
في تصعيد متوتر؛ قرر المجلس العسكري الحاكم في مالي إنهاء التعاون في مجال مكافحة الإرهاب مع فرنسا، وطلب من (5) دبلوماسيين فرنسيين مغادرة البلاد، وهي خطوة وصفت بأنّها تعقيد للأزمة الممتدة من 2020 بين البلدين حتى الآن. وقد أثار التصاعد المفتوح مع تراجع النفوذ الفرنسي في محاربة الإرهاب مخاوف دولية من عودة الجماعات المتطرفة في مالي ودول الساحل إلى المشهد، والعودة إلى تجارة الرهائن التي كانت المصدر الأوّل لتمويل أنشطة "القاعدة" في منطقة الساحل خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، مع احتمال دخولها للعاصمة "باماكو" في محاولة لاحياء مشروع "دولة الخلافة" في أفريقيا من جديد.
إنّ وقف التعاون بين البلدين في مجال مكافحة الإرهاب في ظل غياب الحليف الروسي وتفكك القوات الأفريقية لمواجهة الإرهاب في أفريقيا يعني أن تقف مالي بإمكاناتها المتواضعة وحيدة في حربها ضد الجماعات الإرهابية الإسلاموية المسلحة، والتي قد تنتصر وتفرض سيطرتها على مساحات كبيرة من البلاد أو تدخل العاصمة "باماكو".
القصة بدأت قبل 13 عامًا
عانت مالي من وجود الجماعات ذات الإيديولوجية الإسلامية المتطرفة ذات الصلة بتنظيم القاعدة الممتد في أفريقيا، إلا أنّ ذروة وجود الجماعات الإسلاموية المتطرفة في مالي كان عام 2012، حين تمكنت التنظيمات القاعدية من السيطرة على وسط وشمال مالي، ثم تحركوا نحو العاصمة "باماكو" لاحتلالها وإعلانها عاصمة للدولة الإسلامية المنشودة ولتطبيق الشريعة الإسلامية وتفكيك الدولة الوطنية الحديثة التي يرونها ضد الدين، ولم يوقف هذا التحرك إلا التدخل العسكري الفرنسي في عمليتي "سرفال"، ثم "برخان"، فأُحبط المشروع، وانحسر التموضع الجغرافي للمتطرفين في مناطق محدودة شمالي البلاد وغربها، ورغم ما حققته العمليات العسكرية الفرنسية من نجاح في بداية الأمر في عامي 2013 و2014، واستعادتها لأراضٍ كانت بيد الجماعات الجهادية وتحييد العديد من كبار قادة الجماعات الإسلاموية، إلا أنّ هذه الجهود لم تكن كافية لوقف تمدد الجماعات وإعادة تشكيلها في تنظيم ممتد بشبكة إرهابية عبر دول الساحل الأفريقي وفي جماعة جديدة عام 2017 تحت اسم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين.
ونظرًا لتفاقم الأزمة الاقتصادية وعدم استقلال القرار السياسي المالي وخضوعه لـ "باريس"، وتحت مزاعم الفشل في مواجهة الجماعات المتطرفة، أقدم مجموعة من ضباط الجيش المالي على تنفيذ انقلاب على الرئيس "إبراهيم أبوبكر كيتا" عام 2020، يقودهم العقيد "أسيمي غويتا" أو قاسمي كويتا.
دخل "غويتا" عالم السلطة من بوابة التحدي للوجود الفرنسي، باحثًا عن استقلال سياسي واقتصادي لبلاده، فطالب القوات الفرنسية بمغادرة البلاد فورًا، واستجابت فرنسا لمطالب المجلس العسكري، وانسحبت من قوة "تاكوبا" مع حلفائها الأوربيين، ومع خروج آخر جندي فرنسي من مالي في 15 آب (أغسطس) 2022 باتت مالي بلدًا مستقلًا، لكنّها باتت أيضًا في قبضة جنرال قدّم نفسه كرجل استعاد السيادة وفرض نفسه زعيمًا بصلاحيات مطلقة للبلاد، دون الاستناد للإرادة الشعبية، حتى 2030.
لم تغادر فرنسا مالي وحدها، بل غادرت تشاد والنيجر وبوركينا فاسو وغينيا، تاركةً وراءها فراغًا عسكريًا هائلًا، هذا الفراغ لم تستطع القوات المالية وحدها ملأه، فخلال السنوات الخمس التالية للانقلاب، شهدت تزايدًا ملحوظًا في عدد العمليات الإرهابية وتغيرًا واضحًا في التكتيكات، وكلّ هذا أمام ضعف شديد من قوات الأمن والجيش المالي.
تمدد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين
ووفقًا لبيان "مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2023"، فإنّ "بوركينا فاسو احتلت المرتبة الثانية بعد أفغانستان، بينما أتت مالي والنيجر في قائمة الدول الـ (10) الأكثر سوءًا في العالم من حيث الإرهاب والعنف والتطرف". وفي عام 2024 وحده وقع حوالي 19% من جميع الهجمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم وأكثر من نصف جميع الوفيات المرتبطة بالإرهاب في العالم في منطقة الساحل، وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي (GTI) لعام 2025، الذي نشره معهد الاقتصاد والسلام، وتتجاوز قوة الجماعة مجرد الهجمات إلى السيطرة الجغرافية على مساحات واسعة من مالي، ففي أواخر آب (أغسطس) الماضي سيطرت الجماعة على قاعدة عسكرية في بلدة فارابوغو، الواقعة بالقرب من غابة واغادو في منطقة سيغو جنوب وسط البلاد، وقطعت جميع الطرق إلى مدينتي إنيور وخاي بالقرب من الحدود الموريتانية، ، ويوم الثلاثاء 23 أيلول (سبتمبر) الجاري أعلنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" مسؤوليتها عن مقتل (3) جنود من الجيش المالي، في هجوم استهدف نقطتين عسكريتين في ولاية سيغو وسط البلاد، واستحوذت على أسلحة ومعدات عسكرية قبل الانسحاب نحو مواقعها، وأسرت حوالي ( (60من جنود مالي وبوركينا فاسو، وقالت إنّها أسرتهم خلال هجمات ومواجهات مع جيشي البلدين خلال العامين الأخيرين"، وهو ما يعني أننا أمام قوة متزايدة للجماعات الإسلاموية المسلحة في مالي ودول الساحل.
لماذا فشلت جهود مكافحة الإرهاب في مالي؟
ليس من المتوقع في الوقت الحالي أن تتمكن مالي ودول الساحل من وقف تمدد وتوحش الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، وجماعة داعش ولاية "غرب أفريقيا"؛ أوّلًا: جميع الجهود التي بُذلت غير كافية ولا تتناسب مع جماعات تجيد حرب العصابات، لأنّ أغلب دول الساحل الأفريقي تعاني من ضعف في البنية التحتية الأمنية، فلا يوجد استخبارات دقيقة عن تحركات تلك الجماعات وتحالفاتها، ولا يعتمدون على القراءات المستقبلية لمسار تلك الجماعات، أو إيجاد خطط بديلة للمواجهات الخشنة، وافتقادهم لقاعدة بيانات بأسماء أهمّ عناصر الجماعات المتطرفة وتحركاتهم، وغياب الرقابة على مصادر التمويل لتلك الجماعات، فضلًا عن نقص شديد في الموارد المالية واللوجستية اللازمة لمواجهة الجماعات الإرهابية.
ثانيًا: غياب التعاون الإقليمي بين دول الساحل الأفريقي؛ فقبل بضع سنوات اجتمعت دول منطقة الساحل لتشكيل فرقة عمل مجموعة الدول الخمس في الساحل، وهي قوات دولية قوامها (5) آلاف جندي، ومع ذلك انسحبت بوركينا فاسو ومالي والنيجر خلال العامين الماضيين، ممّا قوّض قدرة فرقة العمل على مواجهة الجماعات الإرهابية.
ثالثًا: قدرات الجماعات الإرهابية في التكيف بسرعة مع التكتيكات والاستراتيجيات الأمنية، والتحرك وفق عقيدة الموت التي تسمح لهم بتفخيخ أنفسهم، وشبكات التواصل العابرة للحدود التي تتضافر معًا أمام أيّ هجوم، والقدرة الفائقة على خوض حرب العصابات، والتخفي وسط المدنيين، واستخدام أساليب متنوعة مصممة لإحداث أقصى قدر من الفوضى، وزرع عبوات ناسفة مُحسّنة على الطرق الرئيسية، وغيرها من القدرات الحركية والميدانية التي تتطور كل فترة أمام جمود وضعف القوات المالية.
أشهر الجماعات الإرهابية في مالي
تُعدّ جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التي تأسست عام 2017، هي أكثر جماعة تقود العمل الإرهابي ضد مالي ودول الساحل، وحسب موقع BBC فإنّ الفترة من كانون الثاني (يناير) إلى أيار (مايو) 2025، أعلنت فيها الجماعة مسؤوليتها عن أكثر من (240) هجومًا فرديًا، وهو ضعف العدد الذي أعلنت مسؤوليتها عنه في الفترة نفسها من العام الماضي، ممّا يعني أننا أمام جماعة استغلت الخلافات والأزمة بين مالي وفرنسا لتقوية قدراتها لتتمدد وتنتشر في دول الساحل الأفريقي.
تكوّنت الجماعة بعد اندماج (4) جماعات محلية متشددة، بعد تلقيها ضربات من القوات الفرنسية في عامي 2013 و2014، فاجتمع قادة من جماعات (أنصار الدين، وكتيبة ماسينا، والمرابطون، وفرع الصحراء لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، وأعلنوا البيعة والسمع والطاعة لـ "إياد أغ غالي"، وهو دبلوماسي سابق من مالي ينتمي إلى جماعة الطوارق ذات الأغلبية المسلمة، وقاد غالي ثورات الطوارق ضد حكومة مالي في 2012، سعيًا لإقامة دولة إسلامية مستقلة في شمال مالي، ويُعدّ "أمادو كوفا" نائب قائد الجماعة من أخطر القادة الميدانيين، ويقود كتيبة ماسينا، وهو من قبيلة الفولاني، وهذه القيادة المركزية تُسهم في توجيه الفروع المحلية لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الممتدة عبر منطقة الساحل، في إطار شبكة تُعرَف باسم "الكتائب"، وتؤكد الجماعة أنّ هدفها هو تطبيق الشريعة الإسلامية والحكم الإسلامي.

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A7%D9%86_1_0.jpg.webp?itok=NCzTOlr5)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/images_9_0_0.jpg.webp?itok=x5bNgfDs)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/344281-293240_0_0_0_2_1_0_0.jpg.webp?itok=TDvTeKmh)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/IMG_6670_0_1_7.jpeg.webp?itok=8RV_dWnL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AE%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%8688_0_3_1_7_16.jpg.webp?itok=5xAFcRln)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA_12_0_0_0_0.jpg.webp?itok=A-z0ubez)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7_16_0.jpg.webp?itok=cBqOpkeR)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_105_1.jpg.webp?itok=YFMYYJ6o)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/hq720_1.jpg.webp?itok=K5jtD8NN)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A72_1_0_2.jpg.webp?itok=jfkTcgP5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%88%D8%AB%D9%8A%D9%88%D9%86%20%D9%8A%D9%85%D9%86_0_0.jpg.webp?itok=qYITRVsk)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/45441_1_1616298792.jpg.webp?itok=21c-OiEa)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A9_3_2_2.jpg.webp?itok=yJg8j5Rq)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/66442868058220260615035806586.jpg.webp?itok=b4jj-erZ)



![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/b6b06990-51e8-4db4-b177-dfee67f75ab5.png.webp?itok=30a_eE-o)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/aadbeb50-0699-4359-8d4e-8951106bf7e5.jpg.webp?itok=wnuQsws2)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/afp_il2nh_1480605742-1920x1080-2_1.jpg.webp?itok=sIUNrLKG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/7b8829bf-b0c2-45fd-aa07-120f7f02c6e5.png.webp?itok=dR5l4gFw)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%8A.png.webp?itok=CNczIeTS)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8_12_6.jpg.webp?itok=sxabxOmF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%83%D9%8A%D8%B1_0_1.jpg.webp?itok=VUTMu5_W)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/001_21_0_0.jpg.webp?itok=myU5DPhU)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/lbn_0_0.jpg.webp?itok=AcfIBL0m)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/fe_12_1_0.jpg.webp?itok=z3gX24Ld)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B9%D9%86%D9%81_15_0_2.jpg.webp?itok=4_EijiwI)