ما لون قبّعتك... في زمن كورونا؟

ما لون قبّعتك... في زمن كورونا؟

مشاهدة

30/04/2020

دوّامةُ الحياة العَجول، التي تدورُ بنا في دوائرَ مُفرغةٍ لا تتوقف، كانت تجعلُك وتجعلنى نشاهدُ الشخوصَ من حولنا، ونتفَّحص في وجوهِ جميع مَن يمرّون بحياتنا ويعملون معنا ويُشكِّلون عالمَنا، ما عدا الشخصَ الأهمّ في هذا العالم. أنتَ. تُصادِق أصدقاءك وتُفنِّدُ مزاياهم وعيوبهم ومكارمهم وسقطاتهم؛ وفى غَمرة انشغالك بالناس، تنسى الانشغالَ بنفسك. فتكادُ تعرفُ كلَّ المحيطين بك، ولا تعرفُ نفسَك، وتكون صديقًا للجميع، وتنسى أن تصادقَ ذاتَك. لهذا قال سقراط: «اعرفْ نفسَك»، وهو يعلم أنه مطلبٌ صعبٌ، وإن ظننتُه يسيرًا.

وجاءت برهةُ الانعزال عن العالم هربًا من جائحة كورونا. برهةٌ من الزمان قد تطولُ أمام فيروس شقىّ مراوغُ دوَّخَ مليارات البشر على هذا الكوكب، وجعلهم يفرّون من وجهه الضئيل النحيل، غير المرئى، كما تفرُّ الخرافُ من وجه أسدٍ جائعٍ جامح جائح يبحثُ عن طريدة. وعلّها لحظةٌ مناسبةٌ لمصادقة النفس وتأمل قدراتِها ونقاطَ ضعفها.

تُرى، لماذا نختلفُ عن بعضنا البعض؟، لماذا بعضُنا ناجحٌ، وبعضنا يمشى في ركب الإخفاق والفلَس؟، لماذا بعضُنا محبوبٌ وبعضنا يفرّ منه الناس؟، هل هي أحكامٌ قَدَريةٌ، مكتوبةٌ على جباهِنا، حيث لا مَهرب، أم نحن المسؤولون لأننا نقف وراء الأسباب، ونحن صانعوها؟، الإجابةُ: نعم! نحن مَن اخترنا أن نكون ناجحين أو فاشلين، محبوبين أو مُنفِّرين، روّادًا في مقدمة الصفوف، أو مغمورين في ثنايا الظلّ. الأمرُ يعتمد على «لون» القُبّعة التي نضعها فوق رؤوسنا، مجازًا. أحدِّثُكم اليومَ عن «القبّعات» التي تُشكِّل إدراكَنا للعالم وتُحدِّدُ أسلوب تفكيرنا.

في كتابه: «ستُّ قبعاتٍ للتفكير»، يحدّثنا «إدوارد دى بونو»، الطبيب وعالم النفس المالطى الذي تخصّص في فلسفة التفكير الإبداعى، عن أدمغتنا. يقول إننا لا نتمايز عن بعضنا البعض في «تركيب» عقولنا، بل في «آلية» عمل تلك العقول. وحدد ستةَ أساليبَ مختلفة للتفكير البشرىّ؛ ينهج كلٌّ منها نهجًا مغايرًا يؤدى، بالضرورة، إلى نتائجَ مختلفة. أعطى «دى بونو» لكل طريقة سماتٍ محددةً، تجمع، تقريبًا، كلَّ طرائق تفكير العقل الإنسانى. اعتبر دى بونو أن كلَّ أسلوب من الأساليب الستة، بمثابة «قُبّعة ملوّنة» يعتمرها المرءُ حينما يفكر في أمر ما. وحدّدَ قبّعاتٍ ستٍّ، ذات ألوان مختلفة.

■ القبعةُ الحمراء: تمثّلُ التفكير العاطفىّ. صاحبُها يُسقطُ على الأمور مشاعرَه، الإيجابية أو السلبية: مثل الحب والكراهية. فلا ينظر إلى الأمور نظرةً موضوعية.

■ القبعةُ البيضاء: هي نقيضُ ما سبق. فصاحبها ينظر إلى الأمور من خلال الأرقام والحسابات والتحليل فيخرج بنتيجة محايدة لا محلّ فيها للعاطفة، ولا مكان فيها للنظرة الشخصية. يشبه الحاسوب الذي لا يعطى نتائجَ إلا عبر المعطيات والبيانات والأرقام التي أدخلتها في برنامجه.

■ القبعةُ الصفراء: يتميز صاحبُها بالتفاؤل والإيجابية، بحيث لا يرى إلا مزايا الأمر وأوجهه الإيجابية، غير مُنتبه، أو غير عابئ، إلى سلبياته.

■ القبّعة السوداء: نقيضُ ما سبق. صاحبُها سوداوى متشائم لا يرى في الشىء إلا عيوبَه ونواقصَه وعوائقه التي تُحيلُ دون إتمامه.

■ القبعة الخضراء: تقفز بصاحبها إلى خانة الإبداع والتحليق. من يعتمرها لا يعرفُ التفكير النمطىّ التقليدى. بل يكسر الصندوقَ وينطلقُ منه إلى رحب الابتكار والخيال، فيقترح زوايا جديدة للنظر؛ ومن ثم يبتكرُ طرائقَ جديدة للتأمل، تؤدى بالضرورة إلى نتائجَ مبتكرةٍ، لا تخطرُ على بال غيره ممن يسيرون على قضبان المنطق والمحاكاة والتقليد.

■ أما القبعة الزرقاء فهى المظلّة الواسعة التي توجّه وترسم مسار كل القبعات السابقة. من يرتديها يمتلك نظرة شمولية تجعله يرى الأمور من منظور كُلّى واسع ومنظّم. يرسم خُطّة العمل بدقّة؛ واضعًا الاستراتيجية العامة، والتكتيك التفصيلى لخطوات الأداء. يضع البرامج الزمنية ويُنصِتُ إلى جميع الآراء من حوله، ليفيد منها.

ولكن دى بورنو لا يجعلنا نركن إلى اليأس من إمكانية تغيير أساليب تفكيرنا. فمن يظن أنه مجبولٌ على قبعة واحدة يرتديها مدى العمر، قد أخطأ مقصد الكتاب. فبوسع كلّ منّا أن يحوز القبعاتِ الستّ مجتمعةً. يرتدى منها ما يشاء، ويطرح ما يشاء. المهم هو ترتيب وضع القبعات. فمن الأفضل استخدام القبعة البيضاء في بداية تحليل الأمر، ثم الصفراء والسوداء لتأمل المزايا والعيوب، ثم الانطلاق نحو القبعة الخضراء للقبض على جوهرة الابتكار، ثم الختام بالقبّعة الزرقاء، التي تعيد ترتيب الأوراق.

دعونا نفحص أدمغتنا في فترة الاعتكاف المنزلى، ونبدّلُ بين القبّعات، ثم نشكرُ الله على معجزة عظمى؛ اسمها: العقل.

«الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن».

المصدر: صحيفة المصري اليوم

الصفحة الرئيسية