هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

هذا الأمر سهّل قتل قاسم سليماني

مشاهدة

12/01/2020

ترجمة وإعداد:  محمد الدخاخني


باغتيال قاسم سليماني، أبرز جنرالاتها العسكريّين، عانت الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة فاجعة كبيرة. ويشير الحادث إلى مؤسّسة فشلت في التّنبّؤ بالخطر المحدّق بشخصه وفقدت نجماً واضحاً في سمائها.

تشير الرّوايات غير الرّسميّة إلى أنّ خروقات مخابراتيّة للبروتوكول الأمنيّ الخاصّ بسليماني جعلت القضاء الفعليّ على الجنرال أمراً ممكناً

من وجهة نظر طهران، يبدو نجاح الضّربة الجوّيّة الأمريكيّة التي استهدفت سليماني وزميله لفترة طويلة، أبو مهدي المهندس، نائب رئيس قوّات الحشد الشّعبيّ في العراق، بمثابة فشل استخباراتيّ وأمنيّ من جانب الجمهوريّة الإسلاميّة. ويشير عدد متزايد من الرّوايات غير الرّسميّة وتقارير وسائل الإعلام الإخباريّة إلى أنّ تسريبات وخروقات مخابراتيّة للبروتوكول الأمنيّ الخاصّ بسليماني جعلت القضاء الفعليّ على الجنرال أمراً ممكناً.
وكان قائد عراقي شبه عسكري قد صرّح في 4 كانون الثّاني (يناير) الجاري: "نعلم أنّ الأمريكيّين كانوا يطاردون الرّجلين لفترة طويلة، لكن دون جدوى. ومن الواضح أنّهم جنّدوا بعض الأشخاص المقرّبين من الرّجلين لمتابعة تحرّكاتهما وتحديد مكان ووقت اغتيالهما". وقيل إنّ شخصين كانا على متن الطّائرة الّتي نقلت سليمانيّ احتجزتهما قوّات الحشد الشّعبيّ العراقيّة لإجراء مزيد من التّحقيقات.

وتوحي مثل هذه الحوادث بأنّ جوهر إيران الثوري، بما في ذلك الحرس الثّوري الإسلامي وجهاز الأمن في البلاد بشكل عامّ، تعرّض للخطر. لكن خسارة سليماني تشير إلى مشكلات أعمق وأكثر أهميّة.
لقد أعمى فشل أساسي في الخيال وسوء تقدير قاتل قيادة إيران عن الهجوم الوشيك. وبسبب انشغالهم بالجدل الدّائر حول قمع الاحتجاجات الّتي انتشرت في كافّة أنحاء البلاد، وتشجيعهم تبنّي مواقف أكثر عدوانيّة في المنطقة، فشل قادة إيران في تخيّل أنّ التّوترات قد تتصاعد إلى مستوى جديد. لقد كانوا، كلّهم، متفائلين للغاية.

اقرأ أيضاً: من هو إسماعيل قاآني خليفة قاسم سليماني؟‎
أدّت هذه الثّقة المفرطة إلى قيام طهران، بدلاً من اتّخاذ احتياطات خاصّة، بترتيب بروتوكول أمني اعتيادي لقائد الفيلق الّذي صنّفته الولايات المتّحدة منظّمة إرهابيّة أجنبيّة في نيسان (أبريل) الماضي.
وكان نائب قائد الحرس الثوري الإيراني، علي فدوي، قد صرّح على التلفزيون الحكومي في 3 كانون الثّاني (يناير) الجاري، بعد انتشار خبر الاغتيال: "في هذه الرّحلة، سافر إلى بغداد بدعوة من مسؤولي الحكومة العراقيّة. هذه المرّة على وجه الخصوص، سافر من سوريا إلى العراق وعلى متن طائرة ركّاب [بالإضافة إلى ذلك]، والّتي يمكن تعقّبها على مواقع الطّيران".

اقرأ أيضاً: أية منافع ربما يحملها مقتل سليماني إلى طهران؟
مثل هذا البروتوكول المتساهل يجب أن يثير الدّهشة. فلم تكن المنظّمة الّتي قادها مصنّفة على أنّها إرهابيّة فحسب، بل تمتّع سليماني بمكانة شهيرة جعلت منه شخصياً هدفاً واضحاً. وهو اكتسب نجوميّته بمساعدة دعاية الدّولة الضّخمة بعد أن قاد معركة ناجحة ضدّ "داعش". وفي الوثائق الاستخباراتيّة المسرّبة عن "مجمّع التّجسس" الإيرانيّ في العراق، الّتي كشف عنها موقع "إنترسيبت" وصحيفة "النّيويورك تايمز"، في تشرين الثّاني (نوفمبر) الماضي، حذّر عملاء من وزارة الاستخبارات الإيرانيّة بوضوح من العواقب المحتملة لحالة المشهديّة العامّة وعبادة الشّخصيّة الّتي تتشكّل حول سليماني.


لن يقوّض غياب الجنرال التّشكيل العسكريّ النّخبويّ المسمّى فيلق القدس أو يعرقل السّياسات المحلّيّة والإقليميّة الّتي ينفّذها نيابة عن الجمهوريّة الإسلاميّة. وقد أكّد البرلمان الإيرانيّ للتّوّ هذه الحقيقة من خلال اعتبار الجيش الأمريكيّ بأكمله منظّمة إرهابيّة وتخصيص مبلغ إضافي قدره 223 مليون دولار لفيلق القدس.

اقرأ أيضاً: غرفة العمليات في قطر.. تفاصيل جديدة عن قتل سليماني
لم يضيّع آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى لإيران، أيّ وقت وقام بتعيين الجنرال إسماعيل قاآني قائداً جديداً لفيلق القدس، ممّا يشير إلى أنّ النّظام الخاضع لسيطرته لا يعاني نقصاً في الكوادر فيما يتعلّق بالأدوار القياديّة وأنّ "طريق سليمانيّ سوف تتواصل"، كما صرّح خامنئي.

قاآني لا يمتلك الميل نفسه إلى البراغماتيّة التي مارسها سليماني، وقد ينتهي به الأمر للتّصرّف بطرق أكثر تشدّداً

على الأقلّ حفظاً لماء الوجه، سيبذل الزّعيم الإيرانيّ بشكل علنيّ كلّ ما في وسعه لإظهار أنّ "العدوّ" لم ينجح في إضعاف فيلق القدس.
يفتقر قاآني المعيّن حديثاً إلى جاذبيّة سليماني، وبما أنّ قيادة شبكة واسعة من مجموعات الميليشيّات تعتمد إلى حدّ كبير على شكل غير رسميّ في الاتصالات والصّداقات كما هو حال اعتمادها على الانضباط التّنظيميّ، فإنّه قد لا يصبح أبداً جذّاباً وذائع الصّيت مثل سلفه. لكن هذا القصور وحده لن ينتقص بشكل كبير من فعاليّة فيلق القدس تحت قيادته.
لقد شغل قاآني رسميّاً منصب نائب سليمانيّ منذ عام 2007. وأشرف مباشرة على العمليّات وعمل مع مجموعات شبه عسكريّة في مختلف الأقاليم. وعلى مدار أكثر من عقدين من التّعاون والرّفقة - منذ تعيين سليمانيّ أوّل مرّة لقيادة فيلق القدس في عام 1997 -، كان قاآني وقائده على الموجة السّياسيّة والأيديولوجيّة نفسها.


ويذكر أنّ كلا الجنرالين كانا من بين الموقّعين على الخطاب سيّئ السّمعة الّذي وجّهه قادة الحرس الثّوريّ الإيرانيّ إلى الرّئيس الإصلاحيّ السّابق، محمد خاتمي، في أعقاب الاحتجاجات الطّلابيّة في طهران في عام 1999. وانتقد الخطاب إدارة خاتمي بسبب تعاطفها مع المتظاهرين المناهضين للمؤسّسات وتشجيعها خصوم إيران. وطالب الخطاب الرّئيس الصّديق للغرب اتّخاذ إجراءات ضدّ القوى المعادية للثّورة وحذّره من أنّ الموقّعين قد "نفد صبرهم".
ونظراً لأنّ قاآني لا يمتلك الميل نفسه إلى البراغماتيّة والعمل المستقلّ الّذي مارسه سليمانيّ، فقد ينتهي به الأمر إلى التّصرّف بطرق أكثر تشدّداً وتعنّتاً من سلفه. علاوة على ذلك، خلال فترة الحداد هذه، ربّما يسارع إلى الاستفادة من الجروح العاطفيّة الطّازجة والمشاعر الأخويّة المعزّزة لمقاتلي الميليشيّات الشّيعيّة من أجل إلهام تعاطفهم وتأمين ولائهم الشّخصيّ.

اقرأ أيضاً: كيف سيردّ حسن نصر الله على مقتل قاسم سليماني؟
عانى الحرس الثّوريّ الإيرانيّ صدمة سيحتاج إلى التّكيّف معها نفسيّاً وعمليّاً. وغياب سليماني يترك فراغاً سيضطّر قاآني إلى بذل جهد حقيقيّ لملئه. وربّما لن يُمنح مكانة المشاهير الّتي حظي به سلفه. لكن بالنّظر إلى قرب قاآني من سليماني، إلى جانب تصميم خامنئي على إبراز رسوخ سلطته، فمن غير المرجّح أن يكون للاغتيال تأثير معتدل على السّياسة أو المنهجيّة الشّاملة للحرس الثّوريّ الإيرانيّ، ناهيك عن التّأثير على فعاليّته.
إنّ فهماً باهظ الثّمن قد فرض على قيادة إيران بأنّ قواعد الاشتباك الّتي كانت تحكم العلاقات مع الأعداء، وليس أقلّها الولايات المتّحدة، لم تعد مطبّقة، وثمّة طريقة عمل جديدة يجري وضعها. ما هو على المحكّ أقلّ فأقلّ هو الفخر والمكانة المتعلّقين بالقضيّة الثّوريّة الّتي كُلّفت المؤسّسة بدعمها، وما هو على المحكّ أكثر فأكثر بقاء تلك المؤسّسة في السّلطة.


فورين أفيرز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.foreignaffairs.com/articles/iran/2020-01-08/soleimani-was-more-valuable-politics-war

الصفحة الرئيسية