ما التداعيات الجيوسياسية لوباء كورونا؟

ما التداعيات الجيوسياسية لوباء كورونا؟

مشاهدة

19/03/2020

على المستوى الجيوسياسي، لا تزال حسابات الربح والخسارة المتوقعة نتيجة انتشار فيروس كورونا في المشهد الدولي مجرد تكهنات؛ فالعاصفة لاتزال في أوج قوتها، ولمّا تنكشف غياهبها بعدُ. وعلى الرغم من ذلك، تبدو هذه الحسابات الشغل الشاغل هذه الأيام لمراكز التفكير ومركز صنع القرار العالمية، خاصة في الدول الكبرى.

تبدو الأمم المتحدة ومنظماتها غائبة تماماً عن المشهد الكوني في وقت بات العالم أحوج ما يكون لها

لا نبالغ إذا زعمنا اليوم أنّ العالم يخوض معركته مع وباء كورونا بلا قيادة؛ إذ تبدو الأمم المتحدة ومنظماتها غائبة تماماً عن المشهد الكوني المستجدّ، في وقت بات العالم أحوج ما يكون لها. وعلى الرغم من المبادرات المتواضعة التي شهدناها من منظمة الصحة العالمية، خاصة عبر الإعلان عن انتشار فيروس كورونا باعتباره وباء عالمياً، لكنّ استحقاقات هذا الإعلان لا تزال غائبة، ولا تزال الدول الصغيرة والفقيرة وحيدة تماماً في مواجهة الوباء. الحقيقة أنّ المؤسسات الدولية جرى إضعافها بشكل ممنهج منذ وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وفق رؤية تقوم على الفردانية الأمريكية، وتكريس قواعد مرحلة جديدة من الإدارة الأمريكية للعالم. كما أسهم عجز القوى الدولية صاحبة حق النقض في مجلس الأمن عن التوافق، أو على الأقل وقف الاستخدام المفرط، والأناني لهذا الحق، في إفشال معظم قرارات المجلس المصيرية فيما يتعلق بالأمن والسلم الدوليين؛ فعجز المجلس، ومن خلفه الأمم المتحدة عن إنهاء أي صراع في العالم طوال الأعوام العشر الماضية، على الرغم من وفرة الصراعات وفداحة الخسائر البشرية والمادية الناجمة عنها.

اقرأ أيضاً: هكذا يستثمر الحوثيون وباء كورونا
والمؤسف أنّ القوى الدولية العظمى أيضاً تبدو مرتبكة وغير قادرة على الأخذ بزمام المبادرة في تحمل المسؤولية تجاه مواجهة هذا الخطر الكوني، فهذه القوى واقعة تحت سيطرة هواجس وشكوك الحروب البيولوجية، ومنشغلة تماماً بتقدير مصالحها الذاتية، وحساباتها التنافسية وسط الكم المرعب من الخسائر الاقتصادية.

 

ما يبدو بأنّه حقيقة حتى الآن، هو أنّ الفيروس عصف بمفاهيم القوة التقليدية القديمة في المنطقة والعالم. كما عصف بمفاهيم السيادة والحرية والشرعية. اختبر الفيروس كفاءة الدول والمؤسسات. وعصَف بالاقتصادات، خاصة في الدول الأكثر اعتماداً على النفط أو التي فاتها العمل على خطط التنويع الاقتصادي؛ إذ ترافق انتشار الوباء مع اشتعال الخلافات داخل أوبك، وظهور ما يشبه الحرب الاقتصادية النفطية على المستوى الاجتماعي، دفعت الأزمة الجميع لإعادة التفكير في طريقة عيشهم. وتصاعدت مرة أخرى الاتجاهات اليمينية المتطرفة؛ فقد فتك كورونا بآخر القلاع المدافعة عن العولمة، ليعلن عودة عصر القلاع والكانتونات، مؤقتاً على الأقل.

اقرأ أيضاً: "كورونا" امتحان عالمي وشخصي

أما على الصعيد الاقتصادي، وعلى الرغم من كثرة التحليلات والتقارير، فليس معروفاً على وجه الدقة -حتى الآن- مَنْ هم الذين سيربحون نتيجة هذه الجائحة؟ لكنّ هناك حقيقة ماثلة تقول إنّ الثروة لا تغادر الكوكب، وكل خسارة تحدث في مكان، يقابلها ربح في مكان آخر. وبما أنّ الخسائر فادحة فالرابحون من كورونا سيربحون كثيراً، وبما يكفي لإحداث تغيير حقيقي في خريطة توزيع القوة الاقتصادية العالمية.

كل ذلك على افتراض أنّ هذه الأزمة ستعبر في غضون أشهر معدودة، لكن ماذا لو أنّ الأزمة الناتجة عن فيروس كورونا استمرت عاماً كاملاً أو بضعة أعوام؟ كيف ستكون تداعياتها الجيوسياسية في المشهد الكوني؟

القوى الدولية العظمى تبدو مرتبكة وغير قادرة على الأخذ بزمام المبادرة في تحمل المسؤولية تجاه مواجهة هذا الخطر الكوني

لعلنا نستطيع أن نتصور بأنّ الفيروس سيكون قادراً خلال عامين أو ثلاثة مثلاً على أن يفتك تماماً بالليبرالية السياسية، ويطيح بقيم الحرية والديموقراطية، ويعيدنا إلى قوانين الدفاع، والأحكام العرفية، والأنظمة الشمولية، ولا أدلّ على ذلك، من هذا الامتداح المستهجن للتجربة الصينية في السيطرة على انتشار الوباء، واحتوائه، والتي تتردد في طول الكون وعرضه، على الرغم من أنّ عملية احتواء الأزمة في الصين قامت أساساً على فكرة السيطرة، والإخضاع، والعسكرة، والحجر الإلزامي. لقد بدأت بعض دول العالم بالفعل المسير في هذا الاتجاه؛ ففي إيران أطلق قائد الثورة علي خامنئي الرصاصة الأخيرة على حكومة الرئيس حسن روحاني، وكلّف القوات المسلحة بإدارة ملف كورونا. في الواقع هو كلفها بإدارة البلاد فملف كورونا الآن متصل بكل صغيرة وكبيرة في الدولة. وقد شاهدنا بكثير من الدهشة كيف اقتحمت الدبابات والآليات العسكرية شوارع روما في إيطاليا قبل أن تنتشر في عديد من عواصم ومدن العالم، وكانت الحكومة الأردنية سباقة على المستوى الإقليمي إلى إعلان العمل بقانون الدفاع وتكليف الجيش بالانتشار في على مداخل المدن. وما لبثنا أن سمعنا أنباء مشابهة من واشنطن.

 

يمكننا أن نتصور أيضاً أن يفتك الفيروس (في حال استمرار الأزمة بضعة أعوام) بالليبرالية الاقتصادية، ويقوض الاقتصادات الحرة في العالم، ويحيي اقتصاد الدولة الشمولي عبر عمليات التأميم الكبرى الجارية هذه الأيام حول العالم، والتي تحفزها خسائر البورصات العالمية المرعبة؛ ما يدفع الدول لحماية شركاتها ذات الطابع العالمي عبر شراء أسهمها، وهي عملية أشبه بالتأميم بالفعل. وقد تبدو حزم الدعم الاجتماعي الهائلة التي تكبدتها الحكومات مجرد إجراءات وقتية حالياً لكن في حال استمرار الأزمة إلى أشهر وأعوام فستظهر الحاجة إلى تشريعات جديدة، وربما يجري إعادة تعريف لمهام الدولة في الغرب على الصعيد الاقتصادي، بمراجعة حجم تدخلها في الأسواق، خاصة في حال استمرار التضخم الكبير في أسعار الأدوية، والمواد الغذائية الأساسية، نتيجة عمليات الاحتكار أو التدافع على الشراء والتخزين أو تراجع الإنتاج.

اقرأ أيضاً: كيف لوّث فيروس كورونا الاقتصاد العالمي؟

في ظل هذه الظروف، وفي حال استمرار الأزمة، يمكن أن نتصور أن يفتك كورونا بما تبقى من العولمة تماماً، ويحدّ من حركة الأشخاص والبضائع، بما يعزز كثيراً الاتجاهات المحلية، ويمنح القداسة من جديد للأفكار المتعلقة بالاكتفاء الذاتي، وإجراءات الحماية، والرسوم الجمركية، والاعتماد على المنتجات المحلية.

اقرأ أيضاً: "كورونا" يقلب المعادلات ويخلط الأوراق

وفي السيناريو الأسوأ نستطيع أن نتصور أن يشعل كورونا العديد من الحروب الصغيرة والكبيرة، نتيجة انتشار الفقر، وانهيار الاقتصادات، واحتدام الصراعات على الثروات والموارد الطبيعية. خاصة في حال إخفاق محاولات إيجاد العلاج المناسب للفيروس خلال سنة أو اثنتين؛ حيث ستطغى آنذاك التفسيرات الأيديولوجية والغيبية للوباء إلى جانب محاولات البحث عن الخلاص عبر الطهرانية الدينية؛ ما سيشعل مزيداً من الصراعات الدينية والطائفية.

 

 

لكن من جانب آخر، أكثر تفاؤلاً وإيجابيةً، يمكن أن يخلق استمرار أزمة كورونا كمّاً هائلاً من الفرص والأعمال والصفقات التجارية عبر العالم الافتراضي؛ فهو يعزز اتجاهات العمل والتعليم عن بعد، ويوسع دائرة الخدمات الإلكترونية، والتجارة الإلكترونية، والتسوق عبر الإنترنت. كما يمكن أن تخلق الأزمة ميكانيزمات جديدة للعمل الدولي والإقليمي المشترك، وبما يفضي إلى مزيد من التعاون والتكاتف الإقليمي والدولي في مواجهة هذه الخطر العالمي. وفي هذه الحالة يصبح من الممكن تصوّر أن ينحسر تأثير انتشار فيروس كورونا فجأة، نتيجة اكتشاف اللقاح المناسب مثلاً، أو التوصل إلى بروتوكولات علاجية تخفف من آثاره، وتقلل من حالة الفزع العالمية من انتشاره.

قد يشعل كورونا العديد من الحروب الصغيرة والكبيرة نتيجة انتشار الفقر وانهيار الاقتصادات واحتدام الصراعات على الثروات والموارد الطبيعية

هنا في الشرق الأوسط، حاصر كورونا مهووسي الهيمنة والتوسُّع؛ فلم تسعفهم ترسانات الأسلحة، ولا الميليشيات، ولا الصواريخ. بشّر الفيروس بمعايير جديدة للقوة بمعناها الحقيقي الشامل، لا بما تتوافر عليه مخازن الأسلحة؛ فاللحظة هي لحظة المؤسسات، والحوكمة الرشيدة، والبحث العلمي، والمشاركة، والموثوقية، والشفافية، والمهنية؛ ففي أيام كورونا الصعبة، وفي هذه المنطقة المأزومة، يتطلع الناس بكثير من التقدير إلى البُناة الحقيقيين، وصناع الأمل الذين شيدوا المشافي والمراكز الصحية، لا المعسكرات، ومخازن الذخيرة، من جندوا المتطوعين ومأسسوا العمل التطوعي، لا من جندوا المقاتلين، ومأسسوا ميليشيات القتل والإرهاب. اليوم يقدّر العالم روّاد التخطيط الاستراتيجي للأمن الغذائي، والدوائي، لا التخطيط الاستراتيجي لتصدير الثورات وتحصيل الثارات. لذلك كله، وجدنا دولاً كبرى في المنطقة، تطلب العون والمساعدة من دول صغيرة، لم تكن تعيرها الكثير من الاهتمام. إنها القوة في شكلها الجديد.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا كمصدر لظاهرة إنسانية جديدة
وخلاصة القول، من وجهة نظر متفائلة، قد تنحسر هذه الأزمة سريعاً. لكن يصعب التفاؤل في منطقتنا بما ستخلفه وراءها من آثار. سيمضي كورونا عاجلاً أم آجلاً، تاركاً خلفه، مزيداً من البؤس، والفقر، والشك، وانهيار القيم، حيثما لا دول ولا مؤسسات. بينما سيترك خلفه مزيداً من المنعة والقوة والحصانة والإيمان بالجماعة، حيثما تتواجد الدول والمؤسسات.

الصفحة الرئيسية