منظمة العفو الدولية: تركيا تعاملت بازدراء مشين مع المدنيين السوريين

منظمة العفو الدولية: تركيا تعاملت بازدراء مشين مع المدنيين السوريين

مشاهدة

08/07/2020

منذ بدء العملية العسكرية التركية التي سميت بـ"نبع السلام"، تشرين الأول (أكتوبر) العام الماضي، في شمال شرق سوريا، وقعت انتهاكات عديدة ضد سكان المنطقة، ومن بينهم النازحون واللاجئون، بوجه عام، وأكراد سوريا، بوجه خاص؛ إذ تجاوزت الممارسات العدوانية التي تم توثيقها بواسطة منظمات حقوقية، محلية وأممية، من مجرد حالات فردية إلى كونها عملية ممنهجة ومنظمة، تستهدف خلق وضع جديد ومغاير، وترقى إلى اعتبارها "جرائم حرب"، حسبما وصفتها منظمة العفو الدولية، في تلك المنطقة المتاخمة للحدود التركية.

الصحفي السوري الكردي علي بدرخان  لـ"حفريات": فصيل السلطان مراد، الموالي لأنقرة، حوّل المجمع التربوي في المنطقة بعفرين إلى مقر عسكري لعناصره؛ حيث تتواجد الاستخبارات التركية

وعلى إثر الهجوم العسكري الأخير في شمال شرق سوريا، وسيطرة التنظيمات المسلحة التابعة لأنقرة، تفاقمت الأوضاع في المنطقة، لا سيما بين المدنيين، وقد نزح ما يقرب من 300 ألف مواطن، بينهم 70 ألف طفل، كما بدأت تظهر جملة من التغييرات في المدن والقرى التي خضعت لسيطرة ونفوذ القوات التركية، وكذا، الفصائل المحلية المدعومة منها، في ظل استهداف الأوضاع الاجتماعية والديمغرافية والهوياتية.

أردوغان والحقد القومي

 وتراوحت الممارسات العدوانية في شمال سوريا، بين الخطف والاعتقال مقابل طلب الحصول على مبالغ مالية "الفدية"، بالإضافة إلى سرقة المحاصيل الزراعية، وخاصة، الزيتون الذي تشتهر به مدينة عفرين، علاوة على عمليات التهجير ومصادرة الممتلكات والأموال، بهدف هدم البنية الاجتماعية والثقافية للمنطقة.

وترافق ذلك مع تعبئة وتأليب القوميات المختلفة بالمنطقة ضد بعضهم، من خلال خطاب عنصري ضد الأكراد، وكذا المنتمين إلى ديانات متنوعة، دون الوضع في الاعتبار التنوع الديني والإثني بين الأكراد والعرب والسريان والجركس، من ناحية، وبين المسيحيين والإيزيديين والمسلمين، بطوائفهم ومذاهبهم المتفاوتة، من ناحية أخرى.

اقرأ أيضاً: حقيقة دور تركيا في سوريا

 تعمدت القوات التركية والفصائل الأخرى إلى إثارة النعرات والعصبيات، عبر خطاب الكراهية، والاستعانة بوسائل ووسائط متباينة؛ فتم تدشين جمعيات دينية دعوية، ذات طابع سلفي جهادي، ومدارس دينية تستهدف الأطفال في مرحلة عمرية مبكرة، لجهة نقل الأفكار المتشددة والراديكالية لهم، بدعوى تحفيظهم القرآن الكريم، واللغة العربية بدلاً من الكردية، ناهيك عن فرض الحجاب على النساء، وإجبار الإيزيديات على اعتناق الإسلام، وهدم المزارات الدينية، وحرق الكنائس.

لذا، يتكون ما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، الموالي لتركيا، في منطقة شمال شرق سوريا، من خلفيات إسلامية راديكالية، ومن بينها، ألوية عديدة وميليشيا تتخذ أسماء مثل: "جيش الإسلام"، "فيلق الشام"، و"أحفاد الرسول"، "جيش المجاهدين"، "لواء التوحيد"، بالإضافة إلى فصائل تركمانية، تأسست بدعم وتمويل مباشر من تركيا، وتكنى بأسماء السلاطين العثمانيين أو زعماء أتراك، مثل: "لواء السلطان مراد"، "حركة نور الدين الزنكي".

ميلشيات أنقرة تمارس التطهير العرقي

لا تتوانى القوات التركية والفصائل التابعة للجيش الوطني في شمال سوريا عن ممارسة انتهاكاتها، والتي مازالت مستمرة حتى اللحظة؛ حيث اتهم مركز توثيق الانتهاكات في شمال سوريا، الميلشيات الموالية لتركيا بتنفيذ جرائم قتل وخطف للمدنيين بجانب التهجير والسرقة، وذلك خلال النصف الثاني من الشهر الماضي حزيران (يونيو)؛ إذ ارتفعت حالات العنف في منطقة عفرين، وباقي المناطق التي تقع تحت سيطرة القوات المسلحة التركية في شمال سوريا، بالرغم من دعوات وقف عمليات المداهمة اليومية، واعتقال المواطنين، وخطفهم بدافع الحصول على الفدية، ومنع ذويهم من معرفة مكان احتجازهم.

عثر أهالي قرية درويش على الفتاة ملك نبيل خليل جمعة (16 عاماً) جثة هامدة بعد أسبوعين من اختطافها من قبل مرتزقة السلطان مراد

كما كشف المركز الحقوقي، بأنّ منطقة عفرين شهدت في نيسان (أبريل) الماضي، اعتقال نحو 60 شخصاً، بينما في أيار (مايو) العام الحالي، تم اعتقل 41 شخصاً، بالإضافة إلى مقتل مدنيين تحت التعذيب، حيث تم توثيق أكثر من 24 حالة تعذيب لمعتقلين في السجون غير الشرعية أو القانونية، ولفت المركز في بيانه الرسمي، إلى أنّ الأعداد المذكورة تشمل فقط الأسماء التي تمكن الفريق البحثي من توثيقها، لكنّ العدد الفعلي أكثر من ذلك.

جرائم تركيا بحق الأكراد

إلى ذلك، وقعت خلال الشهور القليلة الماضية حالات قتل متكررة، تورطت فيها الفصائل الموالية للقوات التركية، بحسب المصادر المحلية في شمال سوريا؛ حيث تم العثور على جثمان فتاة كردية، خلال الشهر الماضي، بعد أن جرى اختطافها، أواخر أيار (مايو)، وذلك من جانب فصائل السلطان مراد، التابعة لأنقرة، حسبما أوضحت الصفحة الرسمية لمكتب الإعلام لشمال شرق سوريا.

وتابعت: "عثر أهالي قرية درويش على ملك نبيل خليل جمعة (16 عاماً) جثة هامدة بعد أسبوعين من اختطافها من قبل "مرتزقة السلطان مراد"، وكان عنصر آخر من فصائل السلطان مراد خطف في 18 مايو أيضاً فتاة واغتصبها وأجبرها على الزواج منه تحت تهديد السلاح".

ومن جانبها، اعتبرت منظمة العفو الدولية، أنّ القوات العسكرية التركية، وتحالف الجماعات المسلحة السورية المدعومة من تركيا، أبدت ازدراءً مشيناً لحياة المدنيين؛ إذ ارتكبت انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، بما في ذلك القتل العمد، والهجمات غير القانونية التي قتلت وجرحت مدنيين؛ وذلك خلال الهجوم على شمال شرق سوريا.

اقرأ أيضاً: كيف استخدمت تركيا المريدية والإخوان في اختراق المجتمعات الكردية؟

وفي بيان رسمي، قال كومي نايدو، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية: "لقد أدى الهجوم العسكري التركي على شمال شرق سوريا إلى تدمير حياة المدنيين السوريين الذين أجبروا مرة أخرى على الفرار من ديارهم، والعيش في خوف دائم من القصف العشوائي وعمليات الاختطاف، وأعمال القتل الميداني. إنّ القوات العسكرية التركية وحلفاءها أبدوا ازدراء صارخاً لأرواح المدنيين، وشنوا هجمات مميتة غير مشروعة في المناطق السكنية قتلت وجرحت مدنيين".

قتل وخطف وتعذيب

المنظمة الأممية اتهمت تركيا بمسؤوليتها عما تقوم به الجماعات المسلحة السورية التي تدعمها وتسلحها وتوجهها؛ حيث منحت أنقرة هذه الجماعات المسلحة حرية ارتكاب انتهاكات جسيمة في عفرين، وفي أماكن أخرى، حسبما أوضحت، وطالبتها بإجراء تحقيق فوري لمحاسبة الأطراف المسؤولة عن تلك الجرائم؛ لأنه لا يمكن لتركيا التملص من المسؤولية عن طريق إسناد ارتكاب جرائم حرب إلى الجماعات المسلحة.

وتقوم السلطات التركية بتحويل المدارس في عفرين إلى مقرات عسكرية وأمنية، يجري فيها اعتقال السوريين المدنيين، بالإضافة إلى تدريب عناصرها، حيث تتخذ القوات العسكرية التابعة لتركيا من مدرسة أمير غباري، مقراً أمنياً لها، بحسب الصحفي السوري الكردي، علي بدرخان، والمتواجدة قبالة ساحة آزادي، وسط المدينة، والذي أبلغ "حفريات" بأنه "تتواجد القوات التركية في مدارس أخرى، مثل مدرسة فيصل قدور الجديدة على طريق جنديرس، غرب عفرين، وتتخذها قاعدة عسكرية.

اقرأ أيضاً: المصرف المركزي الليبي... أزمات متتالية ولا حلول في الأفق

وبحسب الصحافي السوري الكردي، فإنّ فصيل السلطان مراد، الموالي لأنقرة، حوّل المجمع التربوي في المنطقة بعفرين إلى مقر عسكري لعناصره؛ حيث تتواجد الاستخبارات التركية في مدرسة أزهار عفرين، وقد سبق أن قامت الشرطة العسكرية بتحويل عدد من المدارس، في ريف عفرين، لمقرات عسكرية أيضاً، مع الوضع في الاعتبار أنّ المجلس المحلي الموالي لتركيا، قد قام بتحويل جامعة عفرين إلى مقر لها بعد انتقاله من مدرسة الكرامة، والأخيرة أضحت مقراً عسكرياً.

بيد أنّ الممارسات التي ترتكب بحق الكرد والسوريين لا تتوقف صورها المأساوية، التي تصل حد التطهير العرقي، بحسب المصدر ذاته، بالإضافة إلى ظاهرة تزويج القاصرات، واغتصاب الفتيات ثم قتلهن أو إجبارهن على الزواج.

وقامت الجهات الحقوقية المحلية في عفرين وشمال سوريا، مؤخراً،  بتوثيق ارتفاع عدد الضحايا والقتلى من اللاجئين السوريين، الذين قتلوا برصاص الجيش التركي، وتحديداً، جنود حرس الحدود، لنحو 463 شخصاً، نهاية حزيران (يونيو) العام الحالي، وذلك أثناء تواجدهم على الحدود التركية، من بينهم نحو 86 طفلاً، و59 إمرأة.


الصفحة الرئيسية