نظرات في حقيقة الاستعلاء الإيماني عند سيد قطب

نظرات في حقيقة الاستعلاء الإيماني عند سيد قطب

مشاهدة

01/07/2021

تعرض مفهوم الاستعلاء بالإيمان إلى تشويه كبير، وحين أفرد له سيد قطب جانباً من أحاديثه طبّقه عناصر الجماعة حرفياً وخلطوا بينه وبين الاستعلاء بالذات، رغم أنّ بينهما خطوطاً فاصلة، لذا فقد قلبوا الانتصار لله إلى الانتصار لرأيهم، والتواضع وخفض الجناح للناس إلى التعالي عليهم.

استعلاء بالذات أم الإيمان؟

بقول سيد قطب في كتابه "معالم فى الطريق": إنّ الاستعلاء هو الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء، والاستعلاء مع ضعف القوة وقلة العدد وفقر المال كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء.

يشرح سيد قطب المطلوب قائلاً: "الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان. وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان. وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان".

لقد كان من الواضح اختلاط مفهوم العلو والانخفاض عند الله للمؤمنين وغيرهم كصفة يُمدحون عليها في الآخرة وليس علواً على المجتمع في الدنيا، والمعاملة الحادة لصنوف الناس، وإهدار حقوق الآدميين، إذ يقول القيادي السابق في الجماعة الإسلامية المصرية ناجح إبراهيم في تصريح خاص بـ"حفريات": هناك فارق بين هذا الحكم الذي هو مقارنة بين الكفر والإيمان والحكم على ذوات الأشخاص مجردة من الكفر والإيمان، فلا يجوز للإنسان أن ينظر إلى ذاته أنه أفضل من غيره.

 

اعتبر عناصر الجماعة وفق مفهوم سيد قطب أنّ الاستعلاء الإيماني هو علو فوق الماديات، والأخذ بالأسباب، رغم أنّ الإسلام جعل التوكل وظيفة القلب، والعمل وظيفة الجوارح

 

في سلسلة تصحيح المفاهيم التي أصدرتها الجماعة الإسلامية المصرية، عقب مراجعاتها الفكرية الشهيرة، أنّ الاستعلاء الإيماني ليس معناه الحدة في التعامل والعلو، وهذا ما ورد في حوار الوليد ابن عبد الملك مع النبي، عليه السلام، أو في قصة إسلام عدي ابن حاتم، حيث كان التواضع قيمة كبيرة في تعامل الرسول مع غيره من الناس.

تدلل السلسلة على تواضع الخلفاء الراشدين وحكمهم بالعدل بين الرعية، وتفريق عمر بن الخطاب بين الحقوق والمعاملات وبين العقيدة والعبادة، وأنّ الإسلام يحترم حقوق الأقليات، ولا يفرق في ميزان عدله وأحكام قضائه بين مسلم أو غيره.

استعلاء الإيمان لا ينافي أخذ الأسباب

لقد اعتبر عناصر الجماعة وفق مفهوم سيد قطب أنّ الاستعلاء الإيماني هو علو فوق الماديات، والأخذ بالأسباب، رغم أنّ الإسلام جعل التوكل وظيفة القلب، والعمل وظيفة الجوارح، ولذا "قال الرسول: اعقلها وتوكل"؛ أي اعقلها بظاهرك وتوكل بباطنك، وهذا تكامل وليس تنافياً وتضاداً.

اقرأ أيضاً: الاستعلاء بالجهل.. الفخ الذي أعدّه سيد قطب لأتباعه

تخلص مراجعات الجماعة الإسلامية إلى أنّ الاستعلاء الإيماني بما يستلزمه من كمال التوكل لا ينافي اعتبار الأسباب وما يستلزم من الأخذ بها، قال تعالى "تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون، وهذا دليل على التعمق في الأخذ بالأسباب من نبي الله يوسف".

كما أنّ الإيمان يدعو صاحبه للتواضع وخفض الجناح، وكلما زاد فى قلب صاحبه ازداد خوفاً من الله وانكساراً له سبحانه وتواضعاً للناس، وخوفاً من عدم القبول.

كما أنّه بين الاستعلاء بالإيمان والعلو بالذات شعرة دقيقة قد تختلط على العلماء والفقهاء مع أنفسهم وفي دواخلهم، فضلاً عن الشباب حديث التدين قليل العلم عديم الخبرة كثير الاندفاع المشحون بالحماسة دون التدقيق في الفواصل بين الأمور التي هي أصلاً من آفات القلوب وأمراضها، حيث الناس تسير إلى الله بقلوبها، والخلل يأتي في البداية من القلب ثم ينطلق سريعاً إلى الجوارح التي تتكبر على الخلائق تحت مظلة كاذبة هي الاستعلاء بالإيمان، وتستطيل على الآخرين خاصة المختلفين معهم في الدين أو العرق أو المذهب.

اقرأ أيضاً: سيد قطب.. بشّر بنجيب محفوظ ثم أمر بقتله!

يقول الشيخ السلفي محمد إسماعيل المقدم في كتابه "سلسلة الإيمان والكفر": الحقيقة هي أنّ كثيراً من الناس الذين نزعوا إلى اتجاهات التكفير ينتبهون جيداً لقضية الاستعلاء، لكنهم ينحرفون بعيداً إلى أن يصل الاستعلاء إلى حد الكبر والغرور والتعالي على خلق الله، ولا يراعون لأحد حقاً في ذلك، بل قد نسمع أنّ بعضهم وصل إلى قتل أبيه -مثلاً- أو ضربه، كما تنبأ بذلك بعض السلف فقال: يقل العلم، ويفشو الجهل، حتى ليرفع الرجل سيفه على أمه من الجهل، فقضية الاستعلاء تجاوزت عند كثير من هؤلاء، والاستعلاء بمعانيه الصحيحة هو الاستعلاء على مناهج الكفر من باب أنّ الإسلام يعلو ولا يعلى، لكن الاستعلاء هنا أدى إلى نوع من التكبر والاغترار في التعامل مع الآخرين.

 

الاستعلاء عند سيد قطب هو الحالة النفسية التي تعتور من لم يكن جاهلياً، وهو النظارة التي يضعها الفرد لكي يري بها غيره

 

في دراسة لمؤسسة "طابة" للأبحاث، يرى الباحث الجزائري شعيب عز الدين حبيلة أنّ تصور سيد قطب عن "استعلاء الإيمان" واستعماله مقروناً بمفهومي: الجاهلية والحاكمية، يحكمه منطق حدي، وليس تأويلًا موضوعياً لنصوص قرآنية، لكنه توسل بالقرآن الكريم لتبرير الحالة النفسية التي ينتهي إليها من اتكأ على ثنائية الحاكمية والجاهلية، ولا فرق هنا بين التبرير اللاهوتي وبين التبرير الإثني أو الثقافي، ولا فرق بين الاستعلائية الدينية والاستعلائية الفلسفية، والغالب في هذا شأنه ألا يوفق في اختيار مصطلحاته.

وأكد الباحث أنّ الاستعلاء عند سيد قطب هو الحالة النفسية التي تعتور من لم يكن جاهلياً، وهو النظارة التي يضعها الفرد لكي يري بها غيره. ويقول الباحث: وأعطاهم الاستعلاء الذي ينظرون به إلى قطعان البشرية الضالة في أرجاء الجاهلية المترامية الأطراف في الأرض، فيشعرون أنّ الله آتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين". ولو أنه أراد المعني محموداً لاكتفى بمصطلح السمو أو التسامي لا عن الحلق بل عن أفعالهم.

اقرأ أيضاً: "أشواك" سيد قطب.. هل تصنع المرأة متطرفاً؟

الخلاصة، إنّ كثيراً من الشباب غمرته كلمات الاستعلاء بالإيمان فرأى نفسه في لحظات أفضل من الآخرين، ودار حول ذاته أو جماعته وحزبه وهو يظن أنه يدور مع الشريعة وحولها، واغتر بنفسه ويحلق بذاته فوق الناس تباهياً وشموخاً ظناً منه أنه بذلك يستعلي بإيمانه، وهذا من أكبر الأخطاء التي تسبب فيها اتباع منهج سيد قطب، الذي يأخذك من العزلة الشعورية للاستعلاء الإيماني إلى التكفير.

الصفحة الرئيسية