ملامح الحصار الدولي: أبعاد تصنيف إخوان السودان "منظمة إرهابية" وتداعياته

ملامح الحصار الدولي: أبعاد تصنيف إخوان السودان "منظمة إرهابية" وتداعياته

ملامح الحصار الدولي: أبعاد تصنيف إخوان السودان "منظمة إرهابية" وتداعياته


18/03/2026

 

لم يكن سقوط نظام عمر البشير في نيسان (أبريل) 2019 مجرد تغيير في رأس السلطة، بل كان زلزالاً ضرب أركان تنظيم "الإخوان المسلمين" في السودان، الذي جثم على صدر البلاد ثلاثة عقود تحت مُسمّى "الحركة الإسلامية". 

ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في نيسان (أبريل) 2023، عادت أصابع الاتهام لتشير بقوة إلى "الحرس القديم" من الإسلاميين كوقود لهذا الصراع لاستعادة سلطتهم المفقودة. 

في هذا السياق جاءت التحركات الأمريكية الأخيرة، سواء عبر فرض عقوبات على قيادات تاريخية أو التوجه نحو تصنيف كياناتهم جماعات إرهابية، لتعيد صياغة المشهد. 

السياق التاريخي والسياسي للقرار الأمريكي

لطالما كانت علاقة واشنطن بإسلاميي السودان متوترة، بدأت منذ استضافة الخرطوم لأسامة بن لادن في التسعينيات، ممّا أدى إلى إدراج السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1993.

وتدرك الإدارة الأمريكية أنّ تنظيم الإخوان في السودان لم يكن يوماً حركة دعوية فحسب، بل كان "دولة موازية" تمتلك ميليشيات مسلحة "الدفاع الشعبي" وأجهزة أمنية خاصة.

بالإضافة إلى ذلك، ترى واشنطن أنّ عناصر النظام البائد (الكيزان) لعبوا الدور الأكبر في تقويض الوثيقة الدستورية، وكانوا المحرك الأساسي للاحتجاجات التي سبقت إجراءات 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، وصولاً إلى اتهامهم بإشعال فتيل حرب 15 نيسان (أبريل) لقطع الطريق أمام أيّ تسوية سياسية تعيدهم إلى المحاكمات.

وقبل الوصول إلى تصنيف التنظيم رسمياً منظمة إرهابية أجنبية (FTO)، بدأت واشنطن بفرض عقوبات تحت قانون "ماغنيتسكي" ضد قيادات مثل علي كرتي (الأمين العام للحركة الإسلامية)، وشركات مرتبطة بالتنظيم، ممّا يُعدّ توطئة قانونية للتصنيف الشامل.

الأبعاد القانونية والمالية للتصنيف

تصنيف إخوان السودان منظمة إرهابية من قبل وزارة الخارجية أو الخزانة الأمريكية ليس مجرد "وصمة سياسية"، بل له إجراءات تنفيذية قاسية، وهي:

ـ تجفيف المنابع المالية: يؤدي التصنيف إلى تجميد كافة الأصول والممتلكات التابعة للتنظيم أو واجهاته التجارية في الولايات المتحدة، ومنع أيّ مؤسسة مالية تتعامل بالدولار من التعاون معهم، وهو ما يعني شللاً تاماً لـ "إمبراطورية الكيزان" المالية التي بُنيت عبر عقود من المحسوبية.

ـ الملاحقة الجنائية الدولية: يتيح التصنيف لواشنطن ملاحقة الأفراد المنتمين إلى التنظيم أو الذين يقدمون له "دعماً مادياً" في أيّ مكان في العالم، وهو ما يضيق الخناق على تحركات قيادات الإخوان في العواصم التي ما تزال تستضيفهم.

ـ مبدأ "المسؤولية عن الحرب": واشنطن تربط حالياً بين "الإسلاميين الراديكاليين" وبين استمرار العنف في السودان، ممّا يجعل التصنيف أداة ضغط لوقف إطلاق النار وعزل العناصر التي ترفض الحل السلمي.

التأثير على بنية الدولة السودانية ومستقبل الجيش

يمثل التصنيف الأمريكي تحدياً كبيراً للمؤسسة العسكرية السودانية، نظراً للتداخل التاريخي بين التنظيم والجيش:

ـ فك الارتباط الإجباري: يضع التصنيف قيادة الجيش السوداني أمام خيار صعب؛ فإمّا الاستمرار في التحالف مع "كتائب الظل" الإخوانية والمخاطرة بعقوبات دولية وعزلة شاملة، وإمّا فك الارتباط معهم لضمان استمرارية الاعتراف الدولي بالمؤسسة العسكرية.

ـ إضعاف "كتائب البراء": برزت "كتيبة البراء بن مالك" كذراع عسكرية فاعلة للإخوان تقاتل بجانب الجيش. التصنيف الأمريكي سيحوّل هذه الكتائب إلى أهداف شرعية للمجتمع الدولي، ممّا قد يؤدي إلى انقسامات داخل معسكر "الكرامة".

ـ إعادة تعريف "الشرعية": يسعى الإخوان لتقديم أنفسهم كحماة للدولة، لكنّ الوصم بالإرهاب يسلبهم هذه السردية ويحولهم في نظر القانون الدولي إلى "ميليشيا" لا تختلف عن الجماعات المتطرفة الأخرى في الساحل والصحراء.

الانعكاسات الإقليمية ومحور "الإسلام السياسي"

تتجاوز أبعاد القرار حدود السودان لتلمس التوازنات الإقليمية:

رسالة لمحور التنظيم الدولي: تصنيف فرع السودان -الذي كان يوماً ما الأنجح في الوصول إلى السلطة- يمثل ضربة معنوية كبرى للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ويؤكد فشل مشروع "الإسلام السياسي" في الحكم.

التناغم مع الجوار العربي: يتسق التوجه الأمريكي مع مواقف دول إقليمية كبرى (مصر، السعودية، الإمارات) التي صنفت الإخوان جماعة إرهابية منذ سنوات. هذا التناغم قد يؤدي إلى تشكيل جبهة موحدة لمحاصرة نشاط التنظيم في القارة الأفريقية.

تحجيم الأدوار الخارجية: يحدّ التصنيف من قدرة بعض الأطراف الإقليمية (مثل تركيا أو إيران) على دعم طرف الإخوان في المعادلة السودانية، خوفاً من الصدام مع العقوبات الأمريكية.

السيناريوهات المستقبلية وردود فعل التنظيم

أمام هذا التضييق من واشنطن من المتوقع أن يلجأ إخوان السودان إلى عدة استراتيجيات، ومنها:  

ـ العمل السرّي والتمويه: قد يلجأ التنظيم لتغيير مسمّياته أو حلّ "الحركة الإسلامية" ظاهرياً والاندماج في كيانات وطنية أو جهوية جديدة للهروب من العقوبات.

ـ التصعيد العسكري: قد يرى الجناح المتشدد في التنظيم أنّ "البقاء في الحرب" هو الضمانة الوحيدة لمنع تنفيذ العقوبات، ممّا قد يدفعهم لعرقلة أيّ مفاوضات سلام (مثل مفاوضات جدة أو المنامة).

ـ الارتماء في أحضان المحاور المعادية للغرب: قد يسعى الإخوان لتعزيز تحالفاتهم مع قوى دولية منافسة لواشنطن، محاولين تقديم أنفسهم كحلفاء في مواجهة "الهيمنة الأمريكية".

نحو عقد سياسي جديد

إنّ توجه واشنطن لتصنيف إخوان السودان منظمة إرهابية ليس مجرد إجراء عقابي، بل هو اعتراف دولي بأنّ استقرار السودان مرتبط بالخلاص من إرث الشمولية الدينية. 

ومع ذلك، فإنّ النجاح الحقيقي لهذا التصنيف لا يعتمد فقط على القرارات الأمريكية، بل على قدرة القوى المدنية السودانية على بناء مشروع وطني بديل يستوعب التنوع ويؤسس لدولة قانون بعيداً عن أوهام "التمكين" الإخواني. لقد وضعت واشنطن "الكيزان" في الزاوية الضيقة، وباتت الكرة الآن في ملعب السودانيين لإنهاء حقبة التسييس الديني التي أوردت البلاد موارد الهلاك.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية