مصالحة مصرية – تركية: ما دمرته الأيديولوجيا يرممه الاقتصاد

مصالحة مصرية – تركية: ما دمرته الأيديولوجيا يرممه الاقتصاد

مصالحة مصرية – تركية: ما دمرته الأيديولوجيا يرممه الاقتصاد


05/02/2026

محمد الصالحين الهوني

المصالحة المصرية – التركية ليست حدثا عاديا في سجل العلاقات الثنائية، بل تمثل انعطافة إستراتيجية في مسار التوازنات الإقليمية. فالعقد الماضي حمل واحداً من أكثر فصول القطيعة والجفاء قسوة بين دولتين مركزيتين في الشرق الأوسط، حيث تداخلت الأبعاد الأيديولوجية مع الحسابات الأمنية لتجعل من العلاقة بين القاهرة وأنقرة ساحة تنافس مفتوح على النفوذ في ليبيا وشرق المتوسط وأفريقيا. ومع ذلك، فإن ما بدا لسنوات صراعاً غير قابل للتسوية، أخذ يتراجع أمام إدراك متبادل بأن استمرار القطيعة يكلّف الطرفين أثماناً باهظة، وأن البراغماتية الاقتصادية قادرة على إعادة صياغة قواعد اللعبة. من هنا، جاءت المصالحة الأخيرة كتعبير عن تحوّل أعمق: انتقال من خطاب الشعارات والاصطفافات الأيديولوجية إلى لغة المصالح العملية، حيث الاقتصاد والأمن البحري والطاقة هي المفردات الجديدة التي تعيد رسم ملامح العلاقة بين الدول.

لقد كان الخلاف بين مصر وتركيا منذ عام 2013 أشبه بجرح مفتوح في جسد المنطقة. أنقرة، التي تبنت خطاباً داعماً لجماعة الإخوان المسلمين، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع القاهرة التي أطاحت بحكم الجماعة وأعادت ترتيب المشهد السياسي الداخلي. هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف ثنائي، بل انعكس على ملفات إقليمية عديدة: من ليبيا حيث دعمت تركيا حكومة طرابلس بينما دعمت مصر قوات الشرق، إلى شرق المتوسط حيث تنافست الدولتان على ترسيم الحدود البحرية وحقوق الغاز، بدا وكأن العلاقة محكومة بالقطيعة، وأن الأيديولوجيا ستظل حاجزاً لا يمكن تجاوزه.

لكن السنوات الأخيرة أظهرت حدود هذا الصراع. تركيا، التي تبنت سياسة “تصفير المشكلات”، أدركت أن عداء مصر يعيق طموحاتها في المتوسط وأفريقيا، ويضعها في مواجهة مع قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها. ومصر، التي اعتمدت دبلوماسية هادئة، رأت أن الانفتاح على أنقرة يمكن أن يعزز موقعها الاقتصادي ويمنحها أوراقاً إضافية في معادلة الاستقرار الإقليمي. هكذا بدأت رحلة المصالحة، بزيارات واتصالات رفيعة المستوى، وصولاً إلى توقيع اتفاقيات تعاون عسكرية وتجارية وصحية واجتماعية، في مشهد يعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين البلدين.

الأخبار الأخيرة عن توقيع اتفاقية عسكرية إطارية، إلى جانب مذكرات تفاهم في مجالات التجارة والاستثمار والصحة والشباب والرياضة، أحداث لا يمكن أن تمر دون التوقف عندها، إنها إعلان عن ولادة تحالف تكتيكي قادر على إعادة صياغة موازين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط؛ التعاون العسكري يفتح الباب أمام تنسيق أمني في البحر، بينما الاتفاقيات الاقتصادية تمهد الطريق لرفع حجم التبادل التجاري إلى 15 مليار دولار، كما صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. هذه الأرقام ليست مجرد وعود، بل تعكس واقعاً جديدا متسارعاً، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 8.8 مليارات دولار في عام 2024، مع نمو متواصل في الصادرات والواردات.

هذه ليست مجرد تفاصيل رقمية، بل لغة جديدة للمصالحة. فبعد أن دمرت الأيديولوجيا جسور الثقة، جاء الاقتصاد ليعيد بناءها. أنقرة ترى في القاهرة أكبر شريك تجاري لها في أفريقيا، ومصر ترى في تركيا بوابة إلى أسواق جديدة واستثمارات ضخمة. هذا التلاقي البراغماتي يفتح آفاقاً واسعة للتعاون في مجالات النقل البحري والطاقة والأمن البحري، ويمنح البلدين فرصة لتجاوز خلافات الماضي.

لكن البعد الاقتصادي لا يمكن فصله عن البعد الجيوسياسي. فالتعاون العسكري والتجاري يعكس إدراكاً مشتركاً بأن المنطقة لم تعد تحتمل المزيد من الانقسامات. شرق المتوسط، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والنقل، يحتاج إلى تفاهمات بين القوى الكبرى. وأفريقيا، حيث تتنافس تركيا ومصر على النفوذ، يمكن أن تتحول إلى ساحة تعاون بدلاً من ساحة صراع. المصالحة المصرية – التركية، بهذا المعنى، ليست مجرد تسوية ثنائية، بل جزء من إعادة ترتيب أوسع للتحالفات في المنطقة، حيث تتراجع الأيديولوجيا لصالح البراغماتية الاقتصادية.

اللافت أن هذه المصالحة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة إدراك متبادل بأن استمرار القطيعة مكلف. تركيا، التي واجهت تحديات اقتصادية داخلية وضغوطاً خارجية، رأت أن تحسين العلاقة مع مصر يفتح لها أبواباً جديدة في أفريقيا والشرق الأوسط. ومصر، التي تسعى إلى تعزيز موقعها كمركز إقليمي، وجدت أن التعاون مع أنقرة يمنحها أوراقاً إضافية في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية. هكذا تحولت العلاقة من صراع أيديولوجي إلى شراكة براغماتية، الاقتصاد فيها هو المحرك الأساسي.

لكن السؤال الأهم هو: هل تكفي المصالح الاقتصادية لتجاوز الخلافات العميقة؟ المصالحة المصرية – التركية تبدو حتى الآن براغماتية، لكنها تحتاج إلى ترسيخ سياسي واجتماعي. فالماضي لا يزول بسهولة، والذاكرة السياسية لا تُمحى بمجرد توقيع اتفاقيات. ومع ذلك، فإن لغة المصالح تظل أقوى من لغة الشعارات، والاقتصاد قادر على ترميم ما دمرته الأيديولوجيا.

في هذا السياق، يمكن القول إن المصالحة المصرية – التركية تعكس تحولات أوسع في المنطقة. فالدول لم تعد قادرة على تحمل كلفة الصراعات الأيديولوجية، وهي تبحث عن حلول براغماتية تضمن لها الاستقرار والنمو. الاقتصاد أصبح لغة السياسة الجديدة، والتحالفات تُبنى على أساس المصالح المشتركة لا على أساس الشعارات، وهذا ما يجعل المصالحة بين القاهرة وأنقرة نموذجاً يمكن أن يتكرر في علاقات أخرى داخل المنطقة.

إن توقيع الاتفاقية العسكرية الإطارية، إلى جانب الاتفاقيات التجارية والصحية والاجتماعية، يعكس إدراكا مشتركا بأن المستقبل لا يُبنى بالخلافات، بل بالتعاون. فالمصالح الاقتصادية قادرة على تجاوز الخلافات الأيديولوجية، والتحالفات البراغماتية قادرة على إعادة صياغة موازين القوى. في شرق المتوسط، لم يعد الوقت يسمح بالخلافات القديمة؛ فالمستقبل يُكتب بلغة المصالح، لا بلغة الشعارات.

المصالحة المصرية – التركية، بهذا المعنى، ليست مجرد حدث ثنائي، بل مؤشر على أن دول المنطقة تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات. إنها إعلان عن نهاية مرحلة الأيديولوجيا وبداية مرحلة الاقتصاد. وما دمرته الأيديولوجيا يمكن أن يرممه الاقتصاد، إذا وُجدت الإرادة السياسية والبراغماتية الكافية.

العرب




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار


آخر التقارير

الصفحة الرئيسية