هل اقتتال "حرّاس الدين" و"تحرير الشام" مقدمة لانتحار "القاعدة"؟

القاعدة

هل اقتتال "حرّاس الدين" و"تحرير الشام" مقدمة لانتحار "القاعدة"؟

مشاهدة

15/09/2019

خرج زعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري الأربعاء الماضي، في رسالة مصورة، مطالباً بتنفيذ هجمات ضدّ دول أمريكا والغرب، وذلك في الذكرى الثامنة عشرة لهجمات 11 سبتمبر، وداعياً في الوقت ذاته، في رسالة نشرها موقع "سايت"، المتخصص في متابعة أخبار التنظيمات الإرهابية، "الجهاديين" الذين "خانوا" أفكارهم، على حدّ تعبيره، إلى الرجوع للتنظيم!

أصبحت القاعدة حاضنة أيديولوجية وبؤرة لفصائل قد لا تحمل الإستراتيجيات نفسها وهي تحولات قد تضعف "القاعدة" أو تنهيها للأبد

كان يبدو على الظواهري كبر السنّ، كما كان يظهر عليه الإرهاق مما جرى لتنظيمه؛ من حالة التشظي والصراع على القيادة، وعدم انصياع الأفرع لقيادة القاعدة التاريخية، وتلك الحالة من الاقتتال التي تدور بين حرّاس الدين وتحرير الشام، وهما أكبر فصيلَين تابعَين للتنظيم، وتأثير ذلك مستقبلاً على وجود الشبكة القاعدية من الأساس.
لقد فقد الظواهري السيطرة، وتشظّى كيان القاعدة الموجود بسوريا إلى تنظيمين رئيسَين، هما: "حرّاس الدين" و"تحرير الشام"، وفي حين يتمسّك الأول بمرجعية تنظيم القاعدة الأم، وبالولاء للظواهري كأمير التنظيم ولـ "أبو محمد المقدسي" كمرجعية أيديولوجية، فإنّ الآخر يتمسك بمشروعه الخاص، ويستند إلى "أبو قتادة الفلسطيني"، بوصفه المرجعية الجهادية الداعمة لفكّ الارتباط.

اتهام (الحرّاس) لبعض قياداته بالإبلاغ عن الآخرين للتحالف
تجاوز الصراع بين التنظيمَين القضايا المرجعية إلى الخلافات السياسية والتنظيمية حول مسائل السلاح والمال، ودارت معارك شبه يومية بينهما، لكنّ أهمها على الإطلاق؛ اتهام (الحرّاس) لبعض قياداته بالإبلاغ عن الآخرين للتحالف، ثمّ اتهامه لرئيس تحرير الشام بالوشاية واغتيال قياداته؛ ففي يوم الجمعة، ١٩ تموز (يوليو) ٢٠١٩، تمّ قتل "أبو عمر التونسي"، و"أبو ذرّ المصري"، و"أبو يحيى الجزائري"، و"أبو دجانة التونسي"، بعد أن علّقوا قرار المشاركة في معارك ريف حماه وريف حلب، إلى جانب فصائل ما يسمى "الجيش الحرّ، المدعوم من تركيا؛ وهو الأمر الذي دفع "أبو همام الشامي"، زعيم التنظيم، لإصدار قرار بفصلهما، إلّا أنّ القياديَّين رفضا قرار الفصل، بوصفه قراراً غير صادر عن القضاء الداخلي، إلا أنّ موقفهما أيّده أكثر من ثلاثمئة عنصر في "حرّاس الدين"، مطالبين بالرجوع إلى القضاء لحلّ النزاع حول حلّ اللجنة الشرعية في الفصيل، وفصل شرعيين منه، وهذا الخلاف دفع ما يُعرف بـ "قاضي الحدود والتعزيزات"، في التنظيم "أبو عمر التونسي"، إلى جلسة بين الجانبَين لفضّ النزاع، لكنّ "أبو الهمام الشامي"، ومعه سامي العريدي، القيادي الآخر (كان ينتمي لجبهة النصرة) رفضا الأمر، وهذا الدّعم دفع الشامي إلى التصعيد عبر إصدار قرار يقضي بفصل "أبو عمرو التونسي" أيضاً، وبعدها تمّ استهداف هذه القيادات وقتلها.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
وفي 22 آب (أغسطس) 2019؛ أصدر القاعدة تأبيناً للقيادي "أبو خلّاد المهندس" المعروف كذلك بساري شهاب، بعد يومَين من إعلان تنظيم حراس الدين، المتحالف مع التنظيم في سوريا، مقتله في انفجار سيارة مفخخة في إدلب، مشيراً إلى أنّ انفجار السيارة (لا الغارة الجوية) يؤكّد أنّ هناك خيانة داخلية.

قامت هيئة تحرير الشام بفكّ ارتباطها مع تنظيم القاعدة
بعدها نقلت "وكالة الصحافة الفرنسيّة" عن مدير "المرصد السوريّ لحقوق الإنسان"، رامي عبد الرحمن؛ أنّ "هجوماً صاروخياً استهدف اجتماعاً عقده زعماء حراس الدين، وأنصار التوحيد، ومجموعات أخرى حليفة، داخل مخيّم للتدريب" قرب مدينة إدلب، وأنّ الهجوم تسبّب بمقتل 40 مقاتلاً على الأقل، مشيراً إلى أنّ هذا التطوّر ليس جديداً؛ فقد سبق لواشنطن أن شنّت هجوماً على "حراس الدين" في شمال غرب سوريا، في 1 تمّوز (يوليو) 2018.
حرّاس الدين صداع في رأس الجولاني
جاءت الظروف الواقعية في سوريا لتحسم لدى بعض العناصر خيارات أخرى، وكان هذا أشبه بعملية تفجّر داخليّ للانشقاقات داخل التنظيم، فولد تنظيم حراس الدين، في شباط (فبراير) 2018، بعد قيام هيئة تحرير الشام بفكّ ارتباطها مع تنظيم القاعدة، وتحدّث مراقبون عن احتمالية هذا الإجراء، وأنّه جاء بطريقة شكلية، وليست جوهرية، لكنّه ثبت فيما بعد أنّه صراع بين القاعدة المعولمة، والتنظيم ذاته الذي يؤمن بمحلية الجهاد، وكانت أبرز الفصائل التي تشكل منها هي: "جيش الملاحم"، و"جيش الساحل"، و"جيش البادية"، و"سرية كابل"، و"جند الشريعة".

لم تنحصر الخلافات بين أعضاء القاعدة في أروقة التنظيم بل امتدت إلى مواجهات عسكرية أودت بحياة مئات من العناصر

قاد حرّاس الدين سمير حجازي، الملقّب "أبو همّام الشامي"، ومجلس شورى مكوّن من "أبو جليبيب الأردني"، إياد الطوباسي، وبلال خريسات "أبو خديجة الأردني"، والشرعي السابق للنصرة، سامي العريدي "أبو محمود الشامي"، وخالد العاروري "أبو القسام الأردني"، لكنّ الملاحظ بعدها أنّه تمّ التخلص منهم واحداً تلو الآخر!
في بداية شهر شباط (فبراير) عام 2018؛ وقعت المواجهة العسكرية الأولى بين الطرفين، بعد حربٍ إعلامية وتبادل للاتّهامات بين الطرفين بالانحراف عن المشروع الإسلامي الجهادي، وأعلن حرّاس الدين عمل التنظيم على استهداف العدو القريب والبعيد في آن معاً، ممّا جعله يحصل على شرعية جهادية من معظم منظّري التيار السلفي الجهادي، وحظي بدعمٍ وتمويل مباشرٍ من القاعدة، واستقطب عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، الذين يعمل الجولاني على التخلّص منهم، بالقتل أو الاعتقال.

أبو محمد الجولاني
ولم تنحصر الخلافات بين أعضاء القاعدة في أروقة التنظيم، بل ظهرت إلى العلن، وامتدت إلى مواجهات عسكرية أودت بحياة مئات من العناصر، وأغرقت الاتهامات الجميع، حتى إنّها طالت زعيم النصرة سابقاً "أبو محمد الجولاني"، الذي تمّ اتهامه بالعمل مع الأتراك تارة، والأمريكيين تارة أخرى، والوشاية بالقيادات التاريخية لتقتل بدمٍ بارد، وهذا ما جرى تفصيلياً خلال الأيام القليلة الماضية، وتحديداً يوم 31 آب (أغسطس) 2019؛ حين تمّ استهداف أكثر من 40 شخصاً من المجموعات المسلحة، بينهم قيادات، جراء قصف جوي "مجهول المصدر" استهدف منطقة بين كفريا ومعرة مصرين شرق إدلب، وتمّ اتهام جبهة تحرير الشام بالإبلاغ عنهم.

اقرأ أيضاً: مقتل 40 قيادياً من القاعدة بضربة أمريكية.. أين؟
بحسب ما ذكرت المصادر الإخبارية؛ فإنّ القيادي الأردني، إياد الطوباسي، المعروف باسم "أبو جليبيب"، قتل مع اثنين مِن مرافقيه برصاص قوات نظام الأسد، في منطقة اللجاة، بريف درعا، بعد وشاية من أحد عناصر جبهة تحرير الشام، وهو الذي شغل من قبل منصب القائد العسكري لـ "جبهة النصرة" في الجنوب السوري، منذ منتصف عام 2012 وحتى نهاية عام 2015.
بعد هذا الحادث قتل "الشرعي العام" السابق لجبهة النصرة، سامي العريدي، أحد مؤسّسي "حرّاس الدين"، في سجون هيئة تحرير الشام، على خلفيّة مشادّة كلاميّة بينه وبين أحد "شرعيي الهيئة"، "أبو اليقظان المصري".
تمّ إطلاق مبادرة للصلح ووأد الانشقاقات بعنوان "والصلح خير"، في 25 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2017، لكنّ الجولاني أطلق حملة اعتقالات في محاولة لوأد تلك التحركات، شملت أسماء مثل؛ سامي العريدي، وإياد الطوباسي، قبل مقتلهما، وأبو القسام الأردني، وأبو الهمام الشامي، وأبو خديجة الأردني.


ورغم أنّ الجولاني، فيما بعد، قبل بالهدنة، لتحقيق عدة أهداف، منها: تصوير تنظيمه على أنّه الأقلّ حدّة وتطرفاً، والضغط بحرّاس الدين على النظام السوري والتحالف معاً، إلا أنّ الخلافات السياسية والتنظيمية حول مسائل السلاح والمال، والتعامل مع الجانب التركي، وفتح الطرق الدولية تطبيقاً لمقررات سوتشي، شكّلت المستوى الثاني من الانقسام، الذي أحدث افتراقاً بين مشروع يصرّ على تحمّل أعباء الثبات على ولائه للقاعدة، وهو حراس الدّين، مقابل آخر يذهب إلى التخفّف من التكلفة، وتقديم المصلحي على العقدي.

اقرأ أيضاً: داعش والقاعدة والحوثي والإخوان.. رباعي التطرف المتربص باليمن
وكان العاشر من شباط (فبراير) عام 2018، وتحديداً في بلدة "تل حدية" بريف حلب الجنوبي، شهد معارك طاحنة بين الفريقين تمدّدت لاحقاً في ريف حماه وإدلب واللاذقية.
ويرى الباحث الفلسطيني، المختص في شؤون الحركات الجهادية، ثابت العموري، في تصريح لـ "حفريات" أنّ "الحركتَين تتصارعان الآن على النفوذ والبقاء، وحين يتصارع الجهاديون فلا نهاية للصراع إلا بفناء تنظيم منهما، خاصة أنّ سبل الاقتتال والظروف المحيطة بهما في سوريا محفّزة على ذلك".
ظهور الظواهري لن يحلّ المعضلة؛ لأنّه بمرور الوقت، أصبحت القاعدة حاضنة أيديولوجية وبؤرة لفصائل قد لا تحمل الإستراتيجيات نفسها، وهذه هي التحولات الفارقة، التي قد تضعف القاعدة تدريجياً أو تنهيها للأبد.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية