هل أضحى عبد الواحد المولع بالشعارات عقدة سلام دارفور؟

هل أضحى عبد الواحد المولع بالشعارات عقدة سلام دارفور؟

مشاهدة

25/07/2020

تتجه مفاوضات منبر جوبا بين الحكومة السودانية وحركات وأحزاب الجبهة الثورية نحو خواتيمها، باحتمال توقيع مرتقب على اتفاق سلام نهائي بينهما، بحسب تصريحات صحفية لرئيس الوساطة، الدكتور  أتوت قلواك.

 وفي الوقت ذاته، آثرت الحركة الشعبية شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو،  ترك الباب موارباً في إعادة التفاوض مع الحكومة السودانية إثر  تعثّر المفاوضات بينهما حول خلاف يظلّ قابلاً  لتذليل ما يكتنفه من صعوبات، لا سيما حين تنازلت عن شرط علمانية الدولة إلى بند علاقة الدين بالدولة؛ يبدو أنّ عقدة العقد في مسـلة السلام الشامل في السودان؛ هو الأستاذ عبد الواحد محمد نور، رئيس حركة جيش تحرير السودان، أكبر حركة معارضة مسلحة في منطقة دارفور.  

لا يمكن لأيّ مراقب لمواقف عبد الواحد محمد نور المعلنة أن يدرك تماماً ما يدور  في رأس الرجل، الذي لا يترجم ما يدور فيه إلا عبر الشعارات

لا أحد يعرف ماذا يريد عبد الواحد من الحكومة السودانية، كما قال الأستاذ محمد الحسن التعايشي، عضو مجلس السيادة والناطق الرسمي باسم الحكومة في مفاوضات السلام بجوبا؛ فموقف عبد الواحد الرافض للحوار مع الحكومة في أيّ مكان وزمان ودون شروط، هو موقف لا يمكن تفسيره، ويبدو بمثابة اللغز في أوساط المراقبين السياسيين، خاصة في ظلّ المناخ الجديد لمسار الحرب والسلام في السودان بعد نجاح ثورة 19 كانون الأول (ديسمبر) 2018 في إسقاط نظام الجنرال عمر البشير ، وبعد أن تغيَّرت  قواعد اللعبة في التفاوض بين حكومة الثورة وحركة عبد الواحد محمد نور ، بطريقة يمكن معها القول إنّ السلام أصبح أكثر قرباً من أيّ وقت مضى.   

اقرأ أيضاً: لأول مرة في تاريخ السودان.. سيدتان في منصب "والي"

حتى عندما ذهب رئيس وزراء حكومة الثورة للمرحلة الانتقالية، د. عبد الله حمدوك، للقاء عبد الواحد محمد نور في باريس، أثناء زيارة الأول لفرنسا بدعوة من الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، العام الماضي، أصرّ عبد الواحد أن يلتقي حمدوك بصفته الشخصية، لا كرئيس وزراء، ومع ذلك وافق د. حمدوك، لكن، بعد ذلك كلّه، لم يخرج من الرجل بشيء يذكر.

رئيس وزراء حكومة الثورة للمرحلة الانتقالية، د. عبد الله حمدوك

عبد الواحد محمد نور، نجم قنوات التلفزة العربية، ذو الأسلوب الحماسي في حديثه عن قضايا الثورة والحرب والسلام في السودان، يرى مراقبون كثر ، أنّه عادةً ما ينطلق من مقولات عامة، وتصورات نسقية عن الديمقراطية والسلام والنضال عبر  شعارات الصوت فيها أعلى من المعنى، لكنّه باستمرار يتجنّب الخوض في  التفاصيل والمحددات والقضايا الملتبسة، ففيما تصفه قوى الحرية والتغيير (الحاضنة السياسية لحكومة الثورة) بأنّه أحد الذي ساهموا مساهمة فعّالة في إسقاط النظام عبر المواجهة العسكرية لحركته على مدى أكثر من 15 عاماً، ضمن نضال قوى الشعب السوداني بكافة فصائله الحزبية وحركاته المسلحة، إلا أنّ عبد الواحد يصف قوى الحرية والتغيير بأنّها سرقت الثورة، وأنّ "ثورة ديسمبر" انحرفت عن مسارها، ولهذا يرفض الجلوس والتفاوض مع حكومتها!

الباحث أمين سنادة لـ"حفريات": ما يطلبه عبد الواحد من حكومة المرحلة الانتقالية من تنفيذ لشعاراته النظرية الفضفاضة فوراً؛ يفضي إلى التساؤل عمّا إذا كانت هناك حاجة للتفاوض أصلاً؟

وفي هذا الصدد يقول الكاتب الصحفي، أمين سنادة، عضو تنسيقية الحرية والتغيير:  "هروب عبد الواحد إلى الشعارات والدندنة حولها، والحماسة في الخطب النارية، يضع موقفه المعارض في خانة عدمية، إن لم نقل إنّها خانة تتقاطع، بصورة أو بأخرى، مع قوى الثورة المضادة، وتجلب الدقيق إلى طاحونها من حيث يدري أو لا يدري؛ إذ من الأهمية بمكان أن يفرق عبد الواحد بين زمنين؛ زمن مفاوضات حركته مع نظام الإخوان المسلمين بقيادة الجنرال عمر البشير، الذي كان يمارس مفاوضات عبثية هدفها تفتيت حركات الكفاح المسلح والتسويف عبر استثمار لعبة الوقت، وبين حكومة الثورة الجديدة، التي أتى بها الشعب السوداني بعد إسقاط نظام البشير، والتي من المفترض، نظرياً، ألّا يكون هناك خلاف كبير بينها وبين حركة عبد الواحد، في الأهداف العامة، كما بين كافة الحركات المسلحة المعارضة، سوى التفاوض حول تسوية  الترتيبات والأوضاع التي تهيئ للسلام.

عبد الواحد محمد نور هو رئيس حركة جيش تحرير السودان، أكبر حركة معارضة مسلحة في منطقة دارفور

ويضيف سنادة: "ما يطلبه عبد الواحد من حكومة المرحلة الانتقالية من تنفيذ لشعاراته النظرية الفضفاضة فوراً؛ يفضي بنا إلى التساؤل عمّا إذا كانت هناك حاجة للتفاوض أصلاً؟ وكأنّ الحاجة الماسة إلى التفاوض حول ملف قضية دارفور، وما يتصل بها من ملفات النازحين واللاجئين والمهجرين وقضية الحواكير والترتيبات الأمنية، تلك القضايا التي تشاطره في مسؤوليتها حركات دارفورية أخرى، كأنّها مسائل لا تحتاج إلى تفاوض وإلى الخوض في تفاصيلها على نحو ينهي إشكالاتها، ويرمم الضرر الذي ألحقه نظام الإخوان المسلمين بأهل دارفور؛ حين أوقد بينهم حرباً أهلية راح ضحيتها مئات الآلاف".

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم السودان بالتنازل لصالح أثيوبيا في أزمة سدّ النهضة؟

من جانبها تقول الكاتبة الصحفية درة قمبو، لـ "حفريات": "مطالب الأستاذ عبد الواحد محمد نور جديدة قديمة، فهو لم يطرح أيّة رؤية جديدة، ولا مواقف تفاوضية جديدة، ربما يبدي عبد الواحد بعض المرونة حين عرض التفاوض من داخل الخرطوم، لكنّ موقفه هذا، في تقديري، هو عملية هروب من استحقاقات منبر جوبا للسلام؛ فرغم مرونة الحكومة الانتقالية في التفاوض مع عبد الواحد في أيّ مكان ودون شروط مسبقة، وكذلك إعلان عبد الواحد مراراً أنّه يرغب في الوصول للخرطوم، لكن كيفية وصوله للخرطوم، وبناء على أيّ شروط سيصل للخرطوم، تبقى أسئلة مفتوحة ومعتادة في مثل التفاهمات للتواصل معه.

اقرأ أيضاً: لماذا أطلقت الأمم المتحدة استغاثة عاجلة بشأن السودان؟

 ربما أبدى عبد الواحد بعض الخطوات العملية، حين وافق على الظهور عبر الإذاعة السودانية للمرة الأولى، وأكثر من مرة، وكانت فيها إشارات إيجابية جداً للرأي العام، فصورة عبد الواحد للرأي العام أنّه عادة ما يظهر مرونة أكثر، لكنّ المشكلة تكمن في: كيف ستكون العملية التفاوضية التي يوافق عليها وهذا هو السؤال؟".

وتضيف الأستاذة درة قمبو ، في إفادتها لـ "حفريات":  "عبد الواحد يراهن على وجوده على الأرض، وسط معسكرات النازحين، وهذه حقيقة؛ فهو هناك ما يزال صاحب الصوت الأعلى وسط النازحين في المخيمات، والنازحون يتعامون معه كممثل وحيد لهم وهذه ميزة وورقة قوية ينفرد بها عبد الواحد عن بقية الحركات المسلحة في دارفور، لكن المعسكرات في حدّ ذاتها تعدّ قنبلة موقوتة يمكنها أن تنسف أيّ شيء يتمّ التوافق عليه بين الحكومة السودانية والأطراف المتفاوضة في منبر جوبا؛ فالتفاوض في جوبا يدور حول مطالبات بتمثيل للحركات المسلحة  في  المجلس السيادي للدولة بأربعة مقاعد، وإن رفض عبد الواحد نتائج مفاوضات جوبا فليس هناك إمكانية عملية لتطبيقها، بشكل مريح على الأقل، إن لم تكن هناك استحالة في تطبيقها على الإطلاق.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: تبعية لأردوغان وإثارة للفوضى في تونس ومزايدة على السودان

  وبكل تأكيد ستكون تطبيقات مخرجات سلام جوبا صعبةً للغاية، ما لم يبدِ عبد الواحد مرونة في ذلك، أو يبدأ في التفاوض من هذه النقطة مجدداً".

تواصل درة: "عبد الواحد، في تقديري، يرى أنّه يستحق نسبة منفردة بالكامل عن باقي حركات دارفور أي يستحق تفاوضاً منفصلاً؛ فهو يُقَيِّم وضعه بناء على شعبيته داخل معسكرات اللجوء، وهي شعبية لا يتمتع بها طرف غيره، وهنا تتعقد المشكلة باعتبار أنّ حركات دارفور الأخرى لديها وجود مسلح على الأرض، كما أنّ لديها علاقات خارجية دائمة وبشكل جيد، وهي علاقات لا يتوفر عليها عبد الواحد؛ بسبب رفضه المكرر  والمتصل لكلّ الخيارات والاحتمالات المطروحة من قبل الأطراف الداخلية والخارجية والوسطاء".    

وتختم درة بالقول: "لهذا لا يمكن لأيّ مراقب لمواقف عبد الواحد محمد نور المعلنة أن يدرك تماماً ما يدور  في رأس الرجل، الذي لا يترجم ما يدور فيه إلا عبر شعارات وكلام فضفاض، حول العدالة والسلام والديمقراطية ودولة المواطنة".  


الصفحة الرئيسية