هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية

هاني فحص عابر الطوائف ونابذ المذهبية

مشاهدة

18/09/2018

"من يحب الإمام علي سيرى نضال غيفارا، ومن يحب الحسين سيحب بابلو نيرودا. هذه الروح الكلية التي تحكم التاريخ، والفضاء الرحب للتعدد والاختلاف. كنت أرى ديني هكذا، إنسانياً مشتاقاً للتغيير والعدالة، يتسامح مع الكفر بشرط العدل". بهذه الكلمات المقتضبة السريعة، وما تحمله من معان ودلالات كثيفة، تتسع لتأويلات غنية وحياة بسيطة، في آن معاً، عبّر المفكر اللبناني والأديب والمناضل السياسي، السيد هاني فحص، عن مبادئه التي تقوم على الحرية والعدل والإنصاف للإنسان، بينما اشتق مفرداته بعناية ودقة شديدتين، ليكشف عن رؤيته للعالم والحياة، التي لا تصادرها أية مرجعية أيديولوجية مهما كانت قداستها وشموليتها.

ثمة مشاهد ومحطات كثيرة تحكمت في بلورة وصياغة مواقف ورؤى السيد فحص الذي تحين اليوم الثلاثاء الذكرى الرابعة لرحيله، خلال مسيرته الشخصية والعلمية، سواء الفكرية والأدبية والدينية والسياسية، منذ مولده في العام 1946، وجعلته متفرداً في سلوكه وأفكاره وانحيازاته؛ فلم تطوق العمامة الدينية رأسه أو تقطع عقله عن العالم ورغبته الدؤوبة في تجسير صلاته بالآخر.

اقرأ ايضاً: هل يصبح لبنان ولاية خمينية؟

ولطالما رفض أن يتم تلقيبه برجل دين، أو ينصّب نفسه مرجعية شيعية، حيث اعتبر نفسه، فقط، مفكراً دينياً، مشغولاً بالسؤال والتجديد، بينما ظل يرفع عن ذاته كل الطبقات السميكة التي تعزله عن الآخرين، وتعصمه من معرفتهم والاشتباك مع واقعهم، وبنفس تلك القوة والإصرار، خلع أردية التعصب والكراهية، وعمد إلى الانفتاح على الجميع وآمن بالتعدد والديمقراطية.

هاني فحص.. سفر التكوين

بين عناقيد العنب وأشجار التين وشتلة التبغ وأعشاش العصافير، عاش السيد فحص طفولته، في قريته جبشيت، جنوب لبنان، حيث درس المرحلة الابتدائية فيها، والتحق بالمرحلة المتوسطة في النبطية، بينما نال شهادة البكالوريا السورية كطالب حر، وقرر السفر إلى النجف في العام 1963، وحاز الإجازة في العلوم الإسلامية واللغة العربية من كلية الفقه في النجف، وهناك ترأس تحرير مجلة "النجف".

المفكر اللبناني السيد هاني فحص

حظي صاحب "ماضي لا يمضي" بمحبة الجميع، بدون استثناء. وقّرته جميع التيارات الدينية والسياسية في لبنان؛ ليبراليون ويساريون ومسلمون ومسيحيون؛ فقد كان الرجل عابراً للطوائف، ينبذ المذهبية، يؤمن بعروبته وقضايا الأمة الوطنية.

الحرية والعدل.. كيف دافع عنهما السيد؟

ناضل من أجل فلسطين ودافع عن حقوق شعبها، منذ رأى في صباه النازحين منهم في المخيمات اللبنانية، بعد تهجيرهم من مدنهم وقراهم في العام 1948، تحت وطأة الآلة العسكرية للاحتلال الصهيوني، فانضم لمنظمة فتح، واقترب من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

دافع عن حقوق المضطهدين والمظلومين حيث ساند ثورة عمال التبغ في لبنان، وشارك في حركة مزارعي التبغ، ما تسبب في اعتقاله، في العام 1973، بعد تظاهرة احتجاجية لمزارعي التبغ في النبطية، وكان أحد منظميها.

ناضل هاني فحص من أجل فلسطين ودافع عن حقوق شعبها منذ رأى في صباه النازحين في المخيمات اللبنانية

كما تصدى للعدوان الإسرائيلي على لبنان في كل مراحله، وبنفس الصلابة والجسارة، تحدى أمراء الدم وملوك الطوائف عند اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، بدون أن يعفي نفسه من المسؤولية المباشرة أو غير المباشرة، من جراء نزيف الدم الذي تعرض له كل من حمل سلاحاً وأطلق رصاصة.

وعن الحرب الأهلية أعلن في مؤتمر عام 1993: "إنّ الدم على طرف جبتي نتيجة موقف خطأ أو السكوت عن أمر معين. لقد كانوا جميعاً شركاء في الحرب، حركة فتح وحزب الكتائب والحركة الوطنية.. كنت ضد الحرب، ولم يذهب شاب من هذه الحرب الأهلية وأخبرني، ولم يعد شاب من الحرب وباركته".

اقرأ أيضاً: حزب الله جعل اللبنانيين وقودَ حروبه وقدّم المقاومة قرباناً للولي الفقيه

في العام 1958، كان عمره لا يتجاوز الـ12 ربيعاً عندما دفعته الحماسة وعدداً من أقرانه في قريته للسفر إلى دمشق، في ذكرى الوحدة العربية بين مصر وسوريا، بغية رؤية الرئيس المصري جمال عبد الناصر في قصر الضيافة، وتحيته مع الجموع المحتشدة، والذي كان بمثابة أول اشتباك مبكر له مع الأحداث الملحمية الكبرى في تاريخ المنطقة العربية، وقتذاك، والتي عاشت حالة ثورية قوية، تهدف على إثرها لبناء مشاريع نهضوية عقب الاستقلال، وتطمح للخروج من تبعية الاستعمار والدول الإمبريالية.

مع المقاومة ورسائل ضد "حزب الله"

وكانت إذاعة القاهرة خلال تلك الفترة، في ستينيات القرن الماضي، بحسب ما يروي السيد فحص، هي نافذته الكبرى التي ينهل منها معارفه في السياسة والأدب والفن، ومن خلالها تابع تفاصيل العدوان الثلاثي على مصر ومعركة السويس، كما قرأ أعمال نجيب محفوظ ويوسف إدريس، بالإضافة إلى سماع صوت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، كما سمع مناقشات عديدة لرسائل الدكتوراة، وأنصت للجدل الذي كان يدور حول بعض الأعمال الإبداعية والفنية المختلفة، في فقرات الإذاعة المختلفة، فظل شغفه بـ"الراديو" وحبه الجم له مرافقاً له بقية عمره.

هاني فحص في لقاء مع ياسر عرفات

وفي أثتاء ارتباط السيد فحص بالمقاومة الفلسطينية في لبنان، وخصوصاً مع حركة فتح، قام بمهمات لافتة؛ من بينها زيارته للإمام الخميني، عندما كان يقيم في باريس، بعد أن تم إبعاده من إيران والنجف، بدعوى وتحريض من الشاه.

وقد زاره مرتين بتكليف من ياسر عرفات، وعرض عليه الإقامة في لبنان في حال إذا اضطر لمغادرة فرنسا ومُنع من حق الإقامة هناك.

لم يتوان هاني فحص لحظة للدفاع عن الثورة السورية ورغبة الجماهير الشعبية في التغيير وتنحية الأسد عن الحكم

ظل السيد فحص مؤمناً بالدولة المدنية والمواطنة، بغض النظر عن الحدود التي يصنعها الدين وخلطه بالسياسة بين أبناء الوطن الواحد. لذا، لم يتوان لحظة عن الدفاع عن الثورة السورية وتأييد رغبة الجماهير الشعبية في التغيير، وتنحية الأسد عن الحكم؛ وهو ما آمن بحدوثه بالرغم من تكاليفه الباهظة ومشقته، بحسب تعبيره.

ولذلك، كتب السيد فحص إلى حزب الله رسالة قوية، كان لها تأثير مدوٍ بين صفوفهم، عبّر فيها عن رفضه لموقفهم في دعم الأسد، حيث قال: "أدهشنا اندفاعكم المبكر، وقبل داعش والنصرة، وأي رصاصة نظيفة أو مشبوهة من المعارضة السورية، عندما كان الحراك شعبياً محضاً، وكان بوتين يفكر بكيفية استعادة تراث الـ K.G.B. في هنغاريا وتشيكوسلوفاكيا وغيرهما، وكان أوباما يفكر بكيفية الغزل الطيار مع المعارضة والبحث اليومي لتأمين المنامة في مخدع النظام، وكان العرب يتسابقون في زيادة جرعة المخدرات الشقاقية بينهم، تمهيداً أو توكيداً لقرار العجز من فلسطين إلى اليمن إلى ليبيا إلى مصر".

اقرأ أيضاً: الكشف عن معتقلات حزب الله السرّية... صور مسرّبة

وأضاف في بيانه: "كان لافتاً، ومن يعرف ولا ينسى أسلوبكم في إدارة أموركم على سنة البلد المنشأ، لا يتعجب، أو يتعجب قليلاً، وإن عاد إلى السؤال، أو الحكم بأنكم أسرعتم إلى سوريا، عندما كان الحراك السوري المعارض ما زال شعبياً وسلمياً محضاً، سلاحه الأمثال ثقافة فولكلورية راقصة وغنائية مفصلة على نوطة مواجع حرية وعدالة عتيقة ومبرحة، وحوله قوى وطنية مدنية تعددية تحاول أن توجهه من خلال الشراكة، وتتدبر له أطروحة أو لائحة مطالب ثورية واقعية موضوعة في سياقات ملائمة".

تعرية الخطاب التكفيري لحزب الله في سوريا

ودان في خطابه لحزب الله الاحتماء بغطاء التكفير، وأكد أنّ "قتلاً يتم من خلال متفجرة أو مجزرة وتقطع الرؤوس والأعضاء علناً من قبل إرهابي، تناول جرعة زائدة من المهيج الديني، في مقابل قتل آخر، وبأسلوب مختلف جزئياً، كأن تكون الرصاصة نظيفة ولماعة ومسددة إلى القلب، حتى لا يتألم القتيل (الكافر قطعاً وإلا فلماذا يقتل؟) .. حتى لا يتألم كثيراً ويموت وكأن موته موت الفجأة، هو يفاجأ ونحن نفاجأ، خاصة إذا عرفنا أنّ كثيراً من القتلى، أو أكثرهم، هم من أفراد الشعب السوري الذي كان طوال عمره مفتوناً بالمقاومة!"

تشييع جثمان هاني فحص في18/9/2014

وأوضح في خاتمة بيانه: "لقد كان بالإمكان أن تظهر مواهب كثيرة من قبلكم أو بمساعدتكم في سوريا، لأنكم تعرفون أنها غنية بالمفكرين والمناضلين المجربين من كل الأنواع والأوزان والمعايير المحلية والعربية والدولية.. وتعرفون أنّ النظام لم يقصر في العمل على تبديدهم في السجون والمنافي والمقابر والخيانات المدروسة والموصوفة.. والبداية (النهائية) كانت منحة أمريكية لسوريا وعراق البعث، لدورها في تغذية الفتنة بين المقاومة الفلسطينية والجيش الأردني، من خلال تشجيع المقاومة ثم خذلانها تمهيداً لاختراقها، بالصاعقة (سوريا) وجبهة التحرير العربية (العراق)".

ظل فحص مؤمناً بالدولة المدنية والمواطنة بعيداً عن الحدود التي يصنعها الدين وخلطه بالسياسة بين أبناء الوطن

ويعد تأسيسه المركز اللبناني للدراسات والحوار والتقريب، من أبرز إسهاماته القوية في لبنان، بهدف تدشين مؤسسة تكون غايتها دعم التواصل بين الهويات الثقافية والدينية المتفاوتة، عبر الحوار والجدل، وقد عمل فيه لمدة سنة أصدر خلالها عدداً من الدراسات والتقارير التي رصدت واقع الحالة الشيعية في لبنان.

وفي كتابه: "في وصف الحب والحرب" يقول: " أنا عربي مسلم شيعي هاشمي من سلالة الحسين ذي الدمعة بن يحيى الشهيد ابن زيد الشهيدين زين العابدين ابن الحسين الشهيدين علي وفاطمة.. إلى الذروة الباذخة في النبي الأمي العربي، الذي نبهنا مبكراً إلى العروبة الثقافية العابرة للعرق نحو بقية الأعراق، والتي ليست هي بأم ولا أب، وإنما هي عروبة أو عربية اللسان، أي المعرفة".

الصفحة الرئيسية