"من ديوان السياسة" للعروي: التحول التدريجي سبيلاً للديمقراطية

4842
عدد القراءات

2018-06-27

يعتبر "من ديوان السياسة"، الصادر العام 2010، من كتب المفكر المغربي عبدالله العرويّ المتأخرة، التي جاءت بعد تبلور واستواء مشروعه واتضاح ملامحه، في كتب سبقته كسلسلة المفاهيم (مفهوم الدولة، ومفهوم التاريخ، ومفهوم الحرية، ومفهوم العقل)، وهو يتمحور حول مسألة الحداثة السياسية في السياق العربي، وكيفية تحقيق التحديث، وبناء نموذج الدولة العربية الحديثة.

في هذا الكتاب، يتأمل العرويّ في مُجمل العملية السياسية، وفي الأسس التي تنبني وتقوم عليها، وكعادته، فإنه لا يتعامل مع الواقع كأفق ناجز، لا بديل عنه، وإنما يعود للبحث في الأصول، والأسس، والمفاهيم العامة، كما لا يكتفي بالتنظير، وإنما يقرن خلاصاته ونتائجه بأمثلة ومقارنات تاريخية عديدة، يُسعفه فيها اطلاعه ومعرفته التاريخية الواسعة، والمتأتية من كونه مؤرّخاً بالأساس.

غلاف كتاب "من ديوان السياسة" للمفكر المغربي عبد الله العروي

الرؤية الواقعية للدولة العربية

عند بحثه في النظام السياسي المنشود، يتبنّى العرويّ وينطلق من المفهوم والتقسيم الكلاسيكي الأرسطي للنظم السياسية، الذي يقوم على أساس مدى اتساع دائرة المشاركة في الحكم؛ حيث تنقسم النظم السياسية عند أرسطو إلى ثلاثة: حكم الفرد، وحكم الأقلية، وحكم الأغلبية، وكل واحد منها يندرج تحته نموذجان: أحدهما إيجابيّ، والآخر سلبيّ؛ فحكم الفرد يمكن أن يأتي في صورة حكم ملك مُصلح، أو مستبد مستنير، أو يمكن أن يأتي في صورة طاغية مستبد، و"حكم الأقلية"، قد يأتي في صورة طغمة فاسدة، أو أرستقراطية مستنيرة، وحكم الأغلبية قد يأتي في صورة حكم ديمقراطي، أو في صورة حكم الفوضى.

العرويّ لا يتعامل مع الواقع كأفق ناجز لا بديل عنه وإنما يعود للبحث في الأصول والأسس والمفاهيم العامة

وبالنسبة للعرويّ، فإنه يميل إلى اعتبار أنّ الحكم الديمقراطي، في نموذجه الليبرالي الذي انتهى إليه في السياق الغربيّ، هو أفضل نموذج وصيغة ممكنة وصلت إليها التجربة البشرية، ولكن يظلّ وفياً للمدرسة الواقعية التي ينتسب إليها، وأهم أعلامها؛ ابن خلدون، وميكيافيللي، اللذان أكد العرويّ على اهتمامه بمنهجهما وتبنيه له، في كتب سابقة (كما في: ثقافتنا في ضوء التاريخ)، وانسجاماً مع هذه الرؤية يوضح أنّ تبني الديمقراطية، لا يعني القول بإمكان تطبيقها بشكل تام وفوري، وإنما التعامل معها بالأساس كـ"طوبى"، نحاول الاقتراب منها وتحقيقها ما أمكن، أما استخدامها في الدعوة السياسية فلا يعدو كونه "وسيلة تعبئة".

اقرأ أيضاً: الدولة من عصور الغلبة إلى الديمقراطية

ويرى العرويّ أنّ الدولة العربية تقع اليوم (زمن تأليف الكتاب العام 2010) في مرحلة "حكم الفرد"، برغم وجود أجسام وهياكل ديمقراطية، ولكنّها بالنسبة له شكليّة وغير فاعلة، وهو هنا يتحدث بالأساس عن "المغرب"، وإن كان الكتاب، كما سائر كتابات العرويّ، بطبيعتها النظرية، تصلح لتعميمها على سياقات ودول عربية أخرى، خصوصاً وأنّها تمتلك قدراً كبيراً من التناظر والمشتركات مع الدولة المغربية، في ماضيها وحاضرها، وبالرغم من حدوث تحولات عديدة خلال السنوات الأخيرة، إلا أنّه لا يمكن الحديث عن تحولات جوهرية (ثورية) في أساس السياسة العربية.

المهمة التاريخية الراهنة

وتأتي ذروة الكتاب، في تأكيد العرويّ أنّ "المهمة التاريخية" الآن هي في تحقيق الانتقال والتحول من "حكم الفرد" إلى "حكم الأقلية"، حتى أنه بالإمكان أن نجعل من "الدعوة إلى حكم القلّة" عنواناً لمجمل الكتاب وأطروحة العرويّ فيه، وهو يعلن أنّ "حكم الصفوة الأخيار الفضلاء هو المرجو المرتقب" (ص78)، مؤكداً على عدم إيمانه بسياسة "حرق المراحل"، ولا بتحقيق القطائع، والتي يراها متمثلة في الدعاوى التي تنادي بتحقيق "التحول الديمقراطي"، والتخلص من الاستبداد، دفعةً واحدةً، وهو ما يراه العرويّ أمراً غير قابل للتحقق؛ فبالنسبة له الديمقراطية هي "طوبى" نسعى لمقاربتها، ولكنها لا تصلح كخطة وبرنامج للحكم، فهي عنده ليست شعاراً يُرفع، اإها: "ما نجرب، ونرى، ونلمس، وليست شيئاً أعلى، قد يحلّ بعد ثورة أو انقلاب".

العرويّ لا يرى إمكان التحول القطائعيّ بالقفز من مرحلة حكم الفرد إلى حكم الأغلبية دون المرور بالمرحلة الوسيطة

وهنا، بالإمكان فهم موقف العرويّ من ثورات "الربيع العربي"، التي رأى (في حوار أُجريَ معه العام 2015) بأنّها "أخطأت موعدها مع التاريخ"؛ وذلك أنّ تنظير العرويّ لا يرى إمكان التحول القطائعيّ بالقفز من مرحلة حكم الفرد إلى مرحلة حكم الأغلبية، دون المرور بالمرحلة الوسيطة (مرحلة حكم القلّة)، وهو ما يقود إلى السبيل الذي يقترحه لتحقيق هذا التحول وإنجاز "المهمة التاريخية"

توسيع دائرة المشاركة والتربية المدنية

ما يدعو إليه العرويّ هو "توسيع دائرة المشاركة السياسية"، وذلك من خلال التركيز على النخب المحليّة ودور الفاعلين في كل "جهة" (ولاية، محافظة، منطقة..)، وهو هنا يتحدث عن "الجهة" بالمعنى الإداري للكلمة؛ إذ إنّه يتجه للحديث عن التدبير السياسي على المستوى المحليّ، لا على مستوى التشريع والبرلمانات، فهو يرى أنّ هذا هو المستوى الأفضل للممارسة السياسية الراهنة، ولتطوير النخب السياسية، والارتقاء بها لممارسة الدور السياسي التشريعي، وهو هنا يدعو إلى العودة للمفهوم الكلاسيكي للسياسة (البوليتيكا)، باعتبارها تدبيراً للشؤون والاحتياجات المباشرة للأفراد.

اقرأ أيضاً: كيف اختطف الإسلام السياسي "الربيع العربي"؟

وفي إطار تناول العرويّ لقضية التحول الديمقراطيّ، يخصّص جانباً مهماً من الكتاب لتناول شروط هذا التحول، التي يراها تتمثل في التحول على مستوى "الثقافة السياسية"، وليس فقط الممارسات والبُنى؛ حيث تمثل الديمقراطية عنده "مرحلة الفِطام" و"تجاوز الأميّة السياسية"، وهو يؤكد أنّه "لا ديمقراطية مع الأميّة السياسية".

تتمثل الأميّة السياسية عند العرويّ في مرحلة النظام السياسي التقليدي الذي يتأسس على المبايعة والولاء

إن "الفِطام" عند العرويّ هو الانتقال من مرحلة "الطبيعة"، والمتمثلة بسيطرة الغرائز (الحيوانية)، وفي مقدمتها الخوف، وما ينبني عليه من خضوع واستبداد، إلى مرحلة العقل، الذي يجعله أساس "المواطنة"، إن مرحلة الأميّة السياسية عند العرويّ هي مرحلة النظام السياسي التقليدي الذي يتأسس على المبايعة والولاء.

وهنا، يتحدث العرويّ عن ضرورة "التربية المدنية"، التي يجعل لها دوراً أساسيّاً في تحقيق التحول نحو الديمقراطية، ويجعلها الأساس لمواجهة وتجاوز "التربية الأم" أو "التربية الأولى"، والتي تتمثل في الصيغة التقليدية للإدماج الاجتماعي من داخل الأسرة والعشيرة، وبتعبير العرويّ: "ما دامت الأميّة متفشية تظلّ الحاجة إلى "الإمامة" (الصيغة التقليدية للحكم) قائمة"، ولا بُدّ هنا من الإشارة إلى تمسك العرويّ بأطروحات تنويرية تقليدية (روسويّة؛ نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو)، طالها الكثير من النقد، وهي التي تؤكد على "التربية" و"التهذيب" وتربطها بأيّ عملية تقدم سياسي.

صعود السلفيات وتباطؤ "الفِطام"

وإذا كان الفِطام عند العرويّ هو التحول من الإمامة والمبايعة، إلى المواطنة والحداثة السياسية، وسبيله هو "التربية المدنية"، فإنّ العرويّ يشير إلى تباطؤ عملية "الفِطام" خلال العقود الأخيرة، وهو ما يتمثل في تراجع دور المثقف مقابل عودة تأثير "الشيخ"، وما صاحب ذلك من عودة وصعود الأصوليات والسلفيات، والتي يخصص جزءاً من كتابه لتفنيد أطروحاتها.

يتناول العرويّ هذه الأطروحات باعتبارها مشاريع "إحياء"، تنبني على أساس إحياء نُظُم من الماضي، ويفندها من خلال المحاججة المنطقية: "لو كان النظام المُراد إحياؤه صالحاً لكل زمان ومكان، لما حاد عنه أحد، ولما احتجنا إلى إحيائه".

يشير العرويّ إلى تباطؤ عملية "الفِطام" خلال العقود الأخيرة وهو ما يتمثل في تراجع دور المثقف مقابل عودة تأثير "الشيخ"

يبقى مصطلح "الدولة الإسلامية" هو الأساس الذي تدور حوله الدعاوى السلفية، وهو ما يدفع العرويّ للعودة للبحث في أدبيّات "الآداب السلطانية"، وفي مقدمتها كتابات الماورديّ، ليخلص إلى نتيجة مؤداها أنّه لا وجود لمعنى محدد له، حيث يؤكد أنّه: "لا يوجد إلى حدّ الساعة نظرية عامّة مقَدَمة عن الدولة الإسلامية"، وعلى أنه "يمكن القول إنّ الدولة الإسلامية، في البقعة الفلانية، والحقبة الفلانية، هي كذا وكذا.."، ولكن ذلك ممتنع بنظره في حالة الإطلاق. أما تحليلات الماورديّ، فيعتبر العرويّ أنّها مجرد توصيف وتسمية وشرعنة لحالة الدول الإسلامية في العصر العباسي الثاني.

اقرأ أيضاً: قواعد الفكر الإخواني (8): كل شيء في سبيل الحكم

يؤكد العرويّ أنّ الدولة اليوم لا يمكن وصفها بصفة الديانة؛ إذ إنّ جهازها الأساس المتمثل في "البرلمان"، هو جهاز ذو دور تشريعيّ، وهو لا يختصّ في مناقشة مسائل لاهوتية وعقدية، وإن كان بالإمكان مناقشة العرويّ في نقطة "التشريع" وارتباطه بالدين؛ حيث تدور الكثير من الأطروحات النظرية اليوم حول إمكانية ارتباط هذا التشريع واستناده إلى نصوص دينية، وهي المسائل التي تطرح في الديمقراطيات الغربية تحت مسمى "الأخلاقيات"، وهو ما لم يتعرض له العرويّ في نقده.

تبقى الفائدة الأهم لكتابات العرويّ هي أنّها تجعل القارئ يعيد التفكير في مجمل المنظومات والعمليات القائمة من أسسها، وهو ما يهيئ لإعادة البناء والتأسيس على نحو أفضل.

اقرأ المزيد...

الوسوم: