مقتدى الصدر... و"سلاح الشّيعة"!

مقتدى الصدر... و"سلاح الشّيعة"!


14/10/2021

محمد قواص

لا بد من التوقف ملياً عند "خطاب النصر" الذي ألقاه مقتدى الصدر، عقب الفوز الذي حققته لوائح تياره (تحالف سائرون) في الانتخابات التشريعية في 10 تشرين الأول (أكتوبر). ولئن لفت انتباه المراقبين رفضه استخدام السلاح خارج نطاق الدولة، حتى لو كان يدّعي أنه سلاح "مقاومة"، فإن في الموقف ما يبعث مجموعة من الرسائل المتعددة الأهداف والمقاصد، وما يكشف الأريحية التي يتمتع بها زعيم التيار الصدري بعد تحقيقه نتائج بدا أنها لم تكن متوقعة، على الأقل بالحجم الذي يجعل ذلك التيار متصدّراً مشهد البرلمان الجديد.

بالمعنى الداخلي، فإن حصرية السلاح بيد الدولة هي من بديهيات "اختراع" مفهوم الدولة، بصفتها القوة الشرعية الوحيدة التي تحتكر العنف (في العراق أو أي بلد آخر في العالم). وينزع سقوط هذا الاحتكار عن الدولة صفتها حاضنةً شرعيةً للبلد وسكانه ومديرةً ومدبّرة لشؤونه. والحال أن العراق، منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، لم يشهد الدولة بمعناها الحقيقي، بل جعل من أمرها عملية تلفيق وتوضيب تجري بين مكوّنات سياسية تنقسم بين حملة السلاح والخائفين منه الخانعين له. وعلى هذا، فإن في "أمر عمليات" الصدر منحى مضاداً للمنطق الذي ساد سرديات قيام نظام ما بعد صدام حسين.

بالمعنى الداخلي أيضاً، فإن مقتدى الصدر قصد في إعلانه سلاحاً معيناً بذاته لا لبس في هويته. فهو لم يكن يتكلم عن سلاح تنظيم "داعش" أو أي جماعات رديفة تندرج ضمن تصنيفات الإرهاب في العراق والمنطقة والعالم. ولم يكن يغمز من قناة سلاح غامض المصدر والمغزى متعدد الطوائف. ولم يكن طبعاً يتحدث عن سلاح الأكراد المعترف به دستورياً جزءاً من تكوين الدفاع والأمن في البلاد.

في خطابه إلى العراق والعراقيين، ذهب الصدر إلى "لبّ الموضوع". وفيما يرى الرجل أن السلاح المتفلّت ينال من هيبة الدولة ومركزية قرارها ويهدد استقرار البلد والمجتمع، فإن في العراق من رأى في الأمر استهدافاً للسلاح الشيعي دون غيره. فإذا ما استعان الصدر بالقوة من خلال "سراياه" في مرحلة حديثة وبالسلاح من خلال "جيش المهدي" في مرحلة سابقة، فإنه مع ذلك لطالما عارض الميليشيات، فحلّ "جيشه" المسلح وألحق بـ"السرايا" اسم "السلام"، ونادى بالتخلي عن لغة التسلّح والميليشيات

في المقابل، فإن في العراق من يرى - ليس فقط داخل الميليشيات والفصائل - أن "سلاح الشيعة" هو مصدر قوة الطائفة وضامنها الأساسي للدفاع عن حضورها ودورها ووظيفتها في دولة ما بعد "البعث" في العراق. وعلى الرغم من سقوط النظام السابق منذ 18 عاماً، فإن "الشيعية السياسية" في العراق ما زالت تستخدم الهلع من "عودة البعث" وسيلة للهيمنة على الجمهور الشيعي وتبرير تسلّح الميليشيات، على نحو يطرح ألف سؤال حول عجز الأحزاب الشيعية عن دعم فكرة الدولة والتمكّن داخلها وتحت سقوفها بديلاً من السلاح.

ينسحب منطق "سلاح الشيعة" في العراق على منطق ساد ويسود حتى الآن داخل خطاب "الشيعية السياسية" في لبنان (وهو يروّج هذه الأيام لدى شيعة الهزارة في أفغانستان). وفي كل الحالات، يرتدي هذا السلاح لبوس "المقاومة" ويتزيّن بفضائلها، فيما يتمّ التلويح بهذا السلاح دوماً واستخدامه أحياناً لفرض هيمنة تدافع عن "محرومية" لا يتجاوزها الزمن ولا تجبّها وقائع الأيام. وعلى هذا، بات "سلاح الشيعة" فقهاً ملتصقاً بالوجود، "فلا زينة للرجل إلا السلاح" كما قال السيد موسى الصدر عام 1974، وإن تباين تفسير المقولة وسياقها. وبالتالي فإن استهداف مقتدى الصدر لـ"سلاح الشيعة" في العراق سلوك لن ترضاه "الشيعية السياسية" في المنطقة جمعاء.

لم يكن الصدر مضطراً من على منبر انتصاره، وقبل أن تتضح الصورة النهائية للبرلمان الجديد وحصص التحالفات الحزبية، أن يلقي حجراً ثقيلاً داخل "البيت الشيعي"، لكنه فعل. تلقت الميليشيات والفصائل الصفعة فردت برفض نتائج الانتخابات والتشكيك بنزاهتها وإلصاق ما صدر عنها بمؤامرة تدخّلت فيها السفارات. وتكمن جسارة الحدث من كون مصدره شيعياً تحمله شخصية تمتلك داخل الجمهور الشيعي وزناً وذاكرة ونفوذاً وتأييداً. ولم يكن لهذا التطور أن يكون مقلقاً لحملة "سلاح الشيعة" لو أتى من جماعات طائفية أو قومية أخرى، أو لو خرج عن واجهات شبابية "تشرينية"، أو حتى عن شخصيات وطنية ما فتئت تدعو الى "استعادة" العراق والذود عن استقلاله. فتلك دعوات لطالما تمّ ردّها والاستخفاف بوقعها والتعامل معها بالأساليب المناسبة، بما فيها القمع والاضطهاد والنفي والاغتيال.

واللافت في دعوة مقتدى الصدر، التي اتخذت لهجة القرار النافذ، أن في الأمر مواجهة للنفوذ الإيراني الذي تمارسه طهران، من خلال رعاية ميليشياتها وإدارة ملفها عبر جنرال إيراني يأتي لتفقد قواته، منذ قاسم سليماني انتهاءً بإسماعيل قاآني. ويطرح الأمر أسئلة حول صدقية موقف الزعيم العراقي الذي، على الرغم من مواقفه المشاغبة المثيرة للجدل، بقي يتحرك داخل ميادين النفوذ الإيراني في التنقل ما بين بغداد وبيروت، كما أن إقامته المتعددة المرات والمراحل داخل إيران نفسها، وأحياناً بناءً على نصائح إيرانية تحذره من مخاطر أمنية تهدد بقاءه في العراق، يجعل من الصدر صديقاً وحليفاً لإيران بإمكان طهران التعامل برشاقة مع تفرّده واختلافه، وما يمثّله من وزن جماهيري لدى الشيعة في العراق.

لن يقبل "سلاح الشيعة" قرارات مقتدى الصدر ووعوده. ولن تقبل إيران ذوبان ميليشياتها واختفاء دويلاتها كرمى لعين الدولة التي يبشّر بها زعيم التيار الصدري. اصطدمت حكومة مصطفى الكاظمي بهذا السلاح، وخسرت في كل مرة جولاتها "حفاظاً على الدم العراقي". لم تصل التحقيقات حول مقتل مئات المنتفضين إلى ما كان "التشرينيون" ينتظرونه. كما أن قتلة الناشطين، وإن سقط بعضهم، غير أن "الدولة" بقيت ساكتة عن الجهات التي تقف وراء جرائمهم عاجزة عن المسّ بها.  ولا شيء تغير كثيراً في العراق والمنطقة يوحي بأن انتصار "سائرون" في الانتخابات الأخيرة كفيل بتمكين الحكومة الجديدة من فعل ما لم تستطعه الحكومات السابقة.

ربما يجب التوقف عند خطاب الصدر بصفته أبجديات سياسية سيجري تأويلها والالتفاف عليها عبر مقاربات سياسية. فالصدر رجل دين، لكنه رجل سياسة يدرك ما هو ممكن ويعرف ما هو مستحيل. ولئن رمى الصدر حجراً ثقيلاً داخل مياه آسنة، فإن الجلبة ستختفي وتغرق داخل جلبة أخرى سيشهدها البلد. خطاب الرجل جاذب للأكراد والسنّة والشيعة - التواقين للتخلص من عبث الميليشيات - و"التشرينيين" والداعين الى قيام الدولة من دون غيرها. ويقيم الخطاب قاعدة لبرنامج عمل ذي واجهة متقدمة للحكومة الجديدة، ويقوي من قواعد "الحكم الصدري" لدى الحلفاء قبل الخصوم. ومع ذلك فلا الصدر يريد ولا الدولة العتيدة قادرة على إزالة "سلاح الشيعة" في العراق، ذلك لأن هذا السلاح (في العراق أو لبنان أو أفغانستان أو اليمن …إلخ) ليس سلاحاً متفلّتاً، بل هو سلاح منضبط، يكرّ ويفرّ، يظهر ويتوارى، وفق مزاج عنوانه الأول والأخير في طهران. أمر يعرفه جيداً مقتدى الصدر.

عن "النهار" العربي

الصفحة الرئيسية