
ترجمة محمد الدخاخني
قبل أيام قليلة من انتخابات عمدة مدينة نيويورك أصدرت مجموعة من الحاخامات "دعوة للتحرُّك" هاجمت فيها شخصيات عامة، مثل المرشح الديمقراطي زهران ممداني، الذي قالوا إنّه "يرفض إدانة الشعارات العنيفة، وينكر شرعية إسرائيل، ويتهم الدولة اليهودية بالإبادة الجماعية".
ثم تقفز رسالة الحاخامات إلى استنتاج لا أساس له من الصحة، وهو أنّ دعم ممداني لحقوق الإنسان الفلسطيني وانتقاده للسلوك الإسرائيلي يعملان على "نزع الشرعية عن المجتمع اليهودي، وتشجيع وتفاقم العداء تجاه اليهودية واليهود".
بالإضافة إلى هذه المغالطة، ثمّة خطر كامن في خلط إسرائيل بالدين اليهودي، وبالتالي، خلط انتقاد إسرائيل أو الصهيونية السياسية بمعاداة السامية. ولطالما كانت هذه المسألة موضع نقاش، لا سيّما داخل المجتمع اليهودي.
خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وبينما كان اليهود الأوروبيون يناقشون فكرة الصهيونية، برزت تيارات فكرية متنافسة، حتى بين من اتفقوا على أنّ للشعب اليهودي صلة بأرض إسرائيل التوراتية.
رأى البعض هذه الصلة روحية، بينما رأى آخرون رابطاً ثقافياً علمانياً. وبينما سعى بعض المنتمين إلى هذين المعسكرين إلى شراكة مع العرب الذين سكنوا الأرض، دعت الرؤية التي سادت الحركة الجديدة، بدلاً من ذلك، إلى دولة يهودية حصرية في فلسطين. وقد سُمّيت هذه الحركة بـ "الصهيونية السياسية"، وربطت نفسها بالطموحات الاستعمارية البريطانية في الشرق الأوسط، ووصفت هذه الحركة عرب فلسطين بالطريقة نفسها التي عَرَّف بها البريطانيون من استعبدوهم في أراضٍ أخرى ـ أشياء كريهة لا تستحق أيّ حقوق.
وفي أوائل عشرينيات القرن العشرين، أفاد صحفي بريطاني أنّه شاهد مجموعة من اليهود الأوروبيين يحملون أعلاماً تحمل نجمة داوود، ويسيرون في شوارع القدس وهم يهتفون "القدس لنا"، و"نريد دولة يهودية". وأشار الصحفي إلى أنّ سكان القدس - مسيحيين ومسلمين ويهوداً - كانوا في حيرة من أمرهم. وكان العلم ذو النجمة غريباً عليهم، وكذلك الشعارات.
اتُهِم العرب الذين اعترضوا على المسيرة بمهاجمة اليهودية، لأنّ الأعلام تضمَّنت نجمة داوود. لكنّ الوضع لم يكن على هذا النحو، لقد اعترضوا على ادعاءات اليهود الأوروبيين بأنّ القدس ملكهم، وكذلك على هدف المسيرة المعلن المتمثل في تجاهل الحقوق العربية واستبدالها بدولة أجنبية مدعومة من الاستعمار.
ومع ازدياد شهرة المخططات البريطانية لفلسطين وتعهدها بالحركة الصهيونية السياسية، أدرك عرب فلسطين دلالات تلك المسيرة المبكرة نحو القدس. وخلال العقود الثلاثة التالية اندلع صراع دموي.
وفي حين أبدى اليهود الأمريكيون بعض التعاطف مع إخوانهم في الدين في فلسطين، لم تتبنَّ الأغلبيةُ الصهيونيةَ أو إسرائيل كهوية ذاتية. واستمرَّ هذا حتى بعد حرب عام 1948 وإعلان استقلال إسرائيل.
وفي ستينيات القرن الماضي تضافرت عوامل عديدة لتُحدث تغييراً في مواقف اليهود الأمريكيين تجاه إسرائيل: فالولايات المتحدة كانت في خضم حرب باردة، والتصاعد المكارثي المناهض للشيوعية اختلط بمعاداة السامية، والحركة المناهضة لحرب فيتنام وحركة الحقوق المدنية تضافرتا لتحدي الهوية الأمريكية.
وفي هذا السياق، لعب الفيلم الدعائي الناجح "الخروج" في ستينيات القرن الماضي، وانتصار إسرائيل في حرب 1679، دوراً مهمّاً في حثِّ اليهود الأمريكيين على إظهار تقارب أكبر مع إسرائيل.
لكنّ التقارب والدعم المالي لم يكونا كافيين للصهاينة السياسيين. لقد واصل هؤلاء الترويج لفكرة أنّ الصهيونية واليهودية هما الشيء نفسه.
وفي سبعينيات القرن الماضي شارك قادة "رابطة مكافحة التشهير"، وهي جماعة لطالما كانت في طليعة الدفاع عن اليهود ضد التعصُّب، في تأليف كتاب بعنوان "المعاداة الجديدة للسامية" دافعوا فيه عن فكرة أنّ إسرائيل، في نظرهم، محورية بالنسبة إلى اليهودية والهوية اليهودية، وأنّ معارضتها تُعَدُّ أحدث أشكال الكراهية ضد اليهود.
مرَّت عقود قبل أن يترسخ هذا الخلط الخطير. فقد أحبط الجمهوريون والديمقراطيون مراراً مساعي جماعات الضغط القوية المؤيدة لإسرائيل لتمرير تشريع في الكونغرس يساوي بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية.
وعندما انتقل الصراع إلى الولايات، حققت القوى المؤيدة لإسرائيل نجاحاً أكبر. وحتى الآن أقرَّت أكثر من (30) ولاية مشاريع قوانين مثيرة للجدل كهذه، ممّا يهدد حرية التعبير المحمية.
وفي أعقاب الغضب الشعبي الذي أعقب هجوم حماس في 7 تشرين الأول) أكتوبر) 2023، رأت رابطة مكافحة التشهير وحلفاؤها في الحكومة والإعلام فرصة سانحة للضغط بقوة لإثبات أنّ احتجاجات الطلاب ضد حرب إسرائيل على غزة تُهدد هوية الأمريكيين اليهود.
لم يُرد هؤلاء الالتفات إلى أنّ الاحتجاجات كانت ضد أفعال إسرائيلية لا ضد اليهود، ولا إلى أنّ استطلاعات الرأي أظهرت انقساماً حاداً بين الأمريكيين اليهود حول السياسات الإسرائيلية. ودعموا جهود الجمهوريين لحظر الاحتجاجات، وضغطوا على الجامعات لمعاقبة الطلاب الذين انتقدوا إسرائيل.
أُلقي القبض على آلاف الطلاب، وفُصل العديد منهم من جامعاتهم، وحُجبت شهاداتهم. وأُسكت أعضاء هيئات التدريس الذين دعموا الطلاب أو فُصلوا من العمل واحتُجز بعض الطلاب الأجانب للترحيل بسبب انتقادهم إسرائيل.
وعلى الرغم من تزايد الهجمات على الطلاب الأمريكيين العرب واليهود، استخدمت رابطة مكافحة التشهير، والجمهوريون في الكونغرس، تعريفاً عدوانياً لمعاداة السامية استخفَّ بمخاوف العرب أو اعتبرها تطرفاً يستحق التجريم. وفي الوقت نفسه أُعطيت الأولوية للمخاوف اليهودية باعتبارها مشروعة وتستحق الدعم والتحرُّك الكامل.
ومن بين هذه المشاهد البارزة: خلال الاحتجاجات الجامعية المبكرة ضد حرب إسرائيل على غزة، التقط التلفزيون الأمريكي مشهداً مُقلقاً للغاية في دلالاته. لقد ظهرت شابة يهودية تحمل علماً إسرائيلياً كبيراً ملفوفاً حول رقبتها كالعباءة، وهي تدخل وسط مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين، وتبعها مراسل وكاميرا، وعلى الرغم من استفزازها المتعمد وتجاهل المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين لها، سُمعت المرأة تقول للمراسل: "أريد فقط أن أشعر بالأمان".
ثم دخل زهران ممداني. إنّه عضو منتخب في المجلس التشريعي لولاية نيويورك، وقد أثار دخوله سباق رئاسة البلدية حماسة الناخبين. وحظيت كاريزميته وبرنامجه الهادف إلى جعل نيويورك أكثر ملاءمةً للعيش وفي متناول الجميع بدعم الناخبين الشباب والطبقة العاملة في المدينة والمهاجرين الجدد والليبراليين. وبعد فوزه الحاسم في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، حشدت النخب المالية والمؤسسة السياسية في نيويورك جهودها لهزيمة ممداني في الانتخابات العامة.
وفي حين تُظهر استطلاعات الرأي أنّه ما يزال متفوقاً بشكل كبير على منافسه الرئيس، أنفق المانحون من المليارديرات عشرات الملايين على إعلانات استخدمت، وللمفارقة، عبارات معادية للمسلمين لتشويه سمعة المرشح ومجتمعه.
وفي حين أنّ هناك العديد من القضايا المطروحة في هذه المنافسة، فإنّ الرواية الإعلامية السائدة هي أنّ انتقاد ممداني لإسرائيل يجعل المدينة غير آمنة لليهود. ويدحض هذا بسهولة أحدث استطلاع رأي للناخبين اليهود، الذي أظهر تعادل ممداني مع أقرب منافسيه، وتقدمه بنسبة اثنين إلى واحد بين اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و45 عاماً.
إنّ دعم ممداني للفلسطينيين، واتفاقه مع جميع منظمات حقوق الإنسان الأمريكية والدولية تقريباً (بما في ذلك المنظمات الإسرائيلية) على أنّ إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، ليس معادياً للسامية.
وينبغي ألّا يُهدّد هذا اليهود. في الواقع يأتي التهديد لليهود من أولئك الذين يساوون زوراً بين جميع اليهود وسلوكيات الحكومة الإسرائيلية المشينة.
المصدر: جيمس زغبي، ذي ناشيونال، 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE_16_2_1_2_7.jpg.webp?itok=z23MusTg)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/1-1699623_0_0_1.jpg.webp?itok=-uocDzy5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%83%D8%A7%D8%AA%20.jpg.webp?itok=ZphtZC9P)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D8%B3%D8%A7_1.jpg.webp?itok=TU8ZrqB7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7_0_1.jpg.webp?itok=MOzjq6o-)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%B1%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D8%A3%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%88%20%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%B1%D8%AA%D8%B3.jpeg.webp?itok=JalEsM_e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A_24_3_2.jpg.webp?itok=zwsdF7DC)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87_7.jpg.webp?itok=ElHFkX9u)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_3.jpg.webp?itok=1JQXVRZ2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9%20%D9%84%D8%AD%D8%B8%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A3%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%20%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%AD%20%D9%85%D9%84%D9%81%20%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%A9%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%B1%D9%81.jpg.webp?itok=W4C8vfw8)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%85.jpg.webp?itok=rOpfP4ap)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%A4%D8%AA%D9%85%D8%B1_12.jpg.webp?itok=IZ6ZBjOJ)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A7%D9%8A.jpg.webp?itok=vDZKlrI8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D9%85%D9%8A.jpg.webp?itok=OIS5SU94)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%B4%D9%8A%D9%83.jpg.webp?itok=guPYxGvp)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_13_1_0.jpg.webp?itok=l5Nvq3_z)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D8%B1%D8%B3%D9%8A.jpg.webp?itok=3W9B1XtB)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84_1_5.jpg.webp?itok=hCdKmnI4)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B1%D8%B4%D8%A71.jpg.webp?itok=kuO7Yy_d)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD_38.jpg.webp?itok=jH4JYkNB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AC%D9%85%D8%B9_13_1_0_2.jpeg.webp?itok=R9lPs42T)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A7%D8%AA_0_1.jpg.webp?itok=PBow1BGf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)
