"أم محمد" لم تسمع بيوم المرأة وتواصل الاشتباك مع حياة صعبة

اليوم العالمي للمرأة

"أم محمد" لم تسمع بيوم المرأة وتواصل الاشتباك مع حياة صعبة

مشاهدة

08/03/2018

لا تبدو بعباءتها السوداء، ووجهها، الذي تبعث ملامحه حدة وصلابة، تشحذها من يومياتها الصعبة، ومشقة الظروف الاجتماعية والأسرية، سوى أنها امرأة عادية، تشبه غيرها؛ لكن، ثمة تفاصيل ويوميات غير عادية، تتقاسمها مع آخرين، تجعل منها شخصية استثنائية، وتوثق قصتها لواقع، لا يحظى فيه المهمشون، بالقدر الكافي من الاهتمام.

فرضت ظروف عديدة، على تلك السيدة، التي اشتقت اسمها كحال عديدين، بانتسابها للابن الأكبر، في ترتيب أبنائها، أن تحتل "أم محمد"، عدة أمتار قليلة، على الرصيف بالشارع، في أحد أسواق القاهرة. تجلس إلى جوار بضائعها، المكونة من أصناف متعددة للسلع الغذائية، وتمكث في صمت ووقار. امرأة خمسينية، وسط ضوضاء وفوضوية السوق، المتكدس بالبشر والأصوات الهادرة، التي تتحرى الرزق وتطلبه، بالدعاية، تارة، والمزاح مع المارة، تارة أخرى، بينما لا شيء يخترق هدوءها، غير عبور أحد الزبائن إليها.

امرأة استثنائية

بابتسامة واستغراب شديدين، استقبلت حديثي إليها، عن اليوم العالمي للمرأة، فالأمر لا يعنيها، على كل حال؛ إذ إنّها لم تسمع به قط.

وتروي "أم محمد"، التي رفضت أن تلتقط لها صورة، أنّها أمضت ثلاث سنوات، في السجن، ضمن من يعرفن بـ"الغارمات"؛ فهي إحدى سجينات الفقر، اللواتي اضطرتهن أحوالهن الاقتصادية وأعباؤهن المادية، إلى الحصول على أموال بالاستدانة، وتقوم بتسديدها على أقساط، لكنها لم تتمكن من سدادها، وتقدم الدائن بإيصالات الأمانة، التي يحوزها بتوقيعها، بما تسبب في سجنها.

بابتسامة واستغراب شديدين، استقبلت السيدة أم محمد اليوم العالمي للمرأة، فالأمر لا يعنيها، على كل حال

"لست مجرمة، ولا بعت مخدرات، أو سرقت"؛ توضح السيدة بانفعال، في حديثها لـ"حفريات"؛ حيث إنها بلا عائل أو سند، يكفل لها الرعاية والحماية الاجتماعية، فلم تتمكن من تسديد مديونيتها، التي كانت تبلغ نحو خمسة آلاف جنيه "300 دولار"، بعد توقف تجارتها عقب الثورة عام 2011، وعلى الرغم من بساطة المبلغ، إلا أنها تعثرت في تسديده، ولم تجد خيارات أمامها سوى إيداعها في سجن "النساء".

ثمة وصمة تلاحق السيدات الغارمات، كما تقول "أم محمد"؛ لأنها سجينة، بكل ما يترتب عليها، من عناصر الصورة الشائعة، عن المسجونين؛ ففي صحيفتها الجنائية، قضاء مدة سابقة في الحبس، من ثم، تظل نظرة الناس، تمتزج فيها الشفقة بالامتعاض، لكن، بدون أن تسقط الانطباعات السلبية.

حوالي 35% من النساء المصريات، معيلات، ويتولين شؤون الأسرة ومصاريفها

توحش الفقر

تضيف "أم محمد": "تظل صورتك مشوهة وغير مستقرة، في أذهان حتى من عرفوك مسبقاً، يترددون في التعامل معك، وغالبيتهم يفضل تفادي وجودك، خصوصاً، لو هناك تعامل مباشر"؛ مثل، زواج أبنائها وما رافقه من تعقيدات عديدة؛ لم تشأ في الإفصاح عنها كلياً، بالإضافة إلى البيوت التي كانت تتردد عليها، في بعض الأيام، لتنظيفها، إلى جانب عملها اليومي، في السوق، بغية إدخار أموال إضافية؛ حيث امتنعت بعضها عن استقبالها، واستغنت عن خدماتها.

كمثل "أم محمد"، في أحياء مصر كثيرات؛ فحوالي 35% من النساء المصريات، معيلات، ويتولين شؤون الأسرة ومصاريفها.

وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن 3.3 مليون أسرة في مصر، ترأسها النساء، بنسبة 14% من إجمالي الأسر.

حديث "أم محمد"، لا يتضمن نبرة مظلومية. وبالرغم من الشعور بالغبن والمرارة، فهي  تقبض على عناصر الصمود

وبلغت نسبة مساهمة المرأة في قوة العمل، نحو 22.9%، بما يمثل ثلث مساهمة الرجال التي تبلغ 69.9%، وفي المقابل سجل معدل البطالة، بين الإناث 23.6% مقابل 8.9% للذكور، في عام 2016، كما استحوذت النساء، على نحو 25.8% من العاملين، في القطاع الحكومي، مقابل 74.2% للذكور.

أكثر من 25 عاماً، أمضتهن السيدة الخمسينية، في العمل منذ زواجها، في عمر الـ17 عاماً، حيث تناوبت على عدة أعمال، لتساعد زوجها، الذي كان عاملاً، في أحد محال الأطعمة الشعبية بالقاهرة؛ حيث كانت وحدها تتكفل بالنصيب الأكبر، من مصاريف البيت، والذي كان يضطرها للعمل في المنازل، وتضاعفت الأعباء عليها، بعد مرض زوجها المبكر، بالتهاب الكبد الوبائي (فيروس سي).

تعرج على عملها بالسوق، منذ الرابعة فجراً، وحتى الخامسة بعد العصر

الفقراء لا يعرفون الحزن

الملفت في حديث "أم محمد"، أنها لا تتحدث بنبرة فيها مظلومية، بالرغم من الشعور بالغبن والمرارة، لكنها، تقبض على عناصر الصمود في مسيرتها، وتعرج طوال الوقت عند لحظات البداية، التي تستعيد عندها عافيتها؛ مثلما حدث عقب وفاة زوجها، التي لم تمهلها الأيام، فرصة للحزن الكافي عليه؛ حيث كانت مهمتها الملحة، العمل فوراً لتوفير المال و"الستر"، بحسب تعبيرها لأبنائها، فقد كان عمل زوجها، لا يوفر للأسرة "معاش"؛ فانقطع أي مصدر للدخل عن الأسرة فجأة، لعدم انتسابه العمل في الحكومة.

حظيت "أم محمد" في حياتها، بأربعة أبناء؛ ابنتين وولدين، هم "رزقها"، كما تقول، ولم تتمكن من توفير وضمان تعليم جامعي لهم، إلا أنهم انخرطوا في التعليم، حتى حصلوا على شهادة تعليم متوسط، واستقروا في وظائف حكومية، توفر لهم هامشاً ضئيلاً من الأمان.

لا تعبأ واقعياً "أم محمد" بالأعباء المتراكمة، رغم أنها تحفر في ملامحها خريطة واضحة، تبرز مدى تعقيداتها، ومساراتها الممتدة؛ ففي يومياتها الشاقة، تحشد "الحلو والمر"، كما تقول، وتعرج على عملها بالسوق، منذ الرابعة فجراً، وحتى الخامسة بعد العصر، لا تتخلف عن ذلك الجدول المنتظم، وتتطلع إلى الحياة، بعراكها ومشكلاتها، وتحاول أن تصمد وتكبح لحظات الضعف والانهيار، من دون أن تعبأ بأنّ هناك يوماً عالمياً للمرأة يحتفي بكفاح النساء ضد الجوع والفقر والمرض والحاجة.

الصفحة الرئيسية