معارضون لأردوغان: النظام التركي قطع الحبال الصوتية للمجتمع

تركيا

معارضون لأردوغان: النظام التركي قطع الحبال الصوتية للمجتمع

مشاهدة

09/03/2020

"الاعتقال والتوقيف مرة أخرى سيعني الموت"؛ بهذه الجملة الصعبة والمقتضبة، أفصحت الروائية التركية، أصلي أردوغان، قبل أيام قليلة، عن استبعادها لمسألة العودة إلى وطنها الأم، تركيا، حتى بعد حصولها على حكم البراءة النهائي من القضاء، فيما يتصل بالتهم الموجهة إليها بارتكاب وممارسة "أنشطة إرهابية".

ذئاب أنقرة

في نهاية عام 2016؛ أُفرج عن أردوغان تحت رقابة قضائية، بعد توقيفها وتعرضها للمحاكمة القضائية مع الكاتبة والأديبة التركية، نجمية الباي؛ إذ قضت كلّ منهما نحو أربعة أشهر بالسجن، على خلفية عملهما في صحيفة مؤيدة للأكراد، مما ترتب عليه توجيه تهم الدعاية والترويج للإرهاب، والانتماء لجماعة إرهابية، فضلاً عن ممارسة أنشطة تمسّ الأمن القومي وسلامة الدولة، بيد أنّ القضاء في حيثيات حكمه الأخير طالب بالكفّ عن ملاحقتهما بتهمة "الدعاية الإرهابية".

حالة من الذعر والتوجس تنتاب الصحفيين والكتّاب والحقوقيين في تركيا في ظلّ تنامي وتيرة القبضة الأمنية المتوحشة

حالة من الذعر والتوجس تنتاب عدداً من الصحفيين والكتّاب والحقوقيين في تركيا، ممن يتعرضون لتهم الإرهاب، في ظلّ تنامي وتيرة القبضة الأمنية المتوحشة، منذ فرض حالة الطوارئ، إثر محاولة الانقلاب الفاشل، عام 2016، خاصة أنّ بعض الحالات المفرج عنها تتعرض إلى التوقيف والاعتقال مجدداً، لذلك صرّحت الكاتبة والناشطة الحقوقية، الحاصلة على جائزة "سيمون دي بوفوار"؛ بأنّه في مثل هذه الظروف لن تتمكن من العودة إلى تركيا، "نظراً لخطر السجن الذي يتهدد العاملين بالكتابة"، حسبما توضح.
وتضيف: "بسهولة يمكن للنظام استغلال أحاديثي الإعلامية والصحفية، التي انتقدت فيها الحكومة، لاعتقالي لمدة قد تصل إلى ثلاثة أعوام".

اقرأ أيضاً: محلل سياسي يكشف خطة أردوغان لإخضاع أوروبا

ودانت الروائية التركية النظام في أنقرة، والسلطات التي قامت باعتقال أكثر من 70 ألف طالب، واجهوا "حكماً ديكتاتورياً"، بحسب وصفها، كما استدعت ذاكرة السجن التي عانت تفاصيله ويومياته أثناء فترة احتجازها، حيث اتهمت النظام التركي بـ "قطع الحبال الصوتية للمجتمع التركي من خلال حملات الاعتقال، التي طاولت الصحفيين والأكاديميين والكتّاب والأطباء والناشطين بمجال حقوق الإنسان".

نصف الشعب يشعر بالوحدة والإحباط

ووصفت مشاهداتها خلال فترة الاعتقال التي جاءت في أعقاب عملية الانقلاب، عام 2016: "السجون كانت تفيض بمئات الشباب وغالبيتهم من الجنود؛ إذ كان المشهد مرعباً، بحسب تعبيرها، حيث نفدت الأصفاد من رجال الشرطة، كما تمّ حظر كلّ شيء في السجون، حتى الملصقات والصور، إضافة إلى حظر ومنع الكتب والزيارات، بينما كانت الملابس محدودة، وكانوا يحاولون أن يكون الزيّ موحداً، واليوم؛ ظروف المعتقلين تبدو أسوأ بكثير مما كانت عليه في الماضي، فلا يمكن لهم سوى الحصول على 5 كتب، والوصول إلى المستشفى مرة واحدة كلّ شهرين، إضافة إلى تلقيهم التعذيب والضرب".

اقرأ أيضاً: "لوموند" الفرنسية تطالب أوروبا بتوحيد صفوفها لمواجهة ابتزاز أردوغان
مرة أخرى، وبعد صدور أحكام البراءة من القضاء لمصلحتهم، فإنّ شبح الملاحقة والاعتقال الذي يطارد المدافعين عن حقوق الإنسان، والصحفيين والكتّاب في تركيا، لا يبدو أنه أحد أعراض القمع المتفاقم التي تضغط على أعصاب النخبة، إنما يحدث في الواقع دون مبالغة، كما في حالة عثمان كافالا، الناشط في مجال حقوق الإنسان، والذي صدر بحقّه حكم براءة من محكمة سيليفري، إحدى ضواحي إسطنبول، في 18 من الشهر الجاري، بيد أنّ النيابة العامة في إسطنبول أصدرت، بعدها بساعات قليلة، مذكرة اعتقال أخرى أوقفته واعتقلته مجدداً، رغم الحكم ببراءته والإفراج عنه قضائياً؛ إذ قال القاضي في حيثيات حكمه: "ليست هناك أدلة ملموسة ضدّ المشتبه فيه".

اقرأ أيضاً: إلى أين يقود أردوغان المنطقة؟
ولا يبدو المشهد مختلفاً عن غيره مع نماذج وحالات أخرى، لا تتوانى عن نقد سياسات أردوغان من جانب النخبة السياسية والفنية التركية، ومواجهة نظامه الاستبدادي، وفضح خطابه القومي المتشدّد والإسلاموي؛ إذ تتصاعد موجة هائلة من الاحتجاجات ضدّ ممارساته السياسية التي تصفها الروائية التركية، إليف شافاق، بأنّها "سياسة عدوانية"، كما اتهمت الرئيس التركي بأنّه يعمد إلى استخدام "لغة استقطابية غير محايدة، ويفجر وتيرة العنف في البلاد بهدف اسغلالها لصالحه، كما أنّ سياساته القمعية صنّفت كلّ صاحب رأي وفكر باعتباره عدواً، أشعر بأنني في منفى، حيث إنّ نصف الشعب يشعر بالوحدة والإحباط".

الهوية التركية.. لعبة النظام

وقعت صاحبة "لقيطة إسطنبول" ضحية النزعة القومية الراديكالية والمتشددة لدى نظام أردوغان؛ إذ كانت روايتها، التي حازت شهرة عالمية وترجمت إلى عدة لغات، سبباً في تعرضها للمحاكمة بتهمة "إهانة الهوية التركية" ورفع دعوى قضائية ضدّها، إضافة إلى خروج مظاهرات في ساحات وشوارع تركيا تحمل صورها، فتقوم بدهسها والبصق عليها.
إذ عرجت في الرواية على تورط العثمانيين في قتل نحو أكثر من مليون أرمني، عام 1915، بينما صاغت بلغة فنية مؤثرة وتعبيرات جمالية مشوقة قصة عائلة تركية، عبر أربعة أجيال، فشقت جيوب المجتمع وفتحت سراديب الذاكرة، لتناقش قضايا الهوية والتاريخ، والتعاطي مع كافة التابوهات الدينية والجنسية والسياسية.

اقرأ أيضاً: أردوغان.. السقوط الأخلاقي
الأمر الذي حدا بالروائية إلى أن تعبّر عن هذه التجربة في مقال لها بصحيفة "الغارديان" البريطانية، كتبت فيه: "تركيا أصبحت مثالاً مروعاً على أنّ صندوق الاقتراع في حدّ ذاته لا يكفي للحفاظ على الديمقراطية؛ فإن لم تكن هناك سيادة للقانون وفصل بين السلطات وحريات إعلامية وحريات أكاديمية وحقوق للمرأة في بلد ما، فإنّ الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر أو تظل على قيد الحياة".
وفي ظلّ هذه التجاوزات القانونية المتكررة، أصدرت منظمة العفو الدولية بياناً، قبل أيام قليلة، توضح فيه محنة هؤلاء النشطاء؛ فتركيا أصبحت بلداً يمكن أن تدفع فيه حريتك ثمناً للدفاع عن حريات الآخرين، ويتم فيه تجريم الدفاع عن حقوق الإنسان، وهذا الحكم يعدّ اختباراً قاسياً لنظام العدالة في تركيا الذي نطالبه بوضع حدّ لملحمة الظلم المطولة الآن.

 

ملحمة الظلم
مع نهاية الشهر الماضي، كانون الثاني (يناير)، اجتمع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بغية تقييم وضع حقوق الإنسان في تركيا؛ إذ يقوم المجلس بعمل مراجعة دورية شاملة لأوضاع وحالة حقوق الإنسان في الدول الأعضاء؛ لتعزيز وتحسين حالة حقوق الإنسان فيها من جهة، ومعالجة الانتهاكات، أينما وقعت، من جهة أخرى، وتعد الدورة الأخيرة هي الثالثة من نوعها التي تتمّ فيها مناقشة أوضاع تركيا فيما يتصل بالواقع الحقوقي لديها، بعد أن انعقدت دورتان، بين عامَي 2010 و2015، إثر تنامي مخاوف بشأن الأوضاع المحلية والداخلية، وتردي الوضع الحقوقي ومحاولة ضبطه.

الروائي التركي الحاصل على جائزة نوبل، أورهان باموق، هاجم في أكثر من مناسبة تحركات أردوغان المشبوهة ومواقفه المتناقضة

ومن بين التوصيات التي حملتها المملكة المتحدة، أثناء مشاركتها في جلسة الأمم المتحدة؛ ضرورة إصلاح الجهاز القضائي بتركيا، لجهة حماية الحقوق الأساسية للأفراد، ومن بينها حرية وسائل الإعلام.
ومن جانبها، أكدت الولايات المتحدة في تقريرها؛ أنّ القوانين الخاصة بقضايا مكافحة الإرهاب في تركيا، إضافة إلى عمل القضاء، في ظلّ الوضع السياسي الراهن، يبعث كلّ منهما بتهديدات جمة على حرية الرأي والتعبير، خاصة أنّ الاعتقالات المتعسفة المتواصلة بحقّ الصحفيين والمعارضين للحكومة، سيما الأقليات الدينية، تعكس بوضوح الاتجاه المتردي للملف الحقوقي، كما ألمحت إلى خطاب الكراهية ضدّ الأقليات، بوجه عام، من جانب السلطة ضدّ الأقليات سواء الدينية أو القومية، وكذا المغايرين جنسياً.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تخلي أردوغان عن صفقة اللجوء مع الاتحاد الأوروبي؟
وإلى ذلك، يوضح الصحفي المصري، أحمد حسن؛ أنّ الوضع الحقوقي مؤخراً، في تركيا أمسى مربكاً للغاية، وهناك درجة كبير من القمع والتعسف الشديدين في التعامل مع المعارضة وممثليها في دوائر متفاوتة، سواء الصحفية أو الحقوقية والأكاديمية، إضافة إلى أعراض النزعة الأمنية وقبضتها، التي حين تتفاقم بهذه الصورة، تؤدي بالضرورة إلى التعدي على القانون وتجاوزه، وهو ملمح فساد يتسلل إلى عمل القضاء، الأمر الذي ظهر بوضوح مع حالات كثيرة، جرى الإفراج عنها ثم ملاحقتها مرة أخرى واعتقالها، بيد أنّ ثمة مخالفات أخرى وثقتها جهات حقوقية محلية وأممية، تتعلق بالتعذيب، ومنع وصول الأدوية عن المعتقلين وكذا، الإشراف الطبي عليهم.
ويضيف لـ "حفريات": العديد من الكتاب والفنانين في أنقرة هاجموا السياسات الاستبدادية والعدوانية للرئيس التركي، أردوغان، ومن بينهم، الروائي التركي الحاصل على جائزة نوبل، أورهان باموق، حيث هاجم في أكثر من مناسبة تحركات أردوغان المشبوهة ومواقفه المتناقضة، لا سيما علاقته بتنظيم داعش الإرهابي، خاصة بعد رفض الدخول ضمن قوات التحالف الدولي المشاركة في محاربة التنظيم، ثمّ التورط في محاربة الأكراد، الأمر الذي رآه الأديب العالمي "محاولات للانفراد بالسلطة".

الصفحة الرئيسية