مفتي الإخوان في ليبيا يواصل حملته الدعائية على مؤسسات الدولة

مفتي الإخوان في ليبيا يواصل حملته الدعائية على مؤسسات الدولة

مفتي الإخوان في ليبيا يواصل حملته الدعائية على مؤسسات الدولة


18/10/2025

في تصعيد جديد يُعيد إلى الواجهة طبيعة الصراع بين الإخوان ومؤسسات الدولة الليبية، شنّ الصادق الغرياني، المفتي المعزول الذي يُعرف بارتباطه الوثيق بجماعة الإخوان المسلمين، هجومًا لاذعًا على المحكمة الدستورية العليا، واصفًا إيّاها بمحكمة الضرار، في خطوة عكست مجددًا استخدامه الخطاب الديني كأداة سياسية لتقويض السلطات الرسمية وإثارة الانقسام الداخلي.

هذا الهجوم، الذي جاء عبر قناة (التناصح) التابعة له، لم يكن مجرد انتقاد قانوني أو سياسي؛ بل حمل أبعادًا عقائديةً وتحريضيةً، إذ دعا الغرياني صراحةً إلى إزالة أعلى سلطة قضائية في البلاد، متهمًا إيّاها بأنّها تأسست لخدمة مشروع سياسي محدد. وزعم أنّ المحكمة الدستورية لم تُنشأ إلا من أجل ما سمّاه العبث بمصير ليبيا، في إشارة إلى اتهامات وجهها لقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح بأنّهما يقفان خلف تأسيسها لتسهيل ترشح حفتر للانتخابات الرئاسية.

هجوم مباشر على القضاء والدولة

في خطابه الذي حمل نبرة تصعيدية واضحة، لم يتوقف الغرياني عند مهاجمة المحكمة الدستورية فقط، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل البرلمان الليبي، واصفًا إيّاه بأنّه فاقد للشرعية وأداة في يد جهات استخباراتية أجنبية. وأضاف أنّ وجود المحكمة الدستورية يمثل خطرًا على الدين والوطن، في تكرار لنمطه المعتاد في توظيف المصطلحات الدينية لتأليب الرأي العام ضد مؤسسات الدولة.

وقال الغرياني خلال حديثه: إنّ المحكمة التي أنشأها حفتر وعقيلة صالح يجب إزالتها، ولا يجوز السكوت عنها، واسمها الحقيقي ليس المحكمة الدستورية، بل محكمة الضرار، مثل مسجد الضرار الذي أسسه المنافقون لتفريق صفوف المسلمين. ويكشف هذا الخطاب عن استمرار استخدام الغرياني لرمزية دينية تاريخية في محاولة لإضفاء شرعية على مواقفه السياسية، وهي استراتيجية لطالما لجأ إليها منذ صعود جماعة الإخوان في ليبيا عقب سقوط نظام القذافي.

دعا الغرياني صراحةً إلى إزالة أعلى سلطة قضائية في البلاد، متهمًا إيّاها بأنّها تأسست لخدمة مشروع سياسي محدد. وزعم أنّ المحكمة الدستورية لم تُنشأ إلا من أجل ما سمّاه العبث بمصير ليبيا.

لم تكن تصريحات الغرياني الأخيرة مفاجئة للمراقبين، إذ تأتي في سياق سلسلة طويلة من مواقفه العدائية تجاه مؤسسات الدولة، منذ عزله رسميًا من منصبه كمفتي عام للبلاد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 بقرار من مجلس النواب. ومنذ ذلك الحين تحوّل الغرياني إلى أحد أبرز الأصوات المحسوبة على التيار الإخواني، ومن الأدوات الدعائية التي تعتمدها الجماعة في حملاتها ضد الجيش والبرلمان والحكومة.

خلال السنوات الماضية وجّه الغرياني فتاوى وبيانات متكررة حرض فيها على القتال ضد القوات المسلحة في المنطقة الشرقية، ووصف عملية الكرامة بأنّها عدوان على الإسلام، داعيًا الميليشيات إلى نصرة الدين عبر حمل السلاح. ودعا مرارًا إلى مقاطعة الانتخابات، واعتبر مسارات الحوار السياسي مؤامرة لإقصاء الشريعة، وهو ما جعله في نظر العديد من الليبيين أحد أبرز المساهمين في تأجيج الفوضى وإطالة أمد الصراع الداخلي.

خطاب ديني لخدمة أجندة سياسية

تُظهر لغة الغرياني وتصريحاته المتكررة مدى تغلغل الفكر الإخواني في خطابه الديني، إذ يقوم على ربط الدين بالولاء السياسي. فبينما يدّعي الدفاع عن الشريعة، يتضح من مضمون مواقفه أنّه يوجّه خطابه لخدمة أجندة التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، الذي يرى في ليبيا أحد المراكز الحيوية لمشروعه الإقليمي.

ويرى مراقبون أنّ تصريحات الغرياني الأخيرة ليست سوى حلقة جديدة في استراتيجية تستهدف تقويض مؤسسات الدولة، عبر التشكيك في شرعيتها، وإضعاف ثقة المواطنين بها، تمهيدًا لإعادة إنتاج نفوذ التيار الإسلاموي الذي تراجع بشكل حاد منذ إخفاق التجربة الإخوانية في السلطة. وتؤكد مصادر سياسية ليبية أنّ قناة (التناصح)، التي يديرها الغرياني من الخارج، تمثل منذ سنوات منبرًا رئيسيًا لنشر خطاب الكراهية والانقسام، وتعمل على تغذية الصراع بين الشرق والغرب، خدمةً لمصالح قوى خارجية داعمة للتنظيم.

ومنذ تأسيس المحكمة الدستورية العليا في كانون الأوّل (ديسمبر) 2022، سعت السلطات الليبية إلى جعلها خطوة في مسار إصلاح القضاء وإعادة بناء مؤسسات الدولة. وقد حظيت هذه الخطوة بترحيب من أطراف محلية ودولية اعتبرتها ضمانة لاستقلال القضاء ولضبط العلاقة بين السلطات. إلا أنّ التيار الإسلاموي، وعلى رأسه الغرياني، رأى في إنشاء المحكمة تهديدًا مباشرًا لنفوذه، خاصة أنّها قد تُعيد ترتيب المشهد السياسي بطريقة تُقصيه من مواقع التأثير.

منذ تأسيس المحكمة الدستورية العليا في كانون الأوّل (ديسمبر) 2022، سعت السلطات الليبية إلى جعلها خطوة في مسار إصلاح القضاء وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

ردود الفعل الرسمية على تصريحات الغرياني كانت حذرة، لكنّ عددًا من القانونيين الليبيين أعربوا عن استيائهم من تحريضه المباشر ضد مؤسسة قضائية تمثل إحدى ركائز الدولة. واعتبروا أنّ وصف المحكمة بمحكمة الضرار يشكّل إساءة بالغة، وأنّ خطابه قد يفتح الباب أمام أعمال عنف أو تهديدات تستهدف القضاة والمؤسسات العدلية.

من اللافت أنّ تصريحات الغرياني جاءت بالتزامن مع تصاعد الخلافات داخل معسكر الإسلاميين في ليبيا، خصوصًا بين المكونات التابعة لجماعة الإخوان وحلفائها في الغرب الليبي. فبينما تحاول بعض القيادات التكيّف مع المتغيرات الإقليمية وتقديم خطاب أكثر براغماتية، يصرّ الغرياني على تبنّي لهجة المواجهة الصريحة مع كل مؤسسات الدولة، وهو ما يعكس رغبة في إبقاء الصراع مشتعلاً وعدم السماح بأيّ تقارب سياسي يمكن أن يضعف دور التيار الديني.

ويرى محللون أنّ الغرياني، الذي يعيش خارج البلاد منذ سنوات، يسعى من خلال هذا النوع من التصريحات إلى استعادة حضوره الإعلامي بعد تراجع تأثيره الشعبي، خصوصًا في ظل تزايد الانتقادات من داخل التيار الإسلاموي نفسه، حيث يرى بعض أعضائه أنّ خطابه المتشدد أسهم في عزل الحركة الإسلامية عن المجتمع، وأفقدها القدرة على كسب أيّ تعاطف شعبي.

بين الفتوى والسياسة

تحوّل الغرياني منذ العام 2011 إلى شخصية محورية في المشهد الليبي، مستخدمًا الفتوى كأداة سياسية. فبينما كانت مهمته الأصلية الإفتاء في القضايا الدينية، استخدم موقعه لتمرير مواقف سياسية متطرفة، سواء في تبرير الاغتيالات، أو في دعم الميليشيات المسلحة تحت شعار الجهاد. وقد أدت فتاواه خلال الحرب الأهلية إلى تصاعد أعمال العنف في طرابلس ومصراتة، حيث استندت جماعات مسلحة إلى توجيهاته لتبرير هجماتها ضد الجيش الوطني.

ويجمع مراقبون على أنّ استمرار الغرياني في إصدار هذه التصريحات من الخارج يعود إلى الدعم الإعلامي والسياسي الذي يتلقاه من الدوائر الإخوانية في الخارج، وخاصة من تركيا، التي ما تزال تحتفظ بعلاقات وثيقة مع عدد من رموز الإسلام السياسي في ليبيا. ويُعتقد أنّ الغرياني يمثل واجهة دينية لخطاب التنظيم الدولي، يُستخدم لتأجيج المشاعر الدينية عند كل أزمة سياسية.

رغم حدّة خطاب الغرياني، إلا أنّ تأثيره الفعلي داخل ليبيا تراجع بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، نتيجة الانقسام داخل صفوف الإسلاميين، وتنامي الوعي الشعبي بخطورة الخطاب الديني المسيس. كما أنّ فشل جماعة الإخوان في تحقيق أيّ مكاسب سياسية أو اقتصادية ملموسة منذ 2011 جعل من الصعب على رموزها استعادة ثقة الشارع.

ويرى محللون أنّ خروج الغرياني بهذا الخطاب في التوقيت الحالي يعكس محاولة لإعادة تسويق نفسه كزعيم روحي للتيار الإسلاموي، بعد أن تراجع حضوره لصالح شخصيات سياسية أكثر براغماتية. كما أنّ هجومه على المحكمة الدستورية يُفسَّر في سياق سعيه إلى منع أيّ استحقاق انتخابي قد يُنهي نفوذ الجماعة، خاصة في ظل مؤشرات على قرب التوصل إلى تفاهمات بين القوى المتصارعة برعاية أممية.

وتكشف تصريحات الصادق الغرياني الأخيرة عن استمرار التيار الإخواني في ليبيا في استخدام أدواته الإعلامية والدينية لمهاجمة مؤسسات الدولة، في وقت تحاول فيه البلاد تجاوز حالة الانقسام وبناء سلطة موحدة. ورغم محاولاته المتكررة لاستدعاء الرموز الدينية لتبرير مواقفه، فإنّ خطابه يواجه رفضًا متزايدًا داخل المجتمع الليبي، الذي بدأ يرى في هذه التصريحات محاولة لعرقلة أيّ مسار وطني يمكن أن يُنهي حالة الفوضى المستمرة منذ أكثر من عقد.

وبينما يُصرّ الغرياني على المضي في خطاب التحريض والتشكيك، تبدو مؤسسات الدولة الليبية أكثر تمسّكًا بمسارها القانوني نحو بناء سلطة قضائية مستقلة. وهكذا، يستمر المشهد الليبي في تقديم نموذج واضح لكيفية توظيف الدين في الصراع السياسي، وكيف يمكن لفتوى واحدة من شخصية دينية محسوبة على جماعة الإخوان أن تعيد إشعال الخلافات، حتى في لحظة يُفترض أن تكون مكرّسة لترميم الدولة لا لهدمها.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية