هدى شعراوي... المعاناة ليست شرطاً للتمرد

هدى شعراوي... المعاناة ليست شرطاً للتمرد

هدى شعراوي... المعاناة ليست شرطاً للتمرد


27/03/2025

تُعدّ السيدة هدى شعراوي (1879ـ1947) رائدة من رائدات العمل النسوي في مصر، وواحدة من السيدات المصريات اللاتي وجب الوقوف عند إسهاماتهنّ كثيرًا، لعِظم ما قدّمته للمرأة المصرية والعربية من جهة، وللجور والاختزال الذي طال هذه الشخصية الوطنية من جهة أخرى، إذ عَمد المتهافتون على تلخيص دورها في كونها المرأة التي نزعت النقاب وداست عليه، إلى آخر ما يجرّه هذا التصرف على صاحبته من تشويه في ظِلّ ثقافة تتسم بالضيق وانعدام الرؤية.

ممّا لا شك فيه أنّ ما أتت به السيدة هدى عظيم ومختلف وريادي، سواء في مجال العمل الوطني أو النسوي، وهذا لا يعني أنّه لم يكن هناك سيدات مصريات سبقنها في الدعوة إلى حقوق المرأة المصرية، في الواقع كانت هناك مصريات دعون إلى تعليم البنات وتضييق التعدد وتحديد سنّ الزواج، لكن لم تُتخد خطوات قانونية من أجل هذه القضايا إلّا بعزيمة هذه المرأة، ولم تظهر المرأة في ساحة العمل الوطني والاجتماعي بهذه القوة إلا بفضل خطواتها.

فمن كانت هدى شعراوي؟ وما الظروف التي تجعل امرأة مصرية تخرج من الحرملك لتنادي باستقلال بلادها، واستقلال سيدات بلادها؟.

الناشطة النَسوية المصرية في مجال حقوق المرأة: السيدة هدى شعراوي

الظروف الخاصة تصنع الحدث

لقد كانت هناك عدة مقومات نحتت هذه المرأة، وهيأت لها الظروف لتجعلها تضطلع بهذه المهمة الشاقة وفي ذلك التوقيت دون غيرها من نساء عصرها، وكانت بعض تلك المقومات تعود إلى بيئة هدى العائلية وبعضها إلى حياتها الشخصية وبعضها يعود إلى السمات الشخصية التي انفردت بها. فقد كانت السيدة هدى ابنة واحد من أغنى أغنياء مصر سلطان باشا شعراوي، رئيس البرلمان آنذاك، له ثروة عظيمة وممتدة تترامى في الوجه البحري والقبلي، وربما هذا هو ما جعل القصر يلتفت إلى هدى بعد وفاة والدها، فأراد أن يتخير لها زيجة تكون على هواه وتؤول هذه الأملاك إلى محيط العائلة المالكة، هذا التخطيط وهدى ما تزال بعد في الـ (13). نشأت هدى في كنف أبٍ من راسمي السياسة الوطنية، وكان رئيساً للبرلمان، وأحد المقربين من عرابي قبل أن يختلف معه ويتخوف ممّا قد تجره ثورته على البلاد من تدخلات أجنبية فتوقف عن تأييده، وهو ما جعل سلطان باشا والد هدى عرضة للنقد والتشكيك في وطنيته فيما بعد، لكنّ هذا لا يقلل أبدًا من مكانة الرجل، خاصة أنّ الكثيرين من وجهاء مصر ومثقفيها عارضوا حركة عرابي، وعلى رأسهم الإمام محمد عبده، وكشأن الأسر الأرستقراطية آنذاك استقدموا المعلمين للصغيرة هدى ولأخيها عمر، فأتمّت حفظ القرآن وهي بعد في التاسعة، وأتقنت العربية ومعها (3) لغات، وكانت مولعة بالبيانو. وكان لوالدها مكتبة ضخمة سمحت لها بأن تبني ثقافة واسعة، وترتاد عوالم وبلداناً لم يكن في مقدور عصر الحريم أن يسمح لها بها، كما أنّ الصداقات التي كوّنتها مع سيدات أجنبيات ومصريات على نصيب كبير من الثقافة والطموح هيأتها لتعقد المقارنات بين وضع المرأة الأجنبية ووضع المرأة المصرية والعربية، وفي أجواء كانت تتصف بحراك وطني كبير، إذ كانت مصر تطالب باستقلالها، وكانت البلاد آنذاك تعيش أوضاعًا من التمرد والغليان، وكانت الحرية والاستقلال المطلبين اللذين كانت الأجواء السياسة والثقافة مشبعة بهما، وهو ما جعل هدى فيما بعد تشعر بأنّ المرأة المصرية من حقها أن تطالب مثل الرجل باستقلال بلادها، وقبل أن تكون قادرة على هذا لا بدّ أن تستقل هي نفسها عن التبعية وتنزع الأحجبة واحدًا بعد الآخر... لم يكن سلطان باشا وتاريخه فقط هو من ربط هدى برباط وثيق مع قضايا الوطن، ولكن أيضًا زوجها علي شعراوي الذي كان واحدًا من أهم (3) رجال بارزين في حزب الوفد، وشقيقها عمر وصداقته القوية بمصطفى كامل وإسهاماته في مجال العمل الوطني، هذا المناخ الأسري القائم على الوطنية هو ما هيّأ لهدى دورها، كما كان لصالونها الثقافي الذي جمع رجالات العصر وأقطابه في السياسة والأدب والفن دور في تشكيل وعي هذه المرأة، فقد كانت تستقبل في بيتها سعد زغلول وعبد الخالق ثروت ومحمد حسنين هيكل والعقاد وطه حسين ومي زيادة ومحمود مختار... وغيرهم.

العوامل الشخصية ودورها في ترتيب أولويات الذات

كان لثروة هدى التي ورثتها عن والدها، والتي جُعل علي شعراوي- ابن عمتها وزوجها فيما بعد- وصيًا عليها، أثر كبير في تحقيق إرادة هذه المرأة، فممّا لا شك فيه أنّ المال سلطة جبارة وسلاح قوي، وقد وقعت هذه السلطة وهذا السلاح في يد امرأة بفكر وطني وأحلام قومية، فوضعت ثروتها في خدمة بلادها، إذ لم يذكر عنها أنّها دعت إلى جمع الأموال لإنشاء مشاريع أو مدارس من تلك التي أقامتها، ولم يذكر أنّها طلبت أيّ شيء من القصر أو من باشوات البلاد، وإنّما كانت في كل جهودها تستند على ثروتها الخاصة، وأعتقد أنّ هذا هو ما جعل أحلامها تذهب بعيدًا، فلو كانت هذه الأحلام لامرأة من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، لما كانت لتُسمع أو لتُنجز.

علي باشا شعراوي

العوامل الشخصية كانت أيضًا داعمّا في تشكيل هذه المرأة، فملاحظتها أنّ أسرتها تفضّل أخاها عمر عليها، وإن كان على نحو مختلف وأخفّ من  التفريق الذي كان يحدث في الطبقات الأدنى، اعتبرته هدى تفريقاً ومَسًّا بإنسانيتها، مع محبتها الشديدة لأخيها، ومع ما أظهره لها من دعم وتفهم حتى آخر حياته، لكنّ هدى الطفلة لم تكن تفهم لماذا يحمل عمر لقب العائلة واسم أبيه بينما هي لا، على الرغم من أنّ التاريخ فيما بعد خلد عائلة الشعراوي بفضل هدى أكثر ممّا هو بفضل عمر، أو حتى زوجها علي. السبب الثاني هو قصة زواجها التي لم تكن تختلف كثيرًا عن قصص ارتباط النساء من كل الطبقات الاجتماعية تلك الأيام، لمّا أحست السيدة إقبال والدة هدى بنوايا القصر تجاه ابنتها، رأت أن تسارع بإعلان خطوبتها من ابن عمتها علي شعراوي والوصي على أملاكها وأخيها، حتى لا يخرج إرث سلطان باشا بعيدًا عن العائلة.  كان علي شعراوي يكبر هدى بـ (26) عامًا، وله زيجة أولى، غير أنّ السيدة إقبال اشترطت عليه ترك زوجته الأولى للارتباط بهدى، وهذا ما كان، أمّا هدى فقد وجدت نفسها تحت ابتزاز عاطفي، فقد أقنعوها بأنّها ستُعرّض صحة أمّها للخطر إذا لم تقبل، وهكذا وجدت هدى نفسها زوجة وهي في الـ (13)، هدى الطفلة التي بكت يوم زفافها على نباتاتها التي اقتلعوها لكي يقيموا خيمة العُرس، وما كتبته هدى في مذكراتها يخبرنا بأنّ علي شعراوي تصرّف معها بحنان أب، غير أنّه لم يكن بينهما حياة طبيعية كأيّ زوجين، فصبر عليها طويلًا، لكن يبدو أنّ الصغيرة وبمرور الأيام ونفاد صبر علي، لم تتفهم الوضع الجديد الذي أصبحت عليه، فبقيت ساعات على البيانو متنقلة بينه وبين هواية القراءة والزراعة واستقبال صديقاتها، غير آبهة لضيق علي، الذي بدأ يزداد مع الأيام، بسبب تمترسها هي حول حياتها كطفلة غير مبالية برجل بلغ به الضيق مبلغه، فحدث بينهما انفصال دون طلاق، وعاد هو إلى زوجته الأولى، وعادت هي لتعيش مع أمها وأخيها.

المعاناة ليست شرطاً للثورة

لم تستطع هدى الطفلة أن تصبح زوجة، وتمترست حول طفولتها وحقوقها، فأكملت تعليمها المنزلي، وواصلت العزف على البيانو، وبنت صداقات بنساء من مختلف الأديان والثقافات والمشارب، فاعتادت الاختلاف واحترمته، ونمت نموًا طبيعيًا بعيدًا عن التقاليد البالية، وظلت ثابتة على موقفها من الانفصال، وعلى طوال (7) أعوام انبنت شابة صغيرة لا يُخفى جمالها الذي جمع بين الأصول الشركسية والمصرية معًا، وتوقد ذهنها وتفتح، وأصبحت امرأة مستقلة وحقيقية، وكأنّ تجربة الزواج الصوري الذي مرت به لم تكن سوى تماسٍّ عن قرب بعادات المجتمع وجوره، لكنّ التجربة لم تؤذها تمامًا، وأظنّ أنّ هذا هو ما جعل من هدى شعراوي نفسها، فهدى رأت وعاشت الكثير لكنّها لم تنسحق تمامًا تحت تجربة حقيقية، فأخوها الذي ميزوا بينه وبينها لكونه الحامل لاسم أبيه كان يحبها حبًا عظيمًا، وقد سمّى واحدة من بناته على اسمها، ولم يتوقف عن دعمها أبدًا. وزواجها الذي لا يُختلف على أنّه كان غير متكافئ، لكن مع هذا ظل علي شعراوي ذلك الرجل النبيل دائمًا، وتصرف مع هدى تصرف رجل دولة حقيقي، فظل يكنّ لها المحبة والعطف والمساندة الدائمة. فلا نستطيع أن نقول إنّ هدى تعرضت لجور ذكوري بالغ جعل منها امرأة تصرخ بلا وعي ضدّ المجتمع، ولا نستطيع أن نقول إنّ مطالب هدى ورفيقاتها هي نتيجة "ترومات" نسائية بحتة، على العكس تمامًا، إنّ النسوة اللّاتي خرجن بالمظاهرات هنّ نسوة أبناء أسر كريمة، وأغلبهنّ زوجات أو كريمات رجال من الوفد، وجميعهنّ لم يلقين ما يمكن أن يقال عنه إنّه اضطهاد على أيدي رجال عوائلهن، كنّ متعلمات ومثقفات، التقين بسيدات من جنسيات مختلفة فوقفن على حقيقة أوضاعهن، لم تكن النسوة الّلاتي خرجن مقهورات أو مكسورات، محجوبات وملغيات ومتابعات بشكل من الأشكال، فخرجن ليؤكدن أنفسهن بالمناداة بحقوق وطنهن، وربما لطبيعة هذه الشريحة النسوية وصفاتها وطبائعها وثقافتها اكتسبت حركتهنّ احترامًا على مدار التاريخ، وجُعل من يوم خروجهنّ ضد المملكة التي لا تغيب عنها الشمس عيدًا للمرأة المصرية حتى اليوم.

لم تكن هدى على مستوى الشخصية امرأة موتورة، بل إنّ شخصيتها الرصينة، وتربيتها الرزينة، ومحاوراتها مع عظماء رجال الأمة آنذاك، أكسبتها ثباتًا وجدّية وحسًّا قليلاً من الدُعابة، كلّ هذه السمات خلقت شخصية كاريزماتية وساحرة، وربما لو أتى تصرف نزع النقاب من امرأة أخرى ما كان ليُفهم معناه بمثل كونه صدر عن هدى شعراوي. ومذكراتها تشي بامرأة تضع عواطفها جانبًا إذا تطلب الأمر، وتفكر بعقلانية، فكانت حركتها النتاج الطبيعي لامرأة متعلمة ومثقفة وقوية تحيط بها مجموعة من الحواريات نشأن في بيوت وفدية متشبعة بوحدوية الذات المصرية، بمسلميها وأقباطها وبنسائها ورجالها.

وما لا يمكن نكرانه أبدًا هو أنّ هدى شعراوي لم تكن لتقف تلك الوقفة التاريخية وتحقق أحلامها وتبرز كنجمة لولا مساندة رجال من العائلة وخارج العائلة لها، فاستندت على ثروة ضخمة تركها لها والدها سلطان باشا، واستندت على زوج محب وعطوف، وأخ داعم ومشجع، وكان سعد زغلول وخليل مطران والعقاد وغيرهم يكنوّن لها احترامًا كبيرًا، وغيرهم من أعلام العصر. بل يُذكر أنّها يوم أرادت نزع النقاب استشارت زوج ابنتها السيد محمود سامي خوفًا من أن يمثل فعلها له فضيحة، لكنّه شجعها ودعمها، وقال لها: إنّه يعتقد أنّه قد آن أوان ذلك في مصر.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية