هل تشهد الحوزة الدينية في إيران نهاية ديكتاتورية "الولي الفقيه"؟

إيران

هل تشهد الحوزة الدينية في إيران نهاية ديكتاتورية "الولي الفقيه"؟

مشاهدة

02/10/2018

ثمة مشهد يبعث بأسئلة عديدة ويضيء على سيناريوهات متفاوتة، فيما يخص موقف قطاعات عديدة من المجتمع الإيراني إزاء الهجوم على النخبة الدينية والحوزات العلمية، وكذا، الانتقادات الواسعة الموجهة ضد رجال الدين، ورفض سياسات الملالي.

يأتي ذلك في ظل تصاعد الغضب الشعبي الإيراني وتنامي رقعة الاحتجاجات المستمرة منذ نهايات العام الماضي، وقد شملت عدة مدن ومحافظات إيرانية، على خلفية قضايا الفساد المالي والقمع السياسي، وما يترتب عليهما من أزمات حادة، يعيش تحت وطأتها الإيرانيون، من بطالة وفقر شديدين، ناهيك عن الدور الإقليمي الذي يسعى نحو فرض هيمنته الخارجية، بقوة الأيدولوجيا والسلاح والمال السياسي.

اقرأ أيضاً: مأزق الدولة الدينية في إيران.. هل يحتضر نظام الملالي فعلاً؟

هذا الأمر يعكس تراجعاً في نفوذ ومكانة "الولي الفقيه" وحلحلة مرجعيته، وفقدان الحاضنة المجتمعية التي تضمن له الولاء والحماية، خاصة، بعد تكرار عمليات الهجوم التي قادها المتظاهرون ضد الحوزات الدينية، ومن بينها الحادث الذي وقع على إحداهما، في مدينة الكرج بالقرب من طهران، في شهر آب (أغسطس) الماضي.

متظاهرون يهاجمون حوزة دينية في منطقة كرج بإيران

محتجون ضد الاستبداد الديني

وبحسب ما نشرته وكالات الأنباء من معلومات، رصدت محاولات عدة للمحتجين لكسر أبواب الحوزة وإحراقها في مدينة الكرج، بينما ألقوا الحجارة على نوافذها، ورددوا هتافات من بينها: "الموت للديكتاتور".

بيد أنها ليست المرة الأولى التي يهاجم المحتجون والمتظاهرون حوزة دينية، حيث تكررت في شهور سابقة، عندما قاموا في كانون الثاني (يناير) الماضي، بمهاجمة حوزة في مدينة ماهدشت الإيرانية، وكسروا زجاج المصلى.

سقطت القداسة والعصمة التي كانت تحوزها تلك المرجعيات في إيران إبان الثورة الخمينية في متوالية الفشل السياسي والمجتمعي

وقد ذكر الملا دري نجف عبادي، إمام أراك، أنّ منازلهم (يقصد منازل رجال الحوزة الدينية) تعرضت للهجوم، في الاحتجاجات الأخيرة، حيث تعرض 60 مكتباً من أئمة الجمعة للهجوم، في معظم المدن الإيرانية، والتي تشهد منذ العام 2017، ما يقارب 150 حركة احتجاجية يومياً؛ أي ما يقرب من 54 ألف حركة احتجاجية، طوال العام، بحسب المعهد الدولي للدراسات الإيرانية.

باتت الفجوة بين الجماهير الغاضبة والنخبة، سواء السياسية أو الدينية، من الأمور الواضحة التي لا تقبل نزاع أو يتسرب إليها شك. القداسة والعصمة التي كانت تحوزها تلك المرجعيات في إيران إبان الثورة الخمينية، قد سقطت في متوالية الفشل السياسي والمجتمعي، الذي يعصف باستقرار الدولة ويهدد أبناءها، وتسبب في تآكله تفاقم الحالة الاقتصادية وتدهورها، وإلغاء الدعم الاقتصادي عن المواطنين، وانهيار العملة الإيرانية أمام الدولار، ومشكلات مكاتب الصرافة، وأزمة البازار، ما يفرض واقعاً مشحوناً بالغضب وعدم الثقة، تجاه مقدرة النخبة الحاكمة على وضع حل آمن للأزمات المحلية والإقليمية.

قلق المرجعيات الدينية وتآكل النفوذ

ويمكن رصد تعليقات عدد من المراجع الدينية، ممن أبدوا قلقهم تجاه الاحتجاجات الشعبية، فقد ذكر آية الله جواد آملي، أحد المراجع الشيعية المهمة في إيران، الذي يقر بولاية الفقيه أنّ "مهمة قوات الأمن هي تأمين البلاد، وإسكات الشعب في البلاد عبر الضغوط سيكون له نتائج مريرة".

اقرأ أيضاً: احتجاجات إيران.. الشارع ينفجر في وجه الملالي

ويضيف في عبارة تعكس تضحية المسؤولين الإيرانيين بهم أمام الغضب الشعبي: "إنّ كثيرين هربوا من الدولة أو هيأوا مكاناً للهروب، لكننا ليس لدينا مكاناً للفرار".

ويوضح جواد آملي: "إذا انتفض الشعب فسيلقى بالجميع في البحر". كانت تلك العبارة الواردة على لسان المرجع الشيعي، تعبر عن مضامين مهمة، بينما تكشف عن حجم الأزمة التي تعيشها المؤسسات الدينية الشيعية، ورجالها في إيران، بالإضافة إلى الخشية مما قد يتعرضون إليه بدون أدنى سند أو حماية من أحد.

 مئات المتظاهرين يهاجمون حوزة دينية بالقرب من طهران

ولفت آملي إلى تواطؤ المسؤولين الإيرانيين في التعمية على قضايا الفساد، وأشار إلى "امتلاء جيوب بعض الأفراد"، وتعطيل للمشاريع التنموية، بهدف حل مشكلة البطالة للشباب، ناهيك عن عدم السيطرة على رؤوس الأموال التي تهدر دون رقابة شعبية على الميليشيات، في سوريا والعراق واليمن.

الصياد لـ "حفريات": النظام الإيراني يملك مجموعات مصالح وشبكات دعم قوية من المنتفعين مالياً أو من المؤدلجين دينياً

وفي هذا الصدد، يوضح المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، أنّ سياسات النظام الإيراني قد قضت على أي أمل في قبول الإيرانيين للحوزة، كوسيط أو طرف في أي صراع سياسي، إذا ما أتيحت لهم حرية الاختيار؛ لأنّ محاولات النظام لتلجيم الحوزة أو الجناح المعارض للسياسي في الحوزة، والزج بالدين والفتوى في كل ما هو سياسي، حتى صار الذهاب إلى سوريا بأمر من المهدي، وتمهيداً لظهوره، والتدخل في اليمن والبحرين وبغداد ودمشق، باعتباره بوابة المرور نحو القدس.

الفاشية الأمنية في مواجهة الغضب الشعبي

ويؤكد المعهد في تقريره الشهري أنّ هذه المحاولات "صارت تغذي التيارات العلمانية والحداثية، وبصورة ما الإصلاحية كذلك من جانب، كما أنها تهدر من قيمة الحوزة من جانب آخر، في حين أنّ النظام لم يحاول مجابهة الفكر بالفكر بقدر ما واجه الفكر بالأدوات الأمنية المعهودة، حتى ولو فكراً من داخل الحوزة. فأدت سياسات النظام الاحتكارية أو التأميمية للحوزة إلى انهيار سمعتها في أوساط الإيرانيين، وتحويلها إلى هدف من أهدافهم في أي احتجاجات، إذ زال المقدس، تماماً كما حدث مع شخص المرشد الذي كانت مهاجمته شبه مستحيلة من قبل، أما اليوم فلا يوصف إلا بالديكتاتور من قبل المتظاهرين، ووفقاً لشعاراتهم".

اقرأ أيضاً: من ميزانية الدولة إلى جيوب الحوزة: مليارات في خدمة العمامة الإيرانية

وبحسب الدكتور محمد الصياد، الباحث في الشأن الإيراني، فقد شهدت الآونة الأخيرة في إيران احتجاجات متصاعدة في النواحي الاجتماعية والسياسية. وكان أبرزها أمران، الأول أنّ المتظاهرين والمحجتين هتفوا ضد المرشد ضمن هتافاتهم "يسقط الديكتاتور"، والثاني أنّ بعض المتظاهرين هاجم حوزات لرجال الدين، "بيد أنّ الحدثين لا يمكن تجاوز دلالتهما أبداً، إذ إنّ كثيراً من رجال الدين، في الفترة الأخيرة، بدأ يحذر بشدة من تآكل الفقه الثوري والولائي لدى فئات الشباب والنساء، لا سيما ممن ولدوا بعد الثورة، لدرجة أنّ المرجع الشيعي، آية الله جواد آملي، حذّر من إلقاء الشعب لرجال الدين في البحر إذا قامت ثورة".

باتت الفجوة بين الجماهير الغاضبة والنخبة سواء السياسية أو الدينية من الأمور الواضحة التي لا تقبل نزاع أو يتسرب إليها شك

الصياد يرى في تصريحه لـ "حفريات" بأنّ "بعض رجال الدين هوجمت منازلهم، وهذا المؤشر الخطير يدل على مدى انهيار قدسية رجال الدين والحوزة الحركية/ الثورية، في العقل الجمعي الإيراني. تلك القدسية التي حاول العلمانيون من جانب نفيها دوماً في مفردات خطابهم الديني والسياسي، وحاول الإسلاميون إثباتها وشرعنتها في خطابهم السلطوي والحوزوي".

وفي رأي الباحث في الشأن الإيراني، يبدو أنّ "القواعد الجماهيرية غير راضية عن النظام السياسي، بشيخوخته المتنامية؛ حيث يعيش حالة شيخوخة عمرية، وأخرى فكرية، ربما، تكون ناتجة عن الأولى. وهاتان الشيخوختان فصلتا النظام عن الشعب والجمهور، واتسعت الفجوة الفكرية والعمرية بين الحاكم والمحكوم، ما رسخ نظام الحكم الجبري، غير القائم على فلسفة رضاء الجماهير".

اقرأ أيضاً: لبنان..لهذا السبب طرد معمّم شيعي من حوزة علمية!

وفي المقابل، يرى الصياد أنّ النظام يملك مجموعات مصالح وشبكات دعم قوية، من المنتفعين مالياً، أو من المؤدلجين دينياً، ومؤمنين بولاية الفقيه بقراءتها الخمينية؛ وهو يعتمد على القوة الصلبة للدولة، بدلاً من مقبولية الجماهير. "لكن حتى هذه القوة الصلبة للدولة مهددة بالتآكل أو التراجع، إزاء حالة التنمية والعولمة والتكنولوجيا التي يعيشها المجتمع، وكذلك بسبب الشيخوخة العمرية التي يعيشها النظام".

الصفحة الرئيسية