاف؛ بسبب معارضة طبرق لهذا المشروع.

أخيراً، وبفضل الجهود والمثابرة الدبلوماسية، اتفق الخصمان المتنافسان على الاجتماع، في 14 حزيران (يونيو) في مصر، في القاهرة، لحلّ خلافاتهما، لا سيما تلك المتعلقة بالإطار الدستوري للانتخابات. كانت العثرات عديدة وكانت بمثابة ذرائع عديدة لاستمرار وتعميق الخلافات بين الطرفين، بالتالي، عارض الطرفان في النهاية قبول ترشيح أيّ فرد إذا كان متزوجاً من أجنبية، وإن كان يحمل أو لا يحمل شهادات التعليم العالي، …إلخ. 

روسيا تفرض بشكل منهجي حق النقض (الفيتو) على تعيين الأمريكية ستيفاني ويليامز، رئيسة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي باركتها الولايات المتحدة

ومع ذلك، تظلّ إحدى نقاط المعارضة الرئيسة تتعلق بالمهمة العسكرية المحتمل أن يشغلها المرشح وقت الانتخابات: تدافع حكومة طرابلس، بأيّ ثمن، عن الحاجة الملحة لوجود مرشحين مدنيين فقط، وهذا من أجل إقصاء المارشال حفتر، رجل طبرق القوي. وفشلت المفاوضات في النهاية، في 30 حزيران (يونيو)، مُنهِيةً  بذلك إجراء الانتخابات المقبلة في ليبيا ومُخاطِرةُ بإثارة استمرار الاشتباكات المسلحة في جميع أنحاء البلاد، مثل تلك التي وقعت في 11 حزيران (يونيو) حزيران في طرابلس، والتي أدّت إلى إصابة أربعة أشخاص. 

ما تزال بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) بلا مسؤول رسمي، منذ استقالة الدبلوماسي السلوفاكي يان كوبيش، في 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021، فإذا كانت الدبلوماسية الأمريكية، ستيفاني ويليامز، تشغل هذا المنصب مؤقتاً، بحكم دورها السابق كمساعدة لكوبيش، والآن كمستشارة خاصة، وليس "مبعوثاً خاصاً"، للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش؛ فإنّ المنصب الأخير لا يمنحها الصلاحيات نفسها، ولا يسمح لها، في الواقع، بالحصول على مساحة كافية للمناورة وامتلاك الأدوات اللازمة لضمان فعالية الوساطة كما هو متوقع.

المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن ليبيا ستيفاني ويليامز

 يمكن تفسير غياب رئيس رسمي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بالخلاف القائم بين الفاعلين الدوليين الرئيسين المشاركين في الملف الليبي: منذ استقالة السلوفاكي يان كوبيش، المعروف بقربه من روسيا وهذه الأخيرة (روسيا) تفرض بشكل منهجي حق النقض (الفيتو) على تعيين الأمريكية ستيفاني ويليامز، رئيسة لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي باركتها الولايات المتحدة التي تستخدم هي نفسها حقّ النقض لعرقلة المرشحين الذين اقترحتهم موسكو.

من جهتها، سعت تركيا الحريصة على تأمين الاتفاقيات الموقعة مع ليبيا في السنوات الأخيرة، لا سيما الاتفاقية البحرية، المؤرخة في 27  تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، والتي تنصّ على إنشاء منطقة اقتصادية حصرية كبيرة في البحر الأبيض المتوسط​​، إلى مداراة كل طرف في الأشهر الأخيرة من أجل تجنّب اندلاع جديد للعنف. منذ نهاية شهر آذار (مارس)، ادّعى باشاغا أنّ لديه "علاقات جيدة جدًا مع تركيا" التي أقام معها "صداقة قوية جداً". وفي يومَي 22 و24 من  الشهر نفسه، تمّت دعوة ثلاثة من ممثليه إلى أنقرة للقاء مستشاري الرئيس التركي، بمن فيهم رئيس جهاز المخابرات هاكان فيدان.

وبحسب ما ورد من أنباء، حاول الوفد الليبي إقناع السلطات التركية بالتخلي عن دعمها للدبيبة ومساعدة حكومة باشاغا بدلاً من ذلك.

 وإذا كان المحتوى الدقيق للتبادلات غير معروف؛ فإنّه يبدو أنّها أثمرت بطريقة أو بأخرى؛ ففي 13 أيار (مايو)، استقبل الرئيس رجب طيب أردوغان، رسمياً، فتحي باشاغا في أنقرة، بدعوة من الرئاسة التركية. كان هذا التبادل في المستويات العليا رمزياً أكثر منه عملياً، وكان يهدف إلى إظهار رغبة تركيا في تطبيع علاقاتها مع طبرق والاستمرار في لعب دور دبلوماسي محفز في حل الأزمة الليبية.

ومن النتائج الأولى لهذا التطبيع؛ أنّ رئيس الجمعية الوطنية التركية، مصطفى سينتوب، أكّد، في 21 حزيران (يونيو) 2022، على هامش مؤتمر في إسطنبول؛ أنّ تركيا ستعمل على افتتاح قنصلية عامة تركية في بنغازي ومن أجل الحصول على استئناف رحلات شركة الخطوط الجوية التركية الوطنية التركية إلى أراضي شرق ليبيا، المتوقفة منذ سبع سنوات حتى الآن. 

وكانت الخطوط الجوية الليبية قد استأنفت بالفعل رحلاتها من برقة إلى تركيا، في نيسان (أبريل) الماضي، وتنوي تركيا، في الواقع، الحفاظ على وجود دبلوماسي وعسكري قوي في ليبيا، كما يتضح، على سبيل المثال، من موافقة البرلمان التركي، في 22 حزيران ( يونيو)، على تمديد مهمة القوات المسلحة التركية على الأراضي الليبية. 

الخلاصة

 وهكذا تكون الأزمة الليبية الجديدة مرتبطة بشكل أساسي بعدم حلّ المشاكل التي صنعت الأزمة الأولى؛ إذ يبدو أنّ الشرخ الجغرافي بين الغرب الليبي، الذي تجسّده طرابلس، وبين برقة التي تهيمن عليها طبرق، قد تمّ إضفاء الطابع المؤسسي عليه سياسياً واجتماعياً، أكثر من أيّ وقت مضى. يبدو أنّ دور المجتمع الدولي غير مؤكد تماماً: إذا كان اللاعبون الدوليون ما يزالون حاضرين جداً في المعادلة الليبية؛ فإنّ الأمم المتحدة تبدو، من جانبها، غارقة في هذه الأزمة التي لا يبدو أنّ أياً من أبطالها في السباق يميل إلى الموافقة على أيّ حلّ وسط. ومع ذلك؛ فمن طرابلس إلى طبرق، مروراً بالأمم المتحدة والمستشارين الغربيين، خاصة ما يقرب من ثلاثة ملايين ليبي، الذين سجلوا أنفسهم للتصويت عام 2021، يبدو أنّ الانتخابات تحظى بالإجماع كوسيلة متميزة، إن لم تكن الوسيلة الوحيدة لحلّ الأزمة؛ فإذا كان هذا الأفق ما يزال بعيداً فإنّ المسار الذي قُطِع منذ هجمات المشير حفتر في طرابلس ما يزال يبدو، هو الآخر، أبعد بكثير. 

المصدر:

https://www.lesclesdumoyenorient.com/Nouvelle-crise-politique-en-Libye-le-pays-risque-t-il-de-sombrer-a-nouveau-dans-3542.htm

مواضيع ذات صلة

ازدواج الجنسية آخر تجليات صراع الفرقاء في ليبيا

ليبيا: انتخابات رئاسية تحت رحمة الميليشيات المسلّحة

ما دور الإخوان في تجدد الاشتباكات المسلحة في ليبيا؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية