محاكمة الأزهر للشيخ علي عبدالرازق.. كيف تمّت؟

مصر

محاكمة الأزهر للشيخ علي عبدالرازق.. كيف تمّت؟

مشاهدة

21/10/2018

لم يتوقع القاضي علي عبدالرازق وهو يدفع العام 1925 بكتابه "الإسلام وأصول الحكم" إلى المطبعة، أن يتحول الطرح الذي قدّمه سريعاً إلى قضية رأي عام، وإلى معركة يقودها كبار العلماء، يكون الملك فؤاد الأول في صفّ أحد أطرافها، ويُتَّهَمُ فيها عبدالرازق بدينه، وتنتهي بفصله من وظيفته.

السجال الفكري في ذروته

بعدما أتمّ دراسته الشرعية في الأزهر وحصّل رتبة وشهادة "العالمِيّة"، اتجه الشيخ علي عبدالرازق لإكمال دراسته العُليا في جامعة أوكسفورد بإنجلترا، في تخصص القانون، وكان ذلك برغبة ومساعدة من والده، الذي كان من كبار الإقطاعيين في قرية "أبو جرج" بالصعيد.

اقرأ أيضاً: التكفير جزء من بنية الفكر الديني

حصل عبدالرازق على الشهادة الجامعية وعاد إلى مصر ليتم تنصيبه قاضياً شرعياً، ولكنه لم ينكفئ على مهنته، وإنما كان منخرطاً في السياسة، وفي حركة السجال الدائرة آنذاك في مصر، التي كانت متصاعدة وقد بلغت أوجها، خصوصاً في المرحلة التي تلت ثورة 1919، فكان المثقفون والأدباء مختلفين حول مختلف القضايا، من السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، إلى الهوية، والحداثة، والتقليد. وكانت المعارك والسجالات الفكرية تدور على صفحات الصحف، والكتب، والمجلات بين أنصار التيارات المختلفة.

عمل عبدالرازق قاضياً شرعياً بعد عودته من إنجلترا

وكان علي عبدالرازق عضواً في حزب "الأحرار الدستوريين"، الذي تأسس العام 1922، وتبنى الفكر الليبرالي، وهذا الحزب وريث حزب "الأمة"، الذي تأسس العام 1907، وكان من أبرز قادته ومفكريه أحمد لطفي السيد، وقاسم أمين، ثم طه حسين، وهم جميعاً يمثلون المدرسة الفكرية المنحازة إلى المدنية، والوطنية، والحداثة، والليبرالية.

من أحد اجتماعات حزب الأحرار الدستوريين

الأطروحة وسياقها

في هذا المناخ، أصدر عبد الرازق كتابه المثير للجدل "الإسلام وأصول الحكم" العام 1925، والذي تلخّصت أطروحته باعتبار نظام "الخلافة" شكلاً تاريخياً دنيوياً، وليس نظاماً ملزماً من صميم الدين، وأنه مجرد اجتهاد من قبل الصحابة لجأوا إليه ليحافظوا على تماسك الجماعة المسلمة بعد وفاة النبي، عليه السلام. وبأنّ الإسلام جاء بالأساس كرسالة روحية أخلاقية، وهو ما أسماه بـ "روحانية الإسلام"، لا تحديد فيها لشكل الدولة والنظام السياسي، وإنّما المهم هو تحقيق المقاصد العليا للدين.

كانت لأطروحة عبدالرازق صدمة في أوساط العلماء والمشايخ، فلم يسبق أن قال أحد من أئمة الدين بمثل ما ذهب إليه

ولكن تاريخ صدور الكتاب، سرعان ما أكسبه أبعاداً أخرى بعيدة عن حدود الدين والفكر والثقافة، فقبل ذلك بسنتين كان "أتاتورك" قد أعلن عن ولادة الجمهورية التركية الحديثة، وفي العام التالي، العام 1924، جاء قرار إلغاء منصب الخلافة، وبعد هذا الإعلان بادر عدد من ملوك العرب لتقلّد منصب الخلافة، كالملك فؤاد في مصر، والشريف حسين بن علي في الحجاز، ومن قبل ذلك كان آل سعود قد أعلنوا الخلافة أيضاً.

اقرأ أيضاً: علماء شكلوا علامة فارقة في تاريخ الأزهر..هل تعرفهم؟

وبذلك اكتسبت الأطروحة بُعداً سياسياً؛ فهي تنطوي على معارضة مباشرة لمحاولة الملك فؤاد تنصيب نفسه خليفة للعرب، خصوصاً أنها صادرة عن أحد المنتمين لحزب الأحرار الدستوريين، الحزب المعارض للقصر.

حاول الملك فؤاد تنصيب نفسه خليفة للعرب بعد إلغاء منصب الخلافة في تركيا

صدمة.. وردود

كانت لأطروحة عبد الرازق صدمة في أوساط العلماء والمشايخ، فلم يسبق أن قال أحد من أئمة الدين بمثل ما ذهب إليه، خاصة أنّها جاءت من عالم أزهري، استعان في إثباتها بالآيات القرآنية، والسيرة النبوية.

اقرأ أيضاً: صحيفة الأزهر تثير غضب المتشددين!

اعتبر المعارضون أنّ الشيخ يدعو للعلمانية وفصل الدين عن السياسة، وتصدّى عدد منهم للرد على الكتاب، كالشيخ محمد الخضر حسين، في كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، والعالم التونسي الطاهر بن عاشور، في كتابه "نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم"، والشيخ "محمد بخيت المطيعي"، في كتاب "حقيقة الإسلام وأصول الحكم".

أُلفت كتب عديدة للرد على كتاب علي عبد الرازق

المحاكمة

لم يتوقف الأمر عند تأليف الكتب والردود العلمية، وإنما تطوّر إلى أن بادر علماء الأزهر لتأسيس هيئة علمية لمحاكمته، باسم هيئة "كبار العلماء في الأزهر"؛ وبالفعل، في يوم الأربعاء 12 آب (أغسطس) العام 1925، اجتمعت الهيئة، بصفة تأديبية، بمقتضى المادة الأولى من قانون الجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية. وكان اجتماعها في دار مجلس إدارة الأزهر والمعاهد الدينية الاسلامية في شارع عابدين. وفي حدود الساعة العاشرة صباحاً دخل علي عبد الرازق.. إلى المحاكمة.

في القاعة الرئيسية من الدار، جلس أربعة وعشرين عالماً، حضروا جميعاً لمحاكمة الشيخ، كان العلماء جالسين حول طاولة يتوسطهم الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، شيخ الجامع الأزهر، وإلى يمينه الشيخ محمد بخيت، وعن يساره الشيخ قراعة، ووراءه الشيخ الظواهري.

احتاج علي عبدالرازق إلى عشرين عاماً لإنصافه، فأصدرت مشيخة الأزهر العام 1945 قراراً بالتراجع عن فصله

جلس علي عبدالرازق قبالتهم وهو ممسك الكتاب بيمينه.

سألوه: هذا كتابك؟
نعم، هذا كتابي.
أنت مصمم على كل ما فيه؟
نعم.
شيخ الأزهر: هذا الكتاب كلّه ضلال وخطأ! كتبنا لك عن نقط سبعة فيه.

وهنا، تلا الإمام نصّ التهمة، والتي تضمنت سبع نقاط اعتبرت الهيئة بأنّ الكتاب احتواها، وبأنها "مخالفة للدين ولنصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، وإجماع الأمة"، وهي:

1. جعل الشريعة الاسلامية شريعة روحية محضة، لا علاقة لها بالحكم والتنفيذ في أمور الدنيا.
2. جعل الدين لا يمنع من أن جهاد النبي، عليه السلام، كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولا لإبلاغ الدعوة للعالمين.
3. اعتبار نظام الحكم في عهد النبي، عليه السلام، موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجباً للحيرة.
4. اعتبار مهمة النبي، عليه السلام، كانت بلاغاً للشريعة مجردة عن الحكم والتنفيذ.
5. إنكار إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وأنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمورها في الدين والدنيا.
6. إنكار أن القضاء وظيفة شرعية.
7. اعتبار أنّ حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم، من بعده كانت لادينية.

اكتسبت أطروحة عبدالرازق بُعداً سياسياً فهي تنطوي على معارضة مباشرة لمحاولة الملك فؤاد تنصيب نفسه خليفة للعرب

وبعد انتهاء الشيخ من تلاوة نصّ التهمة، قرر -باسم الهيئة- فصل عبدالرازق من الأزهر، وتجريده من شهادة العالمية، وإخراجه من "زمرة العلماء"، ومنعه من تولي أي منصب ديني، بما في ذلك فصله من مهنته في القضاء، فضلاً عن قرار مصادرة الكتاب ومنع تداوله.

حاول عبدالرازق الرد، فسجل اعتراضه بدايةً على قانونية الهيئة والمحاكمة، ولكن الهيئة لم تلتفت لاعتراضه. وبعد أن فرغ الشيخ من تلاوة نصّ التهمة والحكم، تلا مذكرة كان قد أعدّها للرد على التهم والتوضيح، كان رد فعل الهيئة هو أن أخذت منه المذكرة وضمتها إلى ملفات المحاكمة، دون نقاش لها، وانتهت جلسة المحاكمة بذلك.

برقية.. إلى الملك

وبعد أن أصدرت "هيئة كبار العلماء" قرارها ضد الشيخ علي عبدالرازق، أرسل شيخ الجامع الأزهر، محمد أبو الفضل الجيزاوي، برقية إلى القصر الملكي، جاء فيها:

"صاحب السعادة، كبير الأمناء.

أرجو أن ترفعوا إلى السّدة العليّة الملكية، عنّي، وعن هيئة كبار العلماء، وسائر العلماء، فروض الشكر وواجبات الحمد والثناء، على أن حُفظ الدين في عهد جلالة مولانا الملك من عبث العابثين وإلحاد الملحدين، وحُفظت كرامة العلم والعلماء."

كما بادر الشيخ لإرسال كتاب إلى وزير الحقانيّة (العدل) عبد العزيز فهمي، طلب فيه فصل عبدالرازق من وظيفته في القضاء.

الإمام أبو الفضل الجيزاوي خارجاً من قصر عابدين

أزمة سياسية.. وقضية رأي عام

اعتبر علي عبد الرازق، أنّ الحكم باطل، يخالف الدستور المصري الذي كفل حرية الرأي لكل مصري، وأرسل خطاباً لوزير الحقانية يؤكد فيه أنّ قانون الأزهر لا يطال إلا المعاهد الدينية، وهنا جاء موقف الوزير عبد العزيز فهمي برفض قرار الفصل، فما كان من القصر الملكي إلا أن تدخل بشكل مباشر، فصدر قرار بإقالة الوزير عبدالعزيز فهمى من الوزارة.

اقرأ أيضاً: الأزهر..المعارك التي لا تنتهي

تصاعدت القضية إثر ذلك، بعد أن اعتُبرت إقالة الوزير إهانة لباقي الوزراء، فاستقال احتجاجاً على ذلك، كُلّ من: محمد علي علوبة باشا، وزير الأوقاف، وتوفيق باشا دوس، وزير الزراعة، وإسماعيل صدقي باشا، وزير الداخلية آنذاك. وبعد شغل المناصب الوزارية الشاغرة بهذه الاستقالات، فُصل الشيخ علي عبدالرازق من وظيفته، كما أراد الملك.

جاء قرار إقالة الوزير عبدالعزيز فهمي بعد رفضه قرار الفصل

أدى كُلّ ذلك إلى أن تحولت قضية علي عبدالرازق وكتابه إلى قضية رأي عام، وباتت حديث الكُتاب والصحافة، ورأى العديد منهم أنّها قضية الفكر والعلم والحرية، فدافعوا عن الكتاب والكاتب، منهم الدكتور محمد حسين هيكل، الذي كتب مقالاً مشهوداً في جريدة "السياسة"، يسخر فيه من القرار، وكذلك دافع عباس محمود العقاد عن عبدالرازق في مقال في صحيفة البلاغ، وكتب سلامة موسى مقالاً في جريدة المقتطف دافع فيه عن حرية الفكر ورفض الرقابة الفكرية.

اقرأ أيضاً: "مجنون من يخالفنا الرأي".. مقولة سلفية تطل برأسها في تونس

ومن جديد، لم تلبث أن مرت سبعة أعوام حتى تكرر المشهد في مصر مجدداً، مع طه حسين، بعد فصله من الجامعة بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"، بعد تدخل ومعارضة شديد من علماء الأزهر.

احتاج علي عبدالرازق إلى عشرين عاماً لإنصافه، فأصدرت مشيخة الأزهر العام 1945، قراراً بالتراجع عن فصله، ليتولى بعدها منصب وزارة الأوقاف نهاية العام 1948، كما انتخب عضواً في مجلس النواب، ثم دخل مجلس الشيوخ، كما عُين عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة.

الصفحة الرئيسية