هل أخرج داود عبد السيد المشهد الأخير لاعتزاله؟

هل أخرج داود عبد السيد المشهد الأخير لاعتزاله؟

مشاهدة

09/01/2022

يمتاز المخرج السينمائي المصري الكبير داود عبد السيد بفرادة أعماله وابتعادها عن المألوف، وحيويتها الشديدة، نهلها من الشارع والمجتمع، عنايته بالتفاصيل القادرة على إخبارك قصة جديدة كل مرّة تتأمل فيها أحد أفلامه. الغريب أنّ عبد السيد وهو مخرج بتلك القامة، لم يحرص على إخراج مشهد اعتزاله، أو تقديمه على النحو ذاته، صحيح أنّ الخبر هزّ الساحة الفنية، وصفع السينما كلها، لكنّه يظلّ مضنّاً في التفاصيل، موجزاً، مثيراً للجدل.

 سجله يتضمن 10 أفلام روائية طويلة أشهرها أرض الخوف والكيت كات وكلها أعمال أثارت ضجة

الجدل الذي صاحب خبر اعتزال عبد السيد قبل أيام متعدد الجوانب، سواء فيما يفتحه من نقاش حول أوضاع السينما المتأزمة، أو الطريقة التي خرج بها الإعلان، وإرجاعه إلى سبب وحيد أو أبرز، وهو "الجمهور" الذي لا يستطيع عبد السيد أن يجاريه فيما يعجبه من نوعية الأفلام، لذلك فإنّه يُفضل الاعتزال.

وعملياً، يبتعد المخرج الكبير عن الشاشات منذ العام 2014، عند ولادة فيلمه الأخير، حتى الآن، قدرات غير عادية، ومسيرته الفنية في المجمل لا تنتصر للكم؛ إذ إنّ سجله يتضمن (10) أفلام روائية طويلة، أشهرها "أرض الخوف" و"الكيت كات"، وكلها أعمال أثارت ضجة، وانتصرت للكيف والمضمون، فصنعت من اسمه علماً سينمائياً يصعب تكراره.

وبعد غياب (8) أعوام، خرج عبد السيد ليعلن اعتزاله، كتحصيل حاصل، في معرض حوار تلفزيوني معه، ردّاً على سؤال عن أعماله القادمة، فكان الردّ بعفوية: "لا، أنا اعتزلت خلاص".

المخرج الكبير مبتعد عملياً عن الشاشات منذ العام 2014

المشكلة ليست في العفوية التي يُعلن بها الخبر فقط بما يحمله من ثقل، بل بما جاء بعده بإلقاء اللوم كله على الجمهور، رغم أنّ عبد السيد نفسه كان قد خرج في أيار (مايو) من العام 2018،  في حوار مع برنامج "بتوقيت القاهرة" على قناة "بي بي سي"، ينتقد أوضاع الرقابة في مصر، في معرض الحديث عن توصيات لجنة الدراما في المجلس الأعلى للإعلام عن مواضيع محددة تتناولها الأعمال الفنية.

أبدى عبد السيد وقتها انزعاجه الشديد من الحالة التي تعيشها الساحة المصرية، وقال: إنّه حتى في أصعب الظروف لم نشاهد وجود مثل تلك الظاهرة؛ أي "قائمة الأولويات"، سواء بعد هزيمة 1967 أو قبلها حين كانت الدولة بوليسية، كما أنّه لا توجد رقابة في العالم على الأفكار، حتى قبل أن تصبح عملاً فنياً يُعرض على لجنة لتقييمه، سوى في دولتين حول العالم تقريباً.

هل تغير المشهد؟ هل رأى عبد السيد أنّ الأجواء باتت ملائمة، وأنّ الجمهور هو المسيء الوحيد الذي يبحث عن المتعة والإثارة ويُنجح أعمال تلك الخلطة دون غيرها، ومن ثمّ قرر الاعتزال؟ هل توجد أصلاً أفلام بغير تلك الحبكة في ظل ظروف معلومة ومشهد مرتب؟

خلال الحوار نفسه الذي أُذيع عبر "بي بي سي" البريطانية، قال عبد السيد: "إنّه لا يمكن أن يخرج فن حر في مناخ يفتقد للحرّية: في الفن مهم أوي الأتموسفير، الجو العام، السياسي، الاجتماعي، الثقافي، لو افترضنا أنّ المجتمع في مشاكل، المجتمع خايف، المجتمع مش حر، الفن عمره ما يبقى حر، حتى لو أدّتيله الحرية وقولتيله نظرياً أنت حر، لا، مبيبقاش حر".

تجاهل عبد السيد خلال إعلان اعتزاله العرضي كل ذلك، وأوقف الأمر على الجمهور، متجاهلاً أنّ الجمهور نفسه قد يكون ضحية ما يُقدّم له، وربما احترم سقف القناة التي خرج وأعلن فيها عن اعتزاله، "بي بي سي".

بعد أيام، أجرى عبد السيد حواراً مع موقع "إندبندنت عربية"، في البداية أصرّ على السبب نفسه "... يبدو أنّ الجمهور يريد نوعية أخرى من السينما، وأنا لا أجيدها، لذلك هناك حالة استبعاد لي".

اقرأ أيضاً: يوثق حياة المناضل هيلاريون كبوجي.. دمشق تشهد العرض الأول لفيلم "المطران"

وحين حاصرته الصحافية نجلاء أبو النجا في سؤال حول الجمهور المتهم حالياً فيما كان هو نفسه سبب نجاح أفلام داود عبد السيد، تراجع عن اتهامه، لكنّه ظلّ متحفظاً فيما يتعلق بالأسباب الأخرى. قال عبد السيد: "بالفعل قد أكون مخطئاً أو متجنياً بعض الشيء في الحكم على الجمهور، فما تقولينه صحيح، إذ لم يخذلني الجمهور أبداً، ونجت أعمالي من مذابح كثيرة بفضل الدعم الجماهيري، ولذلك قد أعود إلى العمل في حالة معيّنة، وهي أن أجد ما يناسبني، وأقدّمه للجمهور ويقبل عليه بحب، فأنا لا أستطيع أن أقدّم عملاً لا يراه الناس وتكون القاعات خاوية، ولذلك أؤكد أنّه لو اختلفت الظروف، فقد يختلف قراري".

قد لا تختلف الظروف، وقد يظلّ الجمهور هو المتهم الأوحد، لكنّ ذلك المشهد لن يضيف أو ينتقص من قيمة عبد السيد التي اختار أن يحفظها عند ذلك الحد.

ربما كان المشهد أكثر ثورية لو خرج عبد السيد معلناً قرار اعتزاله في مقطع على مواقع التواصل، يتعرّض فيه لحال السينما كصناعة، والأجواء غير المؤهلة للعمل، ومن ضمنها اقتصار المشهد على الأعمال التجارية دون القيمة، وربما كان أكثر ضجة لو صاحب مهرجانات بعينها أو مناسبات تدور حول السينما، فيما تقتصر العناية فيها على الأزياء وقصات الشعر، لكانت هناك ألف صورة يمكن أن يخرج بها المشهد ذاك لو أراد عبد السيد إخراجه، أو قدّمه بهدف ما، لكن يبدو أنّ المخرج الذي يمتاز بهدوء وندرة ظهوره، بات زاهداً حتى في الحديث، أو مفضلاً الصمت، لكن هل يستحق الجمهور تحمّل اللوم وحده؟

عبد السيد: يبدو أنّ الجمهور يريد نوعية أخرى من السينما وأنا لا أجيدها لذلك هناك حالة استبعاد لي

سألتُ منة (18 عاماً)، وهي من جيل "التيك توك"، من ضمن جمهور الأفلام التجارية التي لا تعاصر غيرها تقريباً، عن عبد السيد، فلم تعرفه، سألتها عن بعض أفلامه فأجابت بأنّها لم ترَ أيّاً منها أيضاً، ثم سألتها عن الأفلام التي تفضلها، وقد فاجأتني بذكر فيلم "هيبتا"، وفيلم "الأيدي الناعمة"، وفيلم "العفاريت"؛ فالأوّل، رغم اختلافنا حول قيمته، لكنّه عمل مستمد من رواية راجت بين الشباب، ويحمل (4) قصص متداخلة؛ أي إنّه ليس فيلماً من نوعية الأفلام التي تنقلب فيها سيارتان أو تحدث مواجهات في الشارع، كما قال عبد السيد خلال حديثه عن أسباب نقمته على الجمهور الحالي وتفضيلاته.

أمّا الفيلمان الآخران، فهما لا ينتميان لجيل منة، ورغم ذلك شاهدتهما وتفضلهما، وأعتقد أنّها في مرحلة ما سوف تطّلع على أفلام عبد السيد وتفضلها، فالجمهور ليس جانياً أو متهماً أو واحداً أو ثابتاً.

الصفحة الرئيسية