
في تحوّل لافت بالسياسات الأوروبية، تتجه عدة دول نحو تصفية نفوذ جماعة الإخوان، المصنفة على قوائم الإرهاب في مصر وعدد من البلدان العربية، فضلاً عن المؤسسات التابعة لها، بعد أن تكشف حجم التغلغل داخل شبكات المجتمع المدني، واستغلال التمويلات التي تتخفى في وسائط متباينة لدعم أجندات إيديولوجية تتصادم مع القيم المدنية والمواطنية. هذه المراجعة الأوروبية، التي ترافقت مع الكشف عن شبكات تمويل خفية وتحقيقات أمنية في ألمانيا والنمسا وأيرلندا وفرنسا، تمثل تحوّلاً عن السوابق التاريخية التي شهدت مرونة في التعاطي مع قوى الإسلام السياسي، ومنحها فرصة للعمل والنشاط بالمجتمع، كالمؤسسات المدنية والحزبية، وحتى البرلمانية، بدعوى الاندماج والاستجابة لكونها قوى "معتدلة" بخلاف التنظيمات المسلحة مثل (القاعدة).
استغلال ثغرات النظام الرقابي
كشف تقرير أمني حديث في ألمانيا عن تحويل أموال دافعي الضرائب إلى منظمات مصنفة إرهابية عبر جمعيات خيرية وهمية. التقرير الذي بثته شبكة (DW عربية)، أوضح أنّ بعض الجمعيات استغلت ثغرات في النظام الرقابي لتوجيه الأموال نحو تنظيمات مسلحة في مناطق النزاع، مستخدمة وثائق رسمية لتغطية تحركاتها المالية.
الخبراء اعتبروا ذلك بمثابة مؤشر خطير على هشاشة الرقابة، فقد سمح للمنظمات المتطرفة بالعمل عبر قنوات قانونية لتجاوز الملاحقة. وعليه، دعا التقرير الحكومة الألمانية إلى تشديد التشريعات وإحكام الرقابة المالية على الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، بما يشمل تدقيق مصادر التمويل والتحويلات الخارجية. وأعاد هذا التحذير إلى الأذهان النقاش مجدداً حول دور جمعيات مثل "الإغاثة الإسلامية"، التي وُجّهت إليها اتهامات متكررة بالارتباط بجماعة الإخوان، واستغلال العمل الخيري لتغطية أنشطة سياسية وإيديولوجية.
وفي أيرلندا، تتصاعد ضغوط سياسية وإعلامية للتحقيق في شبكة النفوذ الإخواني داخل المؤسسات الإسلامية، لا سيّما بعد الكشف عن علاقات بين عدد من الجمعيات المحلية واتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، المظلة الأوروبية للتنظيم. وثمّة تخوفات كشفت عنها أصوات برلمانية بشأن الطبيعة التمثيلية للإخوان في صفوف مجتمعات المهاجرين العرب والمسلمين، ومخاطر هذا الدور، فضلاً عن كيفية حيازتهم تلك الصفة، خصوصاً مع أثرها الإيديولوجي الذي يتكشف في عدة مؤسسات.
أدوار مشبوهة
تقول صحيفة (آيرش تايمز): إنّ عدة مؤسسات تلعب هذا الدور المشبوه الذي نجم عنه تغلغل نفوذ الإخوان، ومنها المجلس الأوروبي للفتوى والبحوث، ومقرّه دبلن، وقد ترأسه يوسف القرضاوي سابقاً، ويُدار حالياً من قبل شخصيات قريبة من الجماعة، ويحظى بمكانة رسمية في الفعاليات الوطنية الأيرلندية رغم اتهامه بترويج أفكار متشددة.
وكشفت الصحيفة عن حصول جمعية الصداقة الإسلامية الأيرلندية على تمويل أوروبي في وقت سابق لتنفيذ مشروع لمكافحة التطرف، قبل أن يُثار الجدل حول علاقاتها الإخوانية واستضافتها شخصيات مثيرة للجدل. وتُعدّ الجمعية ضمن أذرع جماعة الإخوان في أوروبا، وهي عضو في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي يُعدّ المظلة الرئيسة للتنظيم في أوروبا. وقد أثارت الجمعية جدلاً واسعاً داخل البرلمان الأوروبي عام 2015، بعد استجواب المفوضية الأوروبية بشأن منحها تمويلاً بقيمة (449.816) يورو عام 2012 لتنفيذ مشروع يُفترض أنّه يهدف إلى "مكافحة التطرف". كما يُسجَّل للجمعية تاريخ من الأنشطة المثيرة للجدل، من بينها استضافة شخصيات مرتبطة بحركات إسلامية متشددة، مثل الناشط في حركة حماس عزام التميمي عام 2008. وقد شملت التحقيقات الشبكة الأيرلندية لمكافحة العنصرية التي وُجّهت إليها اتهامات بالارتباط الإيديولوجي بالإخوان، والحصول على تمويل أوروبي وأيرلندي كبير.
هذه المعطيات دفعت أعضاء في البرلمان الأيرلندي إلى المطالبة بـ "وقف الدعم المالي" عن المؤسسات المشبوهة، وسط تحذيرات من "بصمة إخوانية مؤسسية" تتسلل إلى فضاءات العمل المدني.
في النمسا، يواصل الادعاء العام في مدينة (غراتس) منذ عام 2020 تحقيقاته في ملف جماعة الإخوان، بعد الكشف عن أنشطة تتعلق بتمويل الإرهاب والتحريض على الكراهية. وقد تبنت فيينا نهجاً حازماً تجاه الإسلام السياسي في نسختيه السنّية والشيعية منذ عام 2019، شمل حظر رموز الإسلام السياسي، تحديداً الإخوان وحزب الله، فضلاً عن تنفيذ تدابير لتقييد نشاطها داخل المدارس والمساجد، بما في ذلك حظر الحجاب على الأطفال.
مواجهة حتمية
تؤكد المتحدثة باسم حزب الحرّية النمساوي، ريكاردا بيرغر، أنّ المواجهة مع الإسلام السياسي ليست خياراً بل ضرورة قصوى، مطالبة بضرورة حظر الجماعة بشكل كامل.
وكانت صحيفة (لو فيغارو) قد وصفت استراتيجية الإخوان في أوروبا بأنّها "إرهاب بطيء"، قائم على التمكين الناعم وتغيير المجتمع من الداخل من دون استخدام العنف المباشر والخشن، وذلك عبر شبكة من الجمعيات "القانونية ظاهرياً"، لكنّها تخدم مشروعاً فكرياً موازياً يهدد التماسك الوطني.
لهذا أعلنت فرنسا والنمسا وهولندا عن تحرك مشترك غير مسبوق يستهدف إغلاق قنوات التمويل الأوروبية أمام المنظمات غير الحكومية المرتبطة بجماعة الإخوان وتيارات الإسلام السياسي، في خطوة تُعدّ استدارة قوية عن سياساتها القديمة والمرنة. وبحسب ما أوردته مجلة (لوبوان) الفرنسية، قدّمت الدول الثلاث مؤخراً وثيقة رسمية مشتركة إلى مجلس الشؤون العامة في الاتحاد الأوروبي بعنوان: "ضمان احترام القيم الأوروبية من قبل الكيانات المستفيدة من التمويلات الأوروبية". وتسعى هذه المبادرة إلى إرساء ضوابط أكثر صرامة على تمويل المنظمات، من خلال منع تدفق أموال دافعي الضرائب الأوروبيين إلى أيّ مؤسسات يُشتبه في ترويجها لأجندات تتعارض مع القيم الجوهرية للاتحاد الأوروبي، والمحددة في المادة الثانية من معاهدته، وهي: "الكرامة الإنسانية، والحرّية، والديمقراطية، والمساواة أمام القانون".
وتمثل هذه الخطوة نقلة نوعية من التساهل البيروقراطي إلى الرقابة القيمية والسياسية، وتؤشر إلى إدراك أوروبي متنامٍ لجهة ضرورة تجفيف منابع التمويل التي تستفيد منها الجماعات المتطرفة تحت غطاء العمل المدني. فالوزير الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية، بنجامان حداد، صرح بأنّ "من غير المقبول أن تُموّل منظمات مرتبطة بالإسلاموية بأموال دافعي الضرائب الأوروبيين"، وطالب بضرورة الدفاع عن قيم الاتحاد يتطلب رقابة سياسية لا إدارية فحسب.
مجمل هذه التطورات يشير إلى أنّ أوروبا دخلت مرحلة وعي مؤسسي متأخر فيما يتصل بمخاطر الإسلام السياسي، بعد أن لامس أثرها حدود أمنها القومي وتماسكها المجتمعي. وبالمحصلة، يمكن القول إنّ أوروبا تباشر في حماية قيمها الديمقراطية وأسسها المجتمعية، من خلال الإلحاح على ضرورة مواجهـة شاملة مع مشروع الإسلاموية بالكليّة، وتخطّي الدعاية ضدها، والضغوط بوساطة فزّاعة "الإسلاموفوبيا".

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF_0_0.png.webp?itok=095Dr22b)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A5%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA_1_0.jpg.webp?itok=oxGZ1O9A)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D9%88%D8%AF%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=1nzQWsfi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_22_0.jpg.webp?itok=N0UXHX6y)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_1.jpg.webp?itok=LieXmuS8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF_6_0_0_1_0_0_1.jpg.webp?itok=4Ka8FsXh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%86_0_4_4_0.jpg.webp?itok=cavoPXVu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1408793_0_1.jpeg.webp?itok=RLtA9JKZ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A_6_0.jpg.webp?itok=iu2rI4iJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AC%D8%AC_1.jpg.webp?itok=2Blorlyw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A_0_1_4_1.jpg.webp?itok=Jmi96fsS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_3_1_0_2_0_0_1_0_2.jpg.webp?itok=4NGJbZEg)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/239iiuqtpl7os0ko8s_0_6.jpg.webp?itok=n1zgQ4_d)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/232566-1737814846.jpg.webp?itok=OvPZSkJv)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%8A%D9%85%D9%867_2_0_0.jpg.webp?itok=KAB_cJlS)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)