محللون وخبراء لـ"حفريات": هذه مخاوف أمريكا من تغيير النظام العالمي

محللون وخبراء لـ"حفريات": هذه مخاوف أمريكا من تغيير النظام العالمي


31/05/2022

رسم محللون وخبراء في تصريحات منفصلة لـ"حفريات"، ملامح الخوف الأمريكي من تغيير قواعد النظام العالمي والانشقاق الذي يتجلى في أكثر من منطقة من خرائط الصراع الدولي.

يأتي ذلك، فيما تزال الحرب الروسية الأوكرانية تفرض جملة من المؤثرات السياسية والتحولات المختلفة، وخرائط الحرب تعكس ما هو أبعد من مجرد صراع محتدم بين موسكو وكييف، والذي يبدو مفتوحاً على سيناريوهات ومآلات صعبة، وفيما يبدو أنّ الأزمة العالمية غير المسبوقة منذ نهايات الحرب الباردة، تضع قمة العالم أمام رهانات جديدة ومغايرة حول مستقبل القوة (الهيمنة)، وحدود الصراع، وشكل التنافس في المستقبل، الأمر الذي سوف يهز البنية العالمية التي تشكلت مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

الصراع على قيادة العالم

واللافت أنّ الولايات المتحدة، التي تقدم دعماً هائلاً لأوكرانيا في مواجهة روسيا، بلغ نحو 40 مليار دولار، فضلاً عن 18.4 مليار دولار أخرى من مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، تضع موسكو (والصين) في قمة أولوياتها باعتبارها تمثل تهديداً مباشراً، حسبما أوضحت وثيقة الأمن القومي الأمريكي، التي نشرها البيت الأبيض في غضون 45 يوماً من وصول الرئيس جو بايدن للحكم.

ومؤخراً تكاد مضامين التصريحات الأمريكية الرسمية، واتجاهاتها السياسية والإستراتيجية، لا تختلف، عمّا ورد في الوثيقة التي تبرز توجهات واشنطن تجاه الملفات الحيوية في العالم. وبينما ذكرت الوثيقة أنّ "النظام الديمقراطي في العالم، خاصة في الولايات المتحدة، تحت الحصار"، وأنّ "الولايات المتحدة يجب أن تشكّل مستقبل النظام الدولي، وهذه المهمة ملحّة"، فإنّ رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، مارك ميلي، قال: "روسيا والصين تحاولان تغيير النظام في العالم القائم على القانون".

هذه التغييرات لها عواقب جمّة على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية

وفي النصف الثاني من الشهر الحالي أيار (مايو)، أوضح ميلي أنّ أيّة "حرب مقبلة ستكون أكثر تعقيداً وبتقنيات متطورة جداً"، لافتاً إلى أنّ هناك "تحديات كبيرة في أوروبا وآسيا وفي مناطق أخرى من العالم".

حروب مختلفة

وعرج رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة على التحديات العسكرية والاقتصادية التي تواجهها واشنطن، منذ تفكّك وانهيار الاتحاد السوفييتي، كما ألمح إلى أنّ الجيش الأمريكي هو الأقوى على مدار سبعة عقود، وشدّد على ضرورة "صدّ الهجوم الروسي (على أوكرانيا)"

 وقال ميلي إنّ الحروب في المستقبل "ستكون شديدة التعقيد، مع وجود أعداء مراوغين ومعارك مدن تتطلب أسلحة دقيقة وتقنيات جديدة متطورة جداً".

بالتزامن مع تصريحات رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، انعقدت في موسكو قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي، والتي ضمّت بيلاروسيا وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان

إذاً، فتحت الحرب الروسية على أوكرانيا باب التحليلات، بخصوص المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى، على مصراعيه، خاصة مع تغير فكرة الحرب التقليدية العسكرية، حسبما يوضح الباحث والمحلل السياسي، زياد سنكري، المقيم في واشنطن، لافتاً في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ الجديد في تصريحات ميلي هو "عرض تصور الجيش الأمريكي للمخاطر المقبلة على العلن، وقد عرض مقاربة الولايات المتحدة العسكرية التي كانت لسنوات تناقش خلف الأبواب المغلقة؛ فالرئيس بايدن بدأ ولايته بوضع إستراتيجية واضحة لمواجهة الصين، التي يعدّها الخطر الإستراتيجي الأول للولايات المتحدة، اقتصادياً وعسكرياً، لكنّ الحرب في أوكرانيا قلبت المعادلة وتسبّبت في تشتيت أنظار إدارة بايدن عن الملف الصيني".

والبعض في الإدارة الأمريكية يرى أنّ الصين تضع تايوان نصب أعينها، وتراقب ردّ الفعل الغربي تجاه الغزو الروسي لأوكرانيا، حيث أدركت بكين أنّ الدول الغربية نجحت في "كسر هيبة" ومخطط الرئيس الروسي، وفق سنكري.

ويردف: "الخشية الكبرى هي في سرعة وتيرة تطور الأسلحة بشكل يجعل أيّ احتكاك مباشر أشبه بالكارثة، حتى أنّ هناك نمطاً جديداً من الحروب؛ كالحرب الإلكترونية التي أثبتت فعاليتها، وحروب الأوبئة، وقد أعاد الرئيس بايدن قسم مكافحة الحروب البيولوجية والأوبئة في مكتب الأمن القومي لوضع خطط للردع، خاصة في ظلّ الغموض الذي يحيط بملف فيروس كورونا".

انقلاب

كلّ المؤشرات تذهب إلى أنّ المستقبل القريب "قاتم، وأنّ التحالف العلني بين روسيا والصين يشكل خطراً وعامل عدم استقرار. ومن هنا؛ نرى أهمية تعزيز الولايات المتحدة لجبهة الناتو والحلفاء الغربيين. كما أنّ هناك إجماعاً بأنّ الصدام مع الصين هو أمر حتمي، وأنّ ما جرى من كسر هيبة روسيا في أوكرانيا ليس من السهل تكراره مع التنين الصيني"، يقول سنكري.

ويؤكد الباحث والمحلل السياسي أنّ ما يجري، في الوقت الراهن، هو نوع من الانقلاب على النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، بالتالي، الثمن الذي ستدفعه روسيا سيكون مثالاً أمام أيّة محاولة مماثلة لزعزعة هذا النظام أو حدوث تغيير جيوإستراتيجي.

الباحث الروسي ديمتر بريجع لـ "حفريات": العالم على أبواب حرب كبيرة، وأنّ واشنطن سوف تعمد إلى تصعيد لهجتها السياسية، الأمر الذي ستكون له تداعيات اقتصادية كارثية

لكنّ الباحث الروسي في جامعة الصداقة بين الشعوب في موسكو، ديميتري بريجع، يرى أنّ حديث ميلي يتفق والسياسات الخارجية الأمريكية في ظل إدارة بايدن التي اتجهت نحو المزيد من التصعيد ضدّ روسيا، الأمر الذي كان واضحاً منذ استلام بايدن السلطة وتصريحاته التي ألمحت إلى أنّ العالم على أبواب حروب كبيرة بين روسيا والصين، من جهة، والتحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة، من جهة أخرى.

ويشير بريجع، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ هذه الحروب لن تكون مباشرة، بل حروباً بالوكالة، كما هو الحال في أوكرانيا وسوريا.

ويؤكد الباحث الروسي أنّ الصين، في العقل السياسي الأمريكي، ستظلّ تهدّد انفراد أمريكا وهيمنتها على العالم، بالتالي، ستحاول واشنطن أن "توقف التطور الاقتصادي لبكين كما تفعل، الآن، مع روسيا بواسطة العقوبات". 

نحو عالم متعدد الأقطاب

وبسؤال الباحث الروسي عن انعكاسات تصريحات ميلي على الصراع الجيوسياسي بين واشنطن وموسكو وبكين، يجيب: "المؤشر الوحيد الذي يمكن أن نفهمه هو أنّ العالم على أبواب حرب كبيرة، وأنّ واشنطن سوف تعمد إلى تصعيد لهجتها السياسية، الأمر الذي ستكون له تداعيات اقتصادية كارثية.

وأعتقد أنّ وتيرة الصراعات (الحروب) سوف تتزايد، وربما نشهد نظاماً عالمياً متعدد الأقطاب، وهذا ما تريده، الآن، روسيا والصين وتركيا وغيرها من الدول، التي ترى أنّ النظام الحالي ليس في مصلحتها".

ويتابع: "هذه التغييرات لها عواقب جمّة على الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية؛ فالنظام الاقتصادي الدولي قد يتغير، كما حدث بين عامي 2007 و2008. وتأتي خطورة الأزمة العالمية الراهنة كونها مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي الذي يؤثر، بشكل واضح، في حركة الاقتصاد العالمي؛ فهو الاقتصاد الأكبر في العالم بحجم يبلغ (14) تريليون دولار, وتشكّل التجارة فيه أكثر من (10%) من إجمالي التجارة العالمية، بالإضافة إلى أنّ الدولار الأمريكي يشكّل ما لا يقل عن (60%) من السيولة الدولية".

ديميتري بريجع: الصين في العقل السياسي الأمريكي ستظلّ تهدّد انفراد أمريكا وهيمنتها على العالم

وبالتزامن مع تصريحات رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، انعقدت في موسكو قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي، والتي ضمّت بيلاروسيا وأرمينيا وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان، الأمر الذي يحمل دلالات عديدة، تحديداً على مستوى التوقيت؛ حيث إنّ "القمة تأتي بعد مرور 30 عاماً على توقيع معاهدة الأمن الجماعي، عام 1992، ولم تكن قد مضت حينها إلا شهور قليلة على تفكك الاتحاد السوفييتي. وكانت لافتة الإشارات الكثيرة من قبل قادة دول المنظمة في قمتهم الأخيرة إلى ذلك باستخدام مصطلح الفضاء السوفييتي السابق. كما أنّ القمة تأتي بعد مرور 20 عاماً على تحوّل معاهدة الأمن الجماعي إلى منظمة تطورت هياكلها عبر عقدين من الزمن"، حسبما يشير السيد صدقي عابدين، في تحليل بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة.

وإلى ذلك، يقول الدكتور مايكل مورغان، الباحث السياسى بمركز لندن للدراسات السياسية؛ إنّ الساحة العالمية، في الآونة الأخيرة، خاصة بعد اندلاع الحرب العسكرية غير المباشرة بين روسيا من جانب، والغرب والولايات المتحدة من جانب آخر، تشهد اهتزاز النظام الدولي، الذي تمّ إقراره بعد الحرب العالمية الثانية، والذي منح واشنطن الهيمنة الكاملة.

لكن منذ تفشي الفيروس التاجي، نجد أنّ الصين بدأت في اتّخاذ خطوات ملموسة على الأرض بهدف تصدر المشهد العالمي، خاصة بعد أن اكتشف العالم أنّ نسبة الاعتماد على بكين اقتصادياً أصبحت كبيرة جداً، وفق مورغان في حديثه لـ "حفريات"، الأمر الذي يتوّج محاولات الصين الخفية، على مدى العشرين عاماً الماضية، لكسر هيمنة واشنطن وسيطرتها اقتصادياً وإستراتيجياً على العالم.

ويرى الباحث السياسي بمركز لندن للدراسات السياسية، أنّ هناك تصعيداً، غير مسبوق، في أساليب الحرب، واستخداماً، أو بالأحرى تلويحاً باستخدام أسلحة نووية في العمليات العسكرية، كما هدّد بوتين، مع الوضع في الاعتبار أنّ البيت الأبيض، منذ عامين، احتفل بمرور عام على تدشين وحدة الدفاع الفضائي، بينما تمّ إطلاق لقب (guardians)، أو "الحراس" على أفراد الجيش الأمريكي العاملين في الفضاء، ما ينذر بتطوير آليات الحرب التي ستشمل الأقمار الصناعية، ومراكب الفضاء في الرقابة والدفاع عن الأراضي الأمريكية.

مواضيع ذات صلة:

روسيا تشهر سلاحها في وجه الغرب... هل تخرج "حرب الغاز" عن السيطرة؟

ما خيارات روسيا إذا انضمت السويد وفنلندا إلى الناتو؟

هل تدفع إسرائيل ثمن انحيازها ضد روسيا وأين سيكون رد بوتين؟



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا
الصفحة الرئيسية