معوَّقو مخيمات النزوح في غزة... الواقع الأكثر قسوةً وألمًا

معوَّقو مخيمات النزوح في غزة... الواقع الأكثر قسوةً وألمًا

معوَّقو مخيمات النزوح في غزة... الواقع الأكثر قسوةً وألمًا


07/08/2025

في داخل خيمته المقامة في حرم الجامعة الإسلامية بمدينة غزة التي دمّر الاحتلال الإسرائيلي مبانيها خلال الحرب المستمرة على قطاع غزة، يجلس الشاب صبحي عطوة (25 عامًا) على كرسيه المتحرك الصدئ الذي فقد إحدى عجلاته أثناء نزوحه من حي الشجاعية شرق غزة.

ولم يكن يعاني عطوة من الإعاقة قبل الحرب، لكنّ صاروخًا سقط بجوار منزله، أفقده ساقه اليسرى، وتركه مشلول الإرادة وسط واقع لا يرحم.

وقد كشفت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية عن تصاعد خطير في أعداد ذوي الإعاقة في قطاع غزة، حيث سجلت أكثر من (32) ألف حالة إعاقة جديدة منذ بدء العدوان الإسرائيلي، ليرتفع بذلك العدد الإجمالي إلى ما يزيد عن (90) ألف شخص، يُشكّل الأطفال والنساء نحو 70% منهم.

وأوضحت الشبكة، في بيان صادر عن قطاع التأهيل، أنّ النسبة ارتفعت بنسبة 55% منذ بداية الحرب.

وأكد البيان أنّ الأشخاص ذوي الإعاقة في غزة يواجهون أوضاعًا إنسانيةً كارثيةً في ظل نقص الأدوات المساعدة، وغياب الرعاية الصحية، والتجويع الممنهج.

الإعاقة وسط النزوح معاناة مضاعفة

يقول عطوة بصوت خافت، وهو يشير إلى ساقه المبتورة التي غطاها ببطانية رثة: "لا دورة مياه مخصصة لنا، ولا طرق ممهدة فهي مليئة بالحفر والركام، كل شيء هنا صعب، حتى الكرسي لا يتحرك على الرمل والحصى".

ويضيف: "المخيم أشبه بالمعتقل، ولا يراعى فيه أيّ معايير إنسانية خاصة بذوي الاعاقة، فلا مكان آمن، ولا ممرات، ولا حتى احترام لحالتي من الناس،  وكل يوم تزداد حالتي النفسية سوءًا".

ويؤكد: "لا أستطيع الخروج من الخيمة إلا إذا حملني أحد أفراد عائلتي، قبل الحرب كنت أعيش في بيت مجهز بممرات للكراسي المتحركة، وبحمام مناسب، أمّا الآن، فأنا أحتاج لمن يحملني كي أصل إلى دورة المياه المؤقتة التي تبعد (50) مترًا عن خيمتي".

ويوضح: "الحرب هذه المرة لم تأخذ قدمي فقط، بل أخذت روحي أيضًا، لا توجد رعاية، ولا خصوصية، ولا حتى كرامة لذوي الإعاقة، وفي هذا الحرّ يموت الإنسان مرة، أمّا نحن، فنموت كل يوم".

ويتابع: "نحن لسنا فقط أرقامًا، نحن بشر، لدينا كرامة ومطالب، لماذا يتم تجاهلنا دائمًا حتى في المصائب؟ لا أطلب طرفًا صناعيًا ولا علاجًا، أريد فقط مكانًا أتمكن فيه من النوم بأمان، ودورة مياه قريبة، ومن يذكر أنني موجود على قيد الحياة".

بنى تحتية منعدمة

أسعد أبو رمضان (43 عامًا)، فلسطيني يعاني من شلل نصفي جراء إصابته بطلق ناري من قبل قناص إسرائيلي استقرّ في النخاع الشوكي خلال حرب عام 2014، لكنّه اليوم عالق في غرفة صغيرة داخل فصل دراسي بمدرسة "حمامة" بحي الشيخ رضوان في غزة، بدون كهرباء أو منفذ مناسب. يقول وهو يجلس على كرسيه المتحرك: "هربت وعائلتي من بيتي في بيت لاهيا شمال قطاع غزة تحت القصف، ولم نأخذ معنا شيئًا، فلا أدوية هنا، ولا أطباء، وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئًا دون مساعدة".

ويضيف أبو رمضان: "يحملني ابني الكبير على كتفيه يوميًا لمسافة (100) متر، وإن لم يكن موجودًا أضطر لمغادرة الفصل زحفًا، حتى أصل إلى بداية الطريق الممهدة للذهاب إلى النقطة الطبية، وإلى أحد مراكز توزيع الطعام، لإحضار وجبة الغذاء لعائلتي على الكرسي المتحرك".

ويوضح: "قبل الحرب كان لديّ نظام رعاية منتظم وأدوية يومية، الآن لا شيء، والمستشفيات خالية من الأدوية، والوضع الصحي بات خطيرًا على المرضى".

ويؤكد أبو رمضان: "المراحيض بعيدة عن الفصل الذي أتواجد بداخله، وأحتاج باستمرار للذهاب إليها كوني مريضًا بالسكري، أحيانًا أبكي لساعات بسبب عدم قدرتي على قضاء حاجتي بكرامة".

ويتابع: "طالبت مرارًا وتكرارًا المسؤولين بالمدرسة بتخصيص دورات مياه لذوي الإعاقة، لكنّ طلباتي لم تجد آذانًا صاغية، والجميع منشغل بالخيام والغذاء، بينما الكرامة لا تدخل ضمن خطة الطوارئ".

ويقول متحسرًا: "أنا معاق، وأحتاج إلى مساعدة دائمة، لكن في النزوح الجميع مشغولون بالنجاة، وليس بخدمتي، لا صوت لي، ولا أحد يقرأ ملاحظاتي، أشعر بأنّني ميت حيّ". 

ويتساءل: "نحن لم نرتكب ذنبًا، ولم نهاجم أحدًا، فلماذا يُحكم علينا أن نعاقب مرتين؟ مرة بإعاقتنا، ومرة بالعجز عن حمايتنا؟".

إعاقة مضاعفة للنساء

نهلة حجازي من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، نزحت من الحي قسرًا إلى خيمة بداخل ميناء غزة البحري، بعد أن أصيبت في قصف إسرائيلي عام 2024 ببتر في قدمها ويدها اليسرى. تقول: "كنت أعيش في شقة مهيّأة قرب مركز صحي، واليوم بتّ محاصرة في الخيمة التي لا أستطيع مغادرتها، لأجد نفسي في خيمة تفتقد لأبسط مقومات الكرامة الإنسانية والخصوصية".

وتضيف حجازي (28 عامًا): "لا أستطيع المشي، ولا يوجد من يدفع الكرسي المتحرك الذي تضرر أثناء النزوح، أشعر بأنّي نفيت داخل وطني، أحتاج مساعدة في الاستحمام وتغيير ملابسي، لا توجد مرافق للنساء، وليس هناك مكان آمن يراعي وضعي، أشعر بالإذلال كل يوم".

وتوضح حجازي: "أصبحت لاجئة مرتين، مرة عام 1948 حين هُجّر والدي من المجدل، ومرة الآن بعد تهجيرنا من بيتنا، لكن في المرة الثانية لا كهرباء، ولا طعام، ولا مياه، ولا حمامات، ولا حتى كرامة".

وتتابع: "في الحروب السابقة كنت أهرب إلى منزل أحد أقاربي في منطقة آمنة، هذه المرة لم أجد أحدًا، أعيش الآن سجينة في خيمة لا أستطيع حتى التحرك داخلها".

وتؤكد: "نحن لسنا أرقامًا، نحن بشر نحتاج إلى احترام وخصوصية، أريد فقط أن أشعر بأنني إنسانة، لم أتلقَّ أيّ مساعدة خاصة بذوي الإعاقة منذ نزوحي، رغم التسجيل في عدة مؤسسات تعنى بذوي الإعاقة".

مراكز إيواء غير مؤهلة

يقول رئيس جمعية "بسمة أمل" لتأهيل المعاقين حركيًا شكري منصور: إنّ "95% من أماكن الإيواء غير صالحة لاستقبال ذوي الإعاقة، فلا ممرات ممهدة، ولا مراحيض مناسبة، ولا أسرّة مخصصة، ولا حتى وسائل نقل آمنة، هؤلاء الأشخاص تحولوا من أصحاب حقوق إلى مجرد عبء".

ويوضح منصور: "معظم الخيام لا تراعي أدنى متطلبات الوصول أو الخصوصية لذوي الإعاقة، ولا توجد أماكن مخصصة للنساء، هذه إهانة للكرامة الإنسانية".

ويتابع: "الأخطر من ذلك أنّ ذوي الإعاقة الذين أصيبوا خلال الحرب يُتركون بدون أيّ دعم نفسي أو تأهيل، ممّا يهدد بتفاقم إعاقتهم وتحولها إلى معاناة دائمة، في حين باتت العائلات عاجزة عن تلبية الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن الخاصة".

ويضف: "الاستجابة الإنسانية تجاه ذوي الإعاقة منخفضة جدًا، لغياب أو ضعف التنسيق بين الجهات العاملة في الإغاثة، وعدم وجود قاعدة بيانات واضحة لذوي الإعاقة ممّا فاقم الأزمة، حيث لم توزع الأدوات المساعدة بشكل عادل، أو لم توزع على الإطلاق".

ويؤكد منصور: "لا بدّ من تدخل دولي عاجل لتوفير الحماية والدعم لذوي الإعاقة في مخيمات النزوح، فهؤلاء ليسوا ضحايا فقط، بل هم شهود على فشل الإنسانية في غزة".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية