
في غزة المحاصرة، لم يعد البحث عن الطحين فعلاً يومياً روتينياً، بل أصبح مهمة انتحارية محفوفة بالخطر، فالوصول إلى أكياس الطحين يعني عبور مناطق قصف، ونقاط تفتيش عسكرية، وطرقات يطلق عليها السكان اسم "ممرات الموت"، حتى تحول الطحين من مادة غذائية أساسية إلى رمز للبقاء في وجه الجوع والموت.
وقد أغلق الاحتلال الإسرائيلي في الثاني من آذار (مارس) الماضي جميع معابر قطاع غزة منقلباً بذلك على اتفاق التهدئة الموقع في كانون الثاني (يناير)، الذي نصّ على إدخال (600) شاحنة مساعدات و(50) شاحنة وقود يومياً إلى قطاع غزة.
كان أحمد يركض خلف الطحين لا الحلم، خلف الخبز لا الوطن، خلف البقاء لا الحياة، فكان أن اخترقت الرصاصة رئته لا رغبته.
ومنذ ذلك الحين اعتمد سكان القطاع على المواد الغذائية التي كانت لديهم، والتي بدأت تنفد تدريجياً من الأسواق، حتى انتشر التجويع بين السكان وظهرت عليهم علامات وأمراض سوء التغذية، لا سيّما مع نقص المواد الأساسية من مشتقات الحليب واللحوم والدواجن والخضروات، كما طال المنع الأدوية ومستلزمات النظافة الشخصية.
وأدى التجويع إلى وفاة (133) فلسطينياً، بينهم (87) طفلاً، حسب آخر إحصائية صادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة.
أُطلقت النار على فتًى لم يحمل سلاحًا، بل حقيبة خبز، وعلّق العالم: "خطأ تقني في بندقية الديمقراطية".
وتقدّر الجهات المختصة حاجة قطاع غزة من المساعدات بـ (600) شاحنة يومياً، و(500) ألف كيس طحين أسبوعياً، و(250) ألف علبة حليب شهرياً للأطفال لإنقاذ حياة (100) ألف رضيع دون العامين، بينهم (40) ألفاً تقلّ أعمارهم عن عام واحد، مع ضرورة السماح بتأمينها ووصولها إلى المؤسسات الدولية بهدف توزيعها بعدالة على سكان القطاع، والسماح بإدخال البضائع للقطاع الخاص التي توفر جميع المواد والسلع التي يحتاجها الفلسطينيون يومياً.
قتل من أجل كيس طحين
في خيمتها الواقعة بحي النصر بمدينة غزة، تجلس الفلسطينية رغدة الفيراني (48 عاماً)، وهي تمسك بصورة نجلها (أحمد 17 عاماً)، الذي قتل برصاصة قناص إسرائيلي أثناء ذهابه لجلب كيس طحين من معبر زيكيم الإسرائيلي شمال قطاع غزة.
في غزة، صار الطحين عملة نادرة، لا تشترى بالمال بل بالدم، ولا توزع إلا بشروط القاتل أو المُهيمن.
تقول الفيراني: "قال لي: يا أمي سأذهب بسرعة وأعود، الناس يقولون إنّهم فتحوا المعبر"، بعد ساعات قتل على الطريق دون أن يلمس كيس الطحين".
وتؤكد: "وصلني خبر من أحد أصدقائه أنّه حدث إطلاق نار على منتظري المساعدات، وهناك عدد كبير من القتلى والمصابين، فهرعت إلى مستشفى الشفاء بغزة للبحث بين الجثث عن نجلي، فرأيته ممداً على الأرض وسط بقعة كبيرة من الدماء، وكان يرفع يده وكأنّه يريد حماية نفسه".
لم يَقتل أحمد الجوع، بل قتله من ظنّ أن الطحين حليف للتمرد، وأن الجوعى يشكلون خطرًا على السلم العسكري.
وتتابع باكية: "لم يكن يحمل سلاحاً، فقط كيس خيش لوضع الطحين بداخله، أراد أن يطعم أخوته الـ (7)، من قتل أحمد؟ الجوع، أم العالم الذي لا يرى"؟
وتضيف: "شو بدنا نعمل؟ ما عنّا لا طحين ولا أكل، بيوت كتير ما فيها لقمة خبز، هو كان شايف حاله رجل البيت، رغم أنّ عمره (17) عاماً فقط".
طفل يُقتل لأنه أراد أن يأخذ دورًا في الطابور، فكان نصيبه رصاصة قبل أن تصل يده إلى كيس الطحين.
وتوضح الفيراني: "دم أحمد ذهب هباء، مثل دم كتير من الشباب، وبتّ أعلم جازمة أنّ الخروج من أجل رغيف الخبز من شأنه أن يكلف الشخص حياته، لكن لا توجد بدائل أخرى، إن لم تذهب شخصياً للحصول على الطحين، فستموت وعائلتك جوعاً".
أحمل جثة أو إصابة
الشاب صدقي زعرب (24 عاماً)، من منطقة المواصي غرب خان يونس جنوب قطاع غزة يقول: "ذهبت أكثر من (15) مرة نحو مناطق توزيع الطحين، وعدت في كثير منها محملاً بجثث أو بمصابين، فالوصول إلى مناطق التوزيع خطير ومحفوف بالمخاطر".
في غزة، كل شيء طابور: الطحين، الموت، الانتظار، وحتى الغضب. وما بين الطابور والطابور، مسافة اسمها فلسطين.
ويضيف زعرب: "نتحرك جماعات نحو المساعدات الأمريكية في منطقة الشاكوش شمال مدينة رفح، حيث الطريق مكشوف وخطير، وتقوم الطائرات برصد تحركاتنا، وغالباً ما يطلق قناصة الاحتلال الذين يعتلون الأبراج العسكرية والدبابات النار علينا أثناء ذهابنا وعودتنا أيضاً".
ويوضح: "عندما ننجح في الحصول على كيس طحين، نحمله كما يُحمل الشهيد على الأكتاف، نخشى أن يسقط أو ينهب أو يصادر، والناس يعرفون أنّ الطريق خطير، لكن لا خيار، الجوع أقوى من الخوف".
حين يتحوّل الطحين إلى غنيمة، ويُطلق الرصاص على الجوعى، فلا تسألني عن الإنسانية، اسأل مجلس الأمن عن موضع قلبه.
وتابع بنبرة حزن: "في أحد الأيام عندما ذهبت إلى مركز المساعدات الأمريكية الذي يتطلب الوصول إليه السير مسافة (12) كيلو متراً، حيث كنت أمشي بجوار نحو (500) شخص، فجأة انفجرت قذيفة قريبة، فوجدت نفسي مرمياً على الأرض والدماء تغمرني، لم أكن أحمل سلاحاً، فقط بطاقة هوية وكيساً فارغاً لتعبئة المعلبات والطحين بداخله".
ويؤكد زعرب: "نجوت بأعجوبة كبيرة، وقد تساقط المئات من الشبان على الأرض كأوراق الشجر، لم نأتِ لنسرق، ولم نهدد أحداً، كل ما أردناه هو الحصول على الطعام فقط".
الخبز مقابل الدم
لم يكن يعلم الشاب عمر أبو الخير (29 عاماً) أنّ رحلته من أجل الحصول على الطحين التي بدت في ظاهرها من أجل البقاء، ستكلفه ساقه، بعد أن قامت شاحنة محملة بالطحين بدهسه، خلال الفوضى التي عمّت أثناء الحصول على الطحين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
يقول أبو الخير: "خرجت أبحث عن الطحين، فعدت محمولاً، لم يكن لديّ خيار، أطفالي جائعون منذ يومين، وكل ما كنت أفكر فيه هو الحصول على كيس طحين يعيد إليهم الحياة".
ما بين رفح وغزة، يجري تهريب الطحين كأنه مواد مخدرة، يُسعّر كما تُسعّر الأرواح في أسواق النخاسة الحديثة.
ويضيف: "أمضى مشياً على الأقدام مسافة (8) كيلو مترات يومياً تحت خطر القصف، وغالباً ما أنام في مكان الطابور ليلاً لأضمن مكاناً في الصباح، وفي مناطق مكشوفة يسيطر عليها الخوف، على أمل الحصول على كيس طحين قد يسد رمق أطفالي لأيام".
ويقول بحسرة: "ساقي لن تعود، لكنني ما زلت حياً لكي أرى أطفالي، وكثيرون غيري لم يعودوا أبداً، فكل شاحنة مساعدات تصل تتحول إلى هدف بشري، الناس يندفعون، يركضون، يصرخون، وبعضهم يُدهس تحت الأقدام أو العجلات".
الطفل الذي دهسته شاحنة مساعدات لم يُقتل سهوًا، بل لأن الجوعى لا يملكون تنظيمًا، ولا تُحترم فوضاهم في طابور الحياة.
ويؤكد أبو الخير: "أتمنى أن تنتهي الحرب قريباً، وأن يتم تنظيم توزيع المساعدات لكي تصل إلى كل أسرة بغزة، فالبقاء على قيد الحياة بات انتصاراً يومياً في ظل الإبادة التي نشهدها".
انتهاك للقانون الدولي الإنساني
يرى أستاذ القانون وحقوق الإنسان بجامعة القدس، عصمت ظاهر، أنّه "في ظل الكارثة الإنسانية المستمرة في قطاع غزة، بات مشهد طوابير الطحين لا يمثل فقط رمزاً للجوع، بل يمثل شاهداً صارخاً على انهيار الحماية الإنسانية، وغياب أبسط مقومات الكرامة البشرية، بعد أن تحولت مناطق توزيع المساعدات إلى مناطق موت معلنة، وهي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية".
القمح في غزة ليس رغيفًا، بل معركة. كل من يحاول الاقتراب منه دون إذن الاحتلال، يُتهم بأنه "عنصر غير منضبط".
ويضيف ظاهر: "ما يجري عند نقاط توزيع المساعدات الأمريكية، وكذلك عند معابر الاحتلال، لا يمكن اعتباره مشهداً عابراً في أزمة إنسانية، بل هو انتهاك متكرر وخطير للقانون الدولي الإنساني، وخصوصاً اتفاقيات جنيف التي تنصّ على ضرورة حماية المدنيين وتوفير المساعدات الإنسانية بشكل آمن ومنظم".
ويوضح: "اضطرار الناس للسير عشرات الكيلومترات، والمبيت في العراء لأيام، والتزاحم حتى حدّ الدهس أو الموت، كلها مشاهد تكشف أنّ المجاعة تُستخدم كسلاح صامت، وأنّ الفوضى في توزيع المساعدات ليست مجرد عجز إداري، بل نتيجة متعمدة لحصار وتجويع ممنهج".
الجوعى في غزة لا يطالبون بالكثير، فقط أن لا يُقتَلوا وهم يبحثون عن حفنة طحين تسند حياة ذاهبة نحو الفناء.
وتابع: "الحق في الغذاء ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو حق قانوني تكفله الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وعلى رأسها المادة (25) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويشكّل تقاعساً من قبل المجتمع الدولي، والمنظمات الكبرى عن ضمان آلية توزيع آمنة للمساعدات، وتعمّداً في إطالة أمد المعاناة".
ولم يعد الحصول على الطحين في غزة مجرد حق إنساني، بل معركة مع الموت، شباب وأطفال يخرجون من خيامهم لا لجلب الغنائم، بل لرغيف خبز، ويعودون شهداء أو مبتوري الأطراف.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_3.jpg.webp?itok=9EkLU3jn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D9%83%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86_36_1.jpg.webp?itok=vJ86eP42)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%862.png.webp?itok=F8cw3w5L)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_4.jpg.webp?itok=rN_Ib14P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_0.jpg.webp?itok=uYAh2XlL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_2.jpg.webp?itok=7T9tpnrN)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86_5.jpg.webp?itok=CIbgJEiC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_7.jpeg.webp?itok=9QV_qQWx)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_28.jpg.webp?itok=aMR9hvSn)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8_18.jpg.webp?itok=meZYLOc6)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D8%A7%D9%86.jpg.webp?itok=Kmx-TQ6p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B4_4.jpg.webp?itok=91IxGwMX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%82%D8%AF%D8%B3_8_0_1.jpg.webp?itok=JSyyab-4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.jpg.webp?itok=LEerTUOi)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A7_0_0_0_4.jpg.webp?itok=wU2pyQNF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D8%A71.jpg.webp?itok=uIWaxHOJ)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%AA.jpg.webp?itok=EF8Ij8Lu)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_20.png.webp?itok=1CULT9B4)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D8%A7%D8%A9_1.jpg.webp?itok=NeaibOcK)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%B2%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%A9.jpg.webp?itok=eJL206Uj)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9_7.jpg.webp?itok=vVaw-Zhl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8_40_0_1.jpg.webp?itok=lu1dAWax)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_3.jpg.webp?itok=zyIAiQBd)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_2.jpg.webp?itok=eXdsNA4Z)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
