ما تداعيات تصنيف واشنطن للإخوان تنظيماً إرهابياً؟ دراسة تجيب

ما تداعيات تصنيف واشنطن للإخوان تنظيماً إرهابياً؟ دراسة تجيب

ما تداعيات تصنيف واشنطن للإخوان تنظيماً إرهابياً؟ دراسة تجيب


04/09/2025

منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، ظلت الحركة تمثل معضلة أمام السياسات الدولية لما تحمله من طبيعة إيديولوجية عابرة للحدود وشبكات ممتدة في الشرق الأوسط وخارجه. وعلى مدار العقود الماضية تذبذبت المواقف الأمريكية من الجماعة بين الانفتاح والحذر، من بوابة الاستفادة من خطابها السياسي حيناً، والخشية من تهديداتها الأمنية حيناً آخر.

 لكنّ تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في آب (أغسطس) الماضي بإمكانية تصنيف الإخوان منظمة إرهابية تعكس منعطفاً جديداً. فالخطوة، إن حدثت، لن تكون مجرد إجراء قانوني، بل ستشكّل تحولاً استراتيجياً في مقاربة واشنطن للإسلام السياسي بأسره، وسط بيئة دولية مشبعة بالتوترات والتحولات الجيوسياسية.

الدراسة التي أعدها الباحث فداء منصور ضمن برنامج الأمن والإرهاب بمركز "شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية"، تقدّم تحليلاً معمقاً لهذه التصريحات، معتبرة إيّاها مؤشراً على إعادة تعريف أولويات واشنطن، واختباراً دقيقاً لقدرتها على الموازنة بين الأمن والمبادئ. التقرير التالي يستعرض أبرز ما ورد في الدراسة من معطيات وسياقات وتداعيات محتملة.

السياق السياسي: الداخل الأمريكي والرهانات الانتخابية

صدرت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي في مقابلة إذاعية بنيويورك، حين سأله الصحفي سيد روزنبرغ عن أسباب عدم تصنيف الإخوان ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (CAIR) منظمات إرهابية، خصوصاً مع دعمهما لمرشح محلي، وقد ردّ روبيو بأنّ القرار "قيد الإعداد"، مشيراً إلى تعقيد المسألة بسبب تعدد فروع الجماعة حول العالم.

الدراسة تشير إلى أنّ التوقيت لم يكن عابراً، ففي العام الأول من الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تسعى الإدارة لتثبيت أجندة أكثر صرامة ضد الإسلام السياسي، ولتنفيذ وعود انتخابية تعهّد بها ترامب منذ ولايته الأولى. وتسعى هذه التصريحات إلى إرضاء القاعدة اليمينية المحافظة التي تنظر إلى الجماعة باعتبارها تهديداً إيديولوجياً للأمن القومي.

ورغم محاولات مشابهة منذ 2017، حذّرت تقارير استخباراتية أمريكية حينها من أنّ التصنيف قد يؤدي إلى عواقب عكسية، مثل تأجيج التطرف أو الإضرار بالعلاقات مع دول حليفة. غير أنّ عودة هذا الملف في ولاية ترامب الثانية تؤشر إلى إصرار جديد تغذيه الضغوط من الكونغرس، ولا سيّما مشروع القانون الذي قدّمه السيناتور الجمهوري تيد كروز بعنوان "قانون تصنيف جماعة الإخوان منظمة إرهابية لعام 2025"، والمدعوم من لوبيات مؤثرة مثل AIPAC وCUFI.

البُعد الإقليمي والدولي: لعبة توازنات معقدة

ترى الدراسة أنّ موقف واشنطن تجاه الإخوان لا ينفصل عن سياقات إقليمية أوسع. ففي الشرق الأوسط تبنت دول مثل مصر والسعودية والإمارات سياسة حازمة لاجتثاث الجماعة من المجال العام، وضغطت منذ سنوات على الإدارة الأمريكية لاتخاذ خطوة مماثلة. 

على الجانب الآخر، ثمّة دول احتفظت بمقاربات أكثر انفتاحاً، سواء لدواعٍ سياسية أو براغماتية، ممّا جعل القرار الأمريكي عاملاً مرجحاً في توازنات المنطقة.

كذلك يتقاطع الملف مع أولويات واشنطن العالمية؛ فبعد عقدين من "الحرب على الإرهاب"، باتت الإدارة تركز أكثر على احتواء الصين وروسيا. ومن ثمّ، قد يُستخدم ملف الإخوان كورقة لإعادة هندسة التحالفات في الشرق الأوسط، سواء عبر دعم مسارات التطبيع أو محاولات التهدئة الإقليمية.

لغة التصريحات: بين التحفظ القانوني والدلالة السياسية

توقف الباحث عند مفردات روبيو بعناية. فقوله "نعمل على" و"قيد الإعداد" يوحي بجدية في اتخاذ القرار، لكنّه في الوقت نفسه يعكس تحفّظاً قانونياً. التمييز بين "فروع" الجماعة يُظهر إدراكاً لتعقيدات التصنيف الشامل، ومحاولة لتجنب اتهامات باستهداف منظمات تعمل سلمياً في الغرب. كما أنّ وصف الإجراءات بأنّها "طويلة ومعقدة" يهدف إلى تحصين القرار من الطعن القضائي استناداً إلى الدستور الأمريكي.

بذلك، تبدو التصريحات بمثابة اختبار للرأي العام المحلي والدولي، ورسالة مزدوجة: طمأنة المحافظين داخلياً، والتأكيد على وجود عملية قانونية منضبطة خارجياً.

التداعيات المحتملة داخلياً

ترصد الدراسة ثلاث دوائر رئيسة للتداعيات داخل الولايات المتحدة:

الجالية المسلمة والمنظمات الإسلامية: تصنيف الإخوان قد يفتح الباب أمام ملاحقة منظمات إسلامية مثل CAIR وISNA، رغم عدم وجود أدلة قانونية صريحة ضدها. النتيجة المحتملة هي تعزيز شعور التهميش لدى المسلمين الأمريكيين وتآكل الثقة بينهم وبين المؤسسات الفيدرالية.

الإشكالات القانونية والدستورية: من المتوقع أن يواجه القرار طعوناً قضائية، خاصة إذا اعتُبر أداة لتقييد الحريات الدينية والتنظيمية. وجود طيف واسع من فروع الجماعة ـ بعضها سياسي، وبعضها اجتماعي أو دعوي ـ يعقد مهمة وزارة الخارجية، وقد يضعف القرار في المحاكم.

الخطاب العام والاستقطاب السياسي: أيّ تصنيف رسمي سيُستخدم لتعزيز خطاب اليمين حول "الخطر الإسلامي"، ممّا يغذي الاستقطاب الداخلي، ويجعل القضية ورقة انتخابية في مواجهة الديمقراطيين.

التداعيات الإقليمية والدولية

تذهب الدراسة إلى أنّ القرار ـ إن تم ـ سيترك بصمات قوية خارج الحدود:

الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: دول مثل مصر والسعودية سترى فيه انتصاراً لرؤيتها الأمنية، في حين ستعتبره دول داعمة للجماعة استهدافاً مباشراً، بما قد يفاقم التوتر مع واشنطن.

الحركات الإسلامية المعتدلة: الخلط بين الإخوان وفصائل سياسية سلمية كـ "العدالة والتنمية" في المغرب أو "النهضة" في تونس سيضعف التيارات الإصلاحية ويقوي السرديات الجهادية التي تزعم أنّ النظام الدولي يغلق الباب أمام المشاركة السلمية.

الحلفاء الأوروبيون: كثير من الدول الأوروبية تتبنّى مقاربة تمييزية بين جناح سياسي وجناح مسلح داخل الإخوان، ولم تصنّف الجماعة ككل منظمة إرهابية. ومن ثم، قد يؤدي الموقف الأمريكي إلى انقسام غربي وإرباك في التعاون الأمني والاستخباراتي.

التداعيات الجيوسياسية والاستراتيجية

ترى الدراسة أنّ التصنيف ـ إذا اتُخذ رسمياً ـ لن يقتصر على الجانب القانوني، بل سيُستثمر سياسياً في ملفات أوسع:

ورقة ضغط جيوسياسي: واشنطن قد تستخدم التصنيف للمساومة مع أطراف إقليمية أو دولية، على غرار استخدام ملف "الدول الراعية للإرهاب".

التبرير للعمليات الأمنية: القرار قد يمنح الغطاء القانوني لعمليات استخباراتية أو عسكرية ضد كيانات مرتبطة بالجماعة في الخارج، بما يشمل تجميد أصول أو تسليم مطلوبين.

خطر ارتداد عكسي: إذا غاب الدليل القاطع على تورط الجماعة في الإرهاب المباشر ضد مصالح أمريكية، قد يُنظر إلى القرار كإجراء سياسي بحت، يضعف مصداقية واشنطن في حربها على الإرهاب، ويثير شكوكاً حول انتقائية المعايير.

 اختبار المصداقية بين الأمن والمبادئ

تكشف دراسة فداء منصور أنّ تصريحات ماركو روبيو لا يمكن قراءتها كحدث منفصل، بل كمؤشر على تحولات عميقة في علاقة واشنطن بالإسلام السياسي. فالجدل حول الإخوان يعود إلى عقود، لكنّه اليوم يطلّ برأسه في لحظة مشبعة بالاستقطاب الداخلي والتنافس الإقليمي وإعادة ترتيب أولويات القوة الأمريكية.

إنّ تصنيف الإخوان منظمة إرهابية ـ إن حدث ـ سيكون اختباراً مزدوجاً: داخلياً لمدى التزام واشنطن بحماية الحريات الدستورية لمواطنيها، وخارجياً لمدى قدرتها على الحفاظ على تحالفاتها ومصداقيتها الدولية. وبين مطرقة المطالب الأمنية وسندان المبادئ المعلنة، تقف الإدارة الأمريكية أمام قرار سيحدد، ليس فقط مستقبل علاقتها بجماعة الإخوان، بل أيضاً شكل تفاعلها مع الحركات الإسلامية في مرحلة ما بعد الحرب على الإرهاب.




انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات

آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية