مرشد أعلى بلا مؤهلات: هل يطوي تعيين مجتبى خامنئي صفحة الولي الفقيه؟

مرشد أعلى بلا مؤهلات: هل يطوي تعيين مجتبى خامنئي صفحة الولي الفقيه؟

مرشد أعلى بلا مؤهلات: هل يطوي تعيين مجتبى خامنئي صفحة الولي الفقيه؟


15/04/2026

 

في آذار/مارس 2026، ومع تبعات الحرب الخارجية وتدمير البنى التحتية للنظام، طُويت صفحة علي خامنئي. وفي هذه الظروف قام من تبقى من أركان النظام في مشهد تجاوز حدود الكوميديا والتراجيديا بفرض مجتبى خامنئي "وليّاً فقيهاً". وإذا كان علي خامنئي قد وُصف بأنّه "مجتهد متجزّئ"، فإنّ ابنه مجتبى، والحديث للقيادي في المقاومة الإيرانية داعي الإسلام، ليس سوى "طالب علم" بسيط لا يمتلك حتى الحد الأدنى الأوّلي لادعاء الفقه والعلوم الدينية الشرعية. ويقول إنّ ملالي السلطة أنفسهم يتداولون ذلك في مجالسهم بسخرية، إذ لا يوجد أيّ مؤلف علمي أو رسالة فقهية موثوقة تُثبت أنّه درس فعلياً على نحو يُعطيه أدنى مؤهل فقهي.

تعديل نظرية الولي الفقيه

جرى تقديم خامنئي سريعاً بوصفه خليفة خميني و"الولي الفقيه" الجديد، لأنّ ملالي السلطة كانوا قلقين من الفراغ الذي أحدثته وفاة خميني، ومن وجود قوات مجاهدي خلق المتمركزة آنذاك على الحدود العراقية الإيرانية. وقد تم هذا التعيين رغم أنّ خامنئي كان ملاّ متوسط المرتبة ولا يستوفي معايير المنصب. 

في تلك اللحظة التاريخية، يقول حسين داعي الإسلام، أحد أبرز شخصيات المقاومة الإيرانية، في حديثه لـ (حفريات): إنّ مجلس خبراء النظام اضطر لكي يُلبس خامنئي عباءة الولاية إلى تعديل النظرية وتخفيض سقفها. وجرى الترويج لمفهوم "المجتهد المتجزّئ"، أي من لا يمتلك اجتهاداً كاملاً، لكنّه يستطيع إصدار فتوى إذا تمّت الاستشارة في بعض الموارد. وهكذا ابتعد النظام للمرة الثانية عن نظريته الأصلية؛ فالعباءة التي قيل إنّها لا تليق إلا بأعلم الفقهاء، جرى تفصيلها بالإكراه والتزوير على قياس ملّا متوسط اسمه علي خامنئي".

وبهذا التعيين، يكون النظام قد ابتعد ثلاث مرات كاملة عن نظرية "ولاية الفقيه" الأصلية. فالمسافة بين طرح الخميني الأول (حكم مجتهد جامع الشرائط) وبين توريث المنصب لمجتبى خامنئي، هي "المسافة بين الأرض والسماء"، كما يشير داعي الإسلام، ويؤكد أنّ "ولاية الفقيه" لم تكن منذ اليوم الأول سوى غطاء خداعي للدكتاتورية وشهوة السلطة.

ويختم بالقول إنّ نظام ولاية الفقيه، مع مقتل علي خامنئي والتنصيب "المضحك" لابنه، بلغ نهاية الطريق. فـ "عصر الملالي انتهى"، وكما أعلنت مريم رجوي الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية فإنّ "الحكومة المؤقتة" وفق برنامجها ذي البنود العشرة جاهزة لنقل السيادة خلال المرحلة الانتقالية إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب الإيراني. ويضيف أنّ البديل الحقيقي لا يأتي من "مسرحيات" مجلس الخبراء، ولا عبر حرب خارجية، بل عبر انتفاضة الشعب الإيراني وقوة المقاومة المنظمة على الأرض. بهذا وحده، كما يقول، "سيُسدل الستار على ولاية الفقيه بوصفها ديكتاتورية دموية ومحبة للحروب، لتحلّ محلها جمهورية ديمقراطية تجلب الحرية والعدالة للإيرانيين، وتفتح باب السلام والصداقة والتعايش لشعوب المنطقة."

خطر وجودي

يتفق والرأي ذاته الباحث المختص بالشأن الإيراني الدكتور محمود أبو القاسم، الذي يقول إنّه في ظل تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، تدخل طهران واحدة من أخطر مراحلها منذ قيام النظام، إذ تواجه قوة دولية شكلت لعقود ملامح النظام العالمي وأثّرت بعمق في توازناته. 

هذا الاشتباك لا يهدد فقط الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، بل يضع وحدة الدولة وسيادتها أمام اختبار غير مسبوق. وفي هذا السياق يمكن فهم ما نُقل عن توجهات المرشد الراحل نحو منح دور واسع لعلي لاريجاني، بوصفه امتداداً لنهج "المرونة البطولية" الذي اعتمدته القيادة الإيرانية في إدارة الأزمات الكبرى. غير أنّ غياب هذا الخيار، بالتوازي مع التمدد المتسارع للحرس الثوري وهيمنته على مراكز القرار، يفتح الباب أمام مسارات شديدة التعقيد لمستقبل النظام، وفق الباحث المختص بالشأن الإيراني محمود أبو القاسم في حديثه لـ (حفريات).

ويقول: "يرجح هذا المسار انتقال مركز الثقل داخل النظام بشكل شبه كامل إلى الحرس الثوري، مع احتفاظ منصب المرشد بوظيفته الرمزية كغطاء شرعي. وتدعم هذا الاحتمال مؤشرات عدة؛ أبرزها دور الحرس في التأثير على ترتيبات الخلافة، وصعود شخصيات تدين له بالولاء إلى مواقع القرار. وتمنح ظروف الحرب بيئة مواتية لتكريس هذه الهيمنة، حيث تتراجع المعارضة لصالح خطاب التماسك الوطني، ويُعاد تعريف الشرعية السياسية بوصفها القدرة على إدارة الخطر الوجودي".

وهناك سيناريو يتمثل في "أن يسعى الحرس الثوري إلى الحفاظ على البنية القائمة دون القفز إلى الواجهة بشكل مباشر، إدراكاً لكلفة ذلك داخلياً وخارجياً. وقد يدفع هذا التوجه نحو إعادة تفعيل المسار السياسي، عبر الاستعانة بوجوه تفاوضية قادرة على تخفيف الضغوط الدولية والتوصل إلى تسويات، بما يسمح بإعادة تدوير الشرعية تحت مظلة ولاية الفقيه". 

كما أنّ إنهاء الحرب أو تخفيف حدتها قد يتيح للنظام استعادة توازنه، خاصة إذا نجح في تسويق أيّ تسوية باعتبارها إنجازاً سيادياً يعزز روايته الإيديولوجية.

تفكيك البنية السياسية

وبحسب أبو القاسم "يفترض هذا المسار استمرار الضغوط العسكرية وتصاعدها، بما يؤدي إلى إضعاف أو تفكيك البنية السياسية التقليدية، سواء عبر استهداف القيادات أو تعميق فراغ السلطة. في هذه الحالة قد يتخلى الحرس الثوري عن موقعه الخلفي، ويتقدم لإدارة الدولة بشكل مباشر، مستنداً إلى احتكاره أدوات القوة وقدرته على فرض الاستقرار. ويزداد هذا الاحتمال مع تراجع الوزن السياسي للتيارات المدنية والإصلاحية، وغياب شخصيات قادرة على إعادة ضبط التوازن داخل النظام".

أمّا السيناريو الأكثر خطورة، والحديث للباحث المختص في الشأن الإيراني، فيرتبط بإطالة أمد المواجهة وتحوّلها إلى استنزاف شامل، بما يقود إلى تآكل مؤسسات الدولة وانهيار تماسكها الداخلي. في هذا الوضع، قد يجد الحرس نفسه قوة منظمة لكنّها مشتتة، تواجه تحديات داخلية مُركّبة، من اضطرابات اجتماعية إلى نزعات انفصالية وصراعات محلية. وقد تنزلق البلاد إلى نماذج أقرب إلى الدول المتفككة، حيث تتعدد مراكز القوة وتتراجع سلطة المركز.

ويختتم أبو القاسم حديثه قائلاً: "صحيح أنّ الحرس الثوري كان تاريخياً لاعباً محورياً في المشهد العسكري، إلا أنّ التطورات الأخيرة تشير إلى تحوله إلى الفاعل الأكثر تأثيراً في صياغة القرار السياسي. ويعود ذلك إلى فراغات السلطة الناتجة عن استهداف القيادات، وقدرته على ملئها بعناصر موالية، إضافة إلى تراجع أدوار التيارات السياسية التقليدية. وبينما تبدو كفة الحرس راجحة في المدى القريب، فإنّ شكل هيمنته ومستواها يظلان رهناً بمآلات المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها: فإمّا إعادة إنتاج النظام بصيغة معدّلة، وإمّا انتقاله إلى حكم عسكري صريح، أو الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر اضطراباً قد تطال بنية الدولة نفسها".




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية