هل تعزز الانتخابات العراقية سطوة الميليشيات المسلحة؟

هل تعزز الانتخابات العراقية سطوة الميليشيات المسلحة؟

مشاهدة

24/06/2021

توقعت مفوضية الانتخابات العراقية أن يتجاوز عدد المنسحبين من الترشح للانتخابات البرلمانية المبكرة، المقرر أن تجرى في 10 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، الـ100 مرشح، وفق ما نقلت صحيفة "الصباح" الرسمية العراقية.

يأتي ذلك مع تجاوز عدد الذين تم استبعادهم من السباق الانتخابي عتبة الـ300 مرشح لأسباب تتعلق بقضايا جنائية، وأخرى تتعلق بعملهم السابق مع حزب "البعث" المحظور في العراق منذ الغزو الأمريكي للبلاد عام 2003.

ووفقاً للمسؤول الإعلامي في المفوضية حسن سلمان، فإنّ هناك طلبات انسحاب قدمت للمفوضية، وقد يرفض قسم منها، لكن بالنهاية قد يتجاوز عدد من سيتم الموافقة على انسحابهم الـ100 مرشح.

وتابع أنّ "المفوضية لا شأن لها بسبب الانسحاب، سواء أكان الانسحاب بقرار شخصي أم تحت ضغوطات، والمهم لديها هو أن يكون طلب الانسحاب وفقاً للضوابط".

وفي الوقت الذي شهد فيه العراق الإعلان عن انسحاب بعض المرشحين للانتخابات البرلمانية المقبلة، بسبب تعرضهم لضغوط، وتلقيهم تهديدات، قلل مستشار رئيس الوزراء العراقي لشؤون الانتخابات عبد الحسين الهنداوي من أهمية الحديث عن وجود ضغوط على المرشحين، قائلاً في مقابلة مع التلفزيون الرسمي: "ليست لدينا معلومات عن مرشحين مهددين".

وأشار إلى أنّ الحكومة عبرت نصف المسافة نحو الانتخابات، مضيفاً أنّ الانتخابات "لا معنى لها إذا لم تكن نزيهة وحرة وعادلة".

 

مفوضية الانتخابات العراقية توقعت أن يتجاوز عدد المنسحبين من الترشح للانتخابات البرلمانية المبكرة الـ100 مرشح

 

وأقرّ بأنّ قانون الانتخابات الذي ستجري بموجبه الانتخابات المقبلة "ليس مثالياً"، مشدداً على أنّ انسحاب بعض القوى من الانتخابات بسبب الوضع الأمني "لا يعني تأجيل العملية الانتخابية".

اقرأ أيضاً: هل تتوصل تركيا والعراق إلى اتفاق عادل لتقاسم المياه؟

في المقابل، أشار رئيس لجنة متابعة وتنفيذ البرنامج الحكومي حازم الخالدي إلى وجود "خلل كبير في الأداء الحكومي في ما يتعلق بسيطرة المال والسلاح"، لافتاً، في تصريح صحفي للسومرية، إلى "وجود جهات سياسية تمتلك المال والسلاح هي التي ستسيطر وستعيد حضورها في مجلس النواب"، على حد قوله.

وتابع الخالدي أنّ "مجلس النواب القادم لن يتغير كثيراً عن الحالي، إن بقيت سيطرة المال والسلاح للكتل السياسية المعروفة".

 

الإعلان عن انسحاب بعض المرشحين للانتخابات البرلمانية المقبلة بسبب تعرضهم لضغوط وتلقيهم تهديدات

 

وتداولت وسائل إعلام أمس وثيقة صادرة عن وزارة التربية العراقية موجهة إلى محكمة النزاهة في محافظة الديوانية جنوبي البلاد تظهر قيام المرشح للانتخابات أحمد بشير شاكر بتزوير شهادة الثانوية، موضحة أنّ الشهادة التي قدّمها أثناء ترشيحه للانتخابات تعود إلى شخص آخر يدعى علي غني طراد، وهو ما يؤكد لجوء بعض المرشحين للتزوير.

اقرأ أيضاً: الجيش التركي يواصل قصف شمال العراق... تفاصيل

ومع استمرار الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة "مجهولة" في العراق، سواء على قواعد عسكرية أو عبر تهديد وترهيب ناشطين، يتخوف العديد من النشطاء والمسؤولين والدبلوماسيين من أن تعزز تلك الفصائل، وبعض الأحزاب التابعة لها، وضعها وسطوتها قبيل الانتخابات المقبلة، الأمر الذي يبدد آمال المحتجين بأي تغيير في البلاد، خاصة أنّ سلسلة الأحداث التي شهدها العراق في الآونة الأخيرة أظهرت سطوة بعض تلك الجماعات المسلحة، المتحالفة مع إيران، وإفلاتها من العقاب والمحاسبة.

وبينما تستعد أكبر الأحزاب العراقية لتقسيم الغنائم الانتخابية، ما يزال ترهيب وتهديد وقتل الناشطين المطالبين بعدم المحاصصة بين الأحزاب، والإصلاح، وعدم التبعية للخارج، مستمراً، ما دفع العديد من المرشحين الشباب إلى الانسحاب أو عدم التقدم أصلاً للمشاركة في هذا الاستحقاق المقبل.

وفي هذا السياق، قال الناشط الحقوقي العراقي البارز حنا إدوار، بحسب ما نقلت وكالة "رويترز" اليوم: إنّ تصفية الناشطين وتهديد المرشحين مستمر"، موضحاً أنه سيكون من الصعب جداً إجراء انتخابات نزيهة في تلك الأوضاع.

 

الخالدي: وجود جهات سياسية تمتلك المال والسلاح هي التي ستسيطر وستعيد حضورها في مجلس النواب

 

من جهته، أوضح الناشط هشام الموزاني، الذي شارك في تأسيس حزب سياسي جديد، أنّ انتشار أنصار الجماعات المسلحة المتنافسة في بغداد هذا العام هو الذي أخاف حزبه من الترشح في الانتخابات، وقال: "بتّ الآن مُهجراً، بعد أن أحرقوا سيارتي وهاجموا منزلي وأحرقوه".

ورأى مسؤول حكومي، اشترط عدم كشف هويته، أنّ المسلحين "وما وصفه بالحرس القديم هم المسيطرون في البلاد، وكل ما سينجم عن إجراء الانتخابات وإن بمراقبة دولية هو منحهم شرعية".

اقرأ أيضاً: الانتخابات وجدل الشَّرعيّة والمشروعيّة في العراق

ويبدو أنّ هذا الترويع المستمر والإفلات من العقاب يوجدان بيئة مواتية للأحزاب الكبيرة والجماعات المرتبطة بفصائل مسلحة ويعزز سطوتها في الانتخابات المقبلة، بحسب ما يرى دبلوماسيون ومراقبون.

 

الموزاني: انتشار أنصار الجماعات المسلحة المتنافسة في بغداد هذا العام هو الذي أخاف حزبه من الترشح في الانتخابات

 

وفي سياق منفصل، أعلن المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق أنّ 120 ألف نازح فقط سيحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة.

 وقال مدير مكتب المركز في بغداد حازم الرديني في بيان نشرته أمس وكالة "فرانس برس": إنّ "الانتخابات التي ستجرى في 10 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل سيشارك فيها 120 ألف نازح فقط ممّن حدّثوا بياناتهم البايومترية، وفقاً لقانون الانتخابات رقم 9 لعام 2020 الذي نص على تصويت النازحين وفق البطاقات البايومترية حصراً".

وأضاف أنّ "هذه العملية ستكون أكثر تنظيماً من الانتخابات السابقة"، مبيناً أنّ "النازحين والقوات الأمنية سيحق لهم التصويت ممّن حدّثوا بياناتهم البايومترية فقط".

ويكشف التدقيق في قوائم الأحزاب والكتل السياسية أنّ جميع التحالفات القائمة حالياً مبنية على أساس طائفي أو قومي، فهناك تحالفات شيعية محضة وأخرى سنيّة، فضلاً عن التحالفات الكردية، ما يجعل الشارع العراقي أمام وضع انتخابي شبيه بالانتخابات السابقة لكن بمسميات جديدة.

وتُعدّ مشكلة الطائفية في العراق من سمات العملية السياسية العراقية بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وعلى الرغم من أنّ كثيراً من الأحزاب والشخصيات السياسية كانت قد انتقدت على مدى الأعوام الماضية الطائفية السياسية وتعهدت بتشكيل كتل سياسية عابرة لها، فإنّ الواقع يشي بخلاف ذلك.

 

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق يعلن أنّ 120 ألف نازح فقط سيحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة

 

يقول رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، في تصريح نقله موقع "الجزيرة": إنّ السبب الرئيسي لهذه الحالة يرجع إلى عدم امتلاك القوى السياسية التقليدية ما يمكّنها من إقناع الجمهور العراقي بعد ما وصفه بـ(الفشل السياسي) في جميع الدورات البرلمانية والحكومات السابقة.

ويعتقد الشمري أنّ العودة إلى التموضع الطائفي الحزبي يأتي محاولة لجذب الناخبين واستحصال تعاطفهم لأجل الوصول إلى البرلمان مرّة أخرى، مشيراً إلى أنّ ما وصفه بـ(الفوبيا الطائفية القومية) تُعدّ أولوية في الحملات الانتخابية لهذه القوى دون استثناء أي منها.

اقرأ أيضاً: في الذكرى السابعة لسقوط الموصل: مَن المسؤول عن ضياع ثلث العراق؟ 

أمّا هاشم الجبوري الناشط السياسي وأحد أبرز المشاركين في الحراك الشعبي الذي انطلق في تشرين الأول (أكتوبر) 2019، فيرى في حديثه لـ"الجزيرة" أنّ العراق بعد عام 2003 يعاني من عدم امتلاكه طبقة سياسية ذات إمكانيات سياسية تمكنها من استمالة الجمهور من خلال مشاريع سياسية واقتصادية حقيقية، دون اللجوء إلى التخندق الطائفي القومي.

 

طلوبي: التخندقات الطائفية في التحالفات السياسية الحالية ماضية على ما كانت عليه في الدورات الانتخابية السابقة

 

ويتابع الجبوري أنّ الولايات المتحدة أسّست عرف المحاصصة بعد الغزو، وبالتالي فإنّ عدم وجود كفاءات سياسية وطنية أدى لظهور طبقة سياسية تختلق الأزمات في كل دورة انتخابية من أجل استمالة الجمهور عبر تخويفهم من القوميات والطوائف الأخرى.

ولا يعتقد الجبوري أن تشهد الانتخابات المقبلة تغييراً في السياسات العامة في البلاد، خاصة أنّ الحكومة العراقية أخفقت في مسيرة الإصلاحات التي طالب بها المتظاهرون، ومنها إقرار قانون الأحزاب وضبط السلاح المنفلت.

وفي الوقت الذي يرفض فيه رئيس قسم الشرق الأوسط في مؤسسة غالوب الأمريكية للأبحاث منقذ داغر تسمية الوضع الانتخابي الحالي بالتخندقات الطائفية السياسية، فإنه يشير إلى أنّ خريطة التحالفات السياسية كانت دائماً تُرسم على أساس "فكري إسلاموي أو معتدل"، بحسب تعبيره.

ويعلق داغر بأنّ الأحزاب الإسلامية في البلاد لم تخرج من الفكر الطائفي بتاتاً، مشيراً إلى أنّ هذه الأحزاب لا يمكن أن تتحالف مع تيارات فكرية أخرى، خاصة في الجانب الشيعي من هذه الأحزاب، بحسبه.

اقرأ أيضاً: تركيا تواصل انتهاك السيادة العراقية... ماذا فعلت؟

من جهته، يرى النائب عن كتلة "سائرون" التابعة للتيار الصدري صباح طلوبي أنّ التخندقات الطائفية في التحالفات السياسية الحالية ماضية على ما كانت عليه في الدورات الانتخابية السابقة، إلا أنها قد تشهد مزيداً من التخندق إثر التحالفات التي ستعقب ظهور نتائج الانتخابات.

 

الكاظمي يعتزم إجراء مباحثات للاتفاق على وثيقة لمنع تدخل الفصائل المسلحة في الانتخابات وتجريم استخدام الخطاب الطائفي والعنصري

 

أمّا النائب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني شيروان الدوبرداني، فيرى هو الآخر أنّ التحالفات السياسية في البلاد ماضية على النهج ذاته في التخندق الطائفي القومي، خاصة بعد أن فقدت الكثير من الأحزاب الإسلامية حواضنها الانتخابية، لافتاً إلى أنّ العملية السياسية بعد 2003 قسمت العمل السياسي بين المكونات الرئيسية الـ3، السنّة والشيعة والأكراد.

وفي إطار التحرك الحكومي، يعتزم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إجراء مباحثات مع مختلف قادة الكتل السياسية الرئيسية في البلاد، للاتفاق على وثيقة تؤكد على أهمية منع تدخل الفصائل المسلحة في الانتخابات بأي شكل أو صورة وتجريم استخدام الخطاب الطائفي والعنصري داخل المجتمع.

اقرأ أيضاً: اتفاق النفط بين العراق ولبنان.. صفقة غامضة مثيرة للشكوك

وأفادت مصادر إعلامية نقل عنها "مرصد مينا"، بأنّ حراك الكاظمي سيتم قبل انطلاق الحملات الانتخابية، مشيرة إلى أنّ خطوة الكاظمي تحظى بدعم زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر، ورئيس "تيار الحكمة" عمار الحكيم، ورئيس تحالف "النصر" رئيس الحكومة السابق حيدر العبادي، إلى جانب بعثة الأمم المتحدة في بغداد.

الوثيقة التي يطمح إليها الكاظمي تسعى إلى التوصل لعقد سياسي أو وثيقة، تتضمن منع الفصائل المسلحة من التدخل في العملية الانتخابية، بدءاً من مرحلة الدعاية الانتخابية مروراً بعملية الاقتراع لغاية إعلان النتائج، مهما كانت طبيعتها.

يُذكر أنّ العراق أقرّ قانون انتخابات جديداً في 2019، يشجع نظرياً المرشحين المستقلين، في خطوة تهدف لتشجيع الشباب المؤيدين للديمقراطية على الترشح، لكنّ قليلين منهم فعلوا ذلك حتى الآن.

وكان مجلس الأمن الدولي قد قرّر إرسال فريق أممي لمراقبة الانتخابات العراقية المقبلة، وهو ما يحصل للمرّة الأولى من قبل مجلس الأمن مباشرة، وليس عبر البعثة الأممية التي تراقب الانتخابات العراقية منذ الدورة الأولى لها عام 2005 إلى آخر انتخابات عام 2018، في محاولة لإنهاء حالة الجدل التي رافقت انتخابات 2018 التي شهدت حالات تزوير غير مسبوق.

الصفحة الرئيسية