
ترجمة محمد الدخاخني
هل ترغب معظم الدول في السلام أم الحرب؟ إذا أخذنا تصريحات قادتها على محمل الجد، فإنّ أغلبهم يختار السلام.
يتباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإنهاء ( (8حروب، وقد مُنح مؤخراً جائزة السلام الجديدة من الفيفا. وذكرت وسائل الإعلام الصينية الرسمية أنّ الرئيس شي جين بينغ "لا يلين" في "سعيه لتحقيق السلام". وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "نحن بحاجة إلى سلام دائم ومستقر على أسس متينة يرضي روسيا وأوكرانيا، ويضمن أمن البلدين". وترغب دول الخليج في السلام، وكذلك دول جنوب شرق آسيا.
في المقابل، يبدو أنّ القادة الأوروبيين وقادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) يتوقون إلى المواجهة.
خلال الأسبوع الماضي صرح وزير القوات المسلحة البريطاني، آل كارنز، قائلاً: "إنّ شبح الحرب يطرق أبواب أوروبا، وقد تكون هذه الحرب أكبر وأكثر دموية ممّا شهدناه في الآونة الأخيرة". وذهب الأمين العام للحلف، رئيس الوزراء الهولندي السابق مارك روته، إلى أبعد من ذلك. فقد قال أمام جمهور في ألمانيا: "يجب أن نكون مستعدين لحجم الحرب التي عانى منها أجدادنا أو أجداد أجدادنا". وأبلغت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، البرلمان الأوروبي أنّ من بين "أكبر تحديات عصرنا"
"حرب شاملة في قارتنا".
والآن، من الإنصاف الإشارة إلى أنّ قادة أوروبا ليسوا الصوت الشاذ الوحيد وسط بحر من دعاة السلام.
لقد انتهجت إدارة ترامب موقفاً عدائياً للغاية تجاه إدارة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ولم تستبعد غزواً برّياً للبلاد. وتخوض الصين نزاعات حدودية برية وبحرية مع العديد من دول المنطقة، وهو ما أدى إلى مواجهات متقاربة، واشتباكات دامية في بعض الأحيان - مع العلم أنّ لكل حادثة وجهين، وبكين ترفض تحميل نفسها المسؤولية وحدها.
ثم هناك روسيا، التي يُحذّر منها القادة الأوروبيون بشدة. حتى إنّ القيادة الصينية نفسها شعرت بالانزعاج من غزو أوكرانيا عام 2022. وقد أوضح بوتين جلياً أنّه لا يعتبر أوكرانيا "دولة حقيقية"، وكتب مقالًا عام2021 بعنوان "حول الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين"، وهو مقال يكشف الكثير.
ومع ذلك، لن نعرف أبداً ما إذا كان من الممكن تجنُّب المأساة التي حلت بأوكرانيا. ماذا لو لم تدعم الولايات المتحدة "ثورة مَيدان" التي أطاحت بالرئيس الأوكراني آنذاك فيكتور يانوكوفيتش عام 2014؟ لقد كتب عالم السياسة الأمريكي جون ميرشايمر مقالاً في العام نفسه بعنوان "لماذا تُعَدُّ الأزمة الأوكرانية خطأ الغرب"، وذكر فيه: "بالنسبة إلى بوتين، كان الانقلاب غير القانوني على الرئيس الأوكراني المنتخب ديمقراطياً والموالي لروسيا - والذي وصفه بحق بأنّه انقلاب - بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير".
لا يتطلب الأمر بحثاً معمقاً للتأكد من صحة موقف ميرشايمر من الناحية القانونية: فالخطوة غير قانونية، بل انقلاب، ووصف هذه التصريحات بأنّها "حجج روسية" لا ينفي عنها الحقيقة.
في عام 2023 صرّح الأمين العام "للناتو" آنذاك، ينس ستولتنبرغ، بأنّ بوتين أرسل في عام 2021 مسودة معاهدة للتوقيع عليها، تنص على عدم توسيع "الناتو" مستقبلاً، وأنّ ذلك كان "شرطًا مسبقاً" لعدم غزو أوكرانيا. وأضاف ستولتنبرغ: "بالطبع، لم نوقع على تلك المعاهدة". ماذا لو كان وقَّع عليها؟ المقصود هو أنّ هناك خيارات كانت متاحة لتجنب الحرب الروسية على أوكرانيا، لكنّها لم تُستغل.
على أيّ حال، فإنّ ما يتحدث عنه روته تحديداً يتجاوز بكثير نطاق أوكرانيا، وربما يتجاوز نطاق روسيا نفسها، مهما كانت أهداف موسكو. لقد ذكر حرباً على نطاق عاناه "أجدادنا أو أجداد أجدادنا". وهذا لا يعني سوى شيء واحد: "حرب عالمية". وأعتقد أنّ هذا تصريحٌ متهورٌ بشكلٍ مُرعب من قائد التحالف العسكري الذي يضم (32) دولة، ولا يوجد ما يُبرره في الأفق، بل إنّه يزيد من احتمالية نشوب صراعٍ مُدمر.
نعم، يُردد المثل الروماني القديم: "إذا أردت السلام، فاستعدّ للحرب" باستمرار. ولكنّي أضيف: "إذا أردت الحرب، فاستعدّ للحرب".
بعد شيطنة الدول، بل وثقافاتها أيضاً، ومعاملتها ككيانٍ شريرٍ مُتجانس - كما فعلت أوروبا مع روسيا والصين- ينبغي ألّا يكون مفاجئاً أن تتخذ هذه الدول مواقف دفاعية، وهجومية عند الضرورة.
لقد رأينا هذا على مستوياتٍ عديدة. تُعتبر مكاتب المجلس الثقافي البريطاني بمثابة مراكز حميدة للقوة الناعمة البريطانية، بينما تُعتبر معاهد كونفوشيوس الصينية أدواتٍ خطيرة للتلقين. لا تجد أوروبا غضاضة في اهتمام الولايات المتحدة الخاص بـ "جوارها القريب"، ولكن من الواضح أنّه من الخطأ أن تفعل الصين أو روسيا الشيء نفسه.
كتب المؤرخ والمحرر البريطاني ماكس هاستينغز، في لحظة صراحة، ما يُفسر هذا الرفض التام من جانب القادة الأوروبيين وقادة أمريكا قبل عهد ترامب لفهم وجهات نظر الآخرين: "نحن نعلم أننا الأخيار".
ويترتب على ذلك افتراض أنّ الآخرين هم "الأشرار"، لكنّ افتراض نواياهم الخبيثة قد يأتي بنتائج عكسية. مثال على ذلك: يُدان الرئيس شي جين بينغ في الغرب بسبب التوسع العسكري الصيني السريع منذ توليه السلطة عام 2012.
ومع ذلك، أخبرني أكاديميان متخصصان في الشؤون الدفاعية، أحدهما من الولايات المتحدة والآخر من أستراليا، بشكل منفصل، أنّهما سمعا همسات في واشنطن قبل أكثر من (15) عاماً تُشير إلى أنّ الصين خصم، وأنّه قد يكون من الأفضل للولايات المتحدة أن تبادر بالهجوم بينما تتمتع قواتها المسلحة بتفوق ساحق. وكما قال لي أحدهما: "إذا كنتُ أسمع ذلك، فكن على يقين أنّ بكين كانت تسمعه أيضاً"، ولهذا، ماذا سيكون الرد المنطقي لأيّ دولة في هذا الموقف؟
لا شك أنّ هناك حرباً هجينة قائمة: التجسس والتخريب والتسلل وإعداد خطط لقطع الكابلات البحرية وما شابه. لكن إذا كانت الصين وروسيا منخرطتين في مثل هذه الأنشطة، فسيكون من السذاجة بمكان ألّا تعتقد أنّ دول "الناتو" لا تفعل الشيء نفسه تماماً.
ومع ذلك، ما يزال الطريق طويلاً أمام إعلان احتمال اندلاع حرب عالمية وشيكة، وهو ادعاء تصعيدي خطير يُهدد بتأجيج التوترات وزيادة احتمالية الصراع. وبالتأكيد، يجب الاستعداد، ولكن على "الناتو" - الذي يُقال لنا مراراً وتكراراً إنّه تحالف دفاعي لا هجومي - أن يُركز بشكل أكبر على السعي نحو السلام، لا على محاربة أوهام من نسج خياله الجامح.
الوضع لا صلة له بـ "ميونخ إلى الأبد"، كما يُحبّ سياسيون مثل روته أن يُحذّروا في إشارة إلى اتفاقية ميونيخ سيئة السمعة لعام 1938 التي سمحت فيها قوى أوروبية أخرى لألمانيا النازية بضم منطقة السوديت في تشيكوسلوفاكيا. علينا الحذر من تكرار مثل هذا القول، خشية أن يتحول الأمر إلى نبوءة تحقق ذاتها.
المصدر: شولتو بيرنز، ذي ناشيونال، 17 كانون الأول (ديسمبر) 2025

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_16_2_1_2_7.jpg.webp?itok=z23MusTg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1699623_0_0_1.jpg.webp?itok=-uocDzy5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA%20.jpg.webp?itok=ZphtZC9P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_1.jpg.webp?itok=TU8ZrqB7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=MOzjq6o-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D8%A3%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%88%20%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D8%B3.jpeg.webp?itok=JalEsM_e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_24_3_2.jpg.webp?itok=zwsdF7DC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87_7.jpg.webp?itok=ElHFkX9u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_3.jpg.webp?itok=1JQXVRZ2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%AD%20%D9%85%D9%84%D9%81%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.jpg.webp?itok=W4C8vfw8)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%85.jpg.webp?itok=rOpfP4ap)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_12.jpg.webp?itok=IZ6ZBjOJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A.jpg.webp?itok=vDZKlrI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D9%8A.jpg.webp?itok=OIS5SU94)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%83.jpg.webp?itok=guPYxGvp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=3W9B1XtB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
