ماكرون يذهب إلى الكنيسة: كيف يغازل الرئيس الشاب المشاعر الدينية؟

5975
عدد القراءات

2018-06-13

ترجمة: محمد الدخاخني

حتّى وقت قريب، لم يكن لدى إيمانويل ماكرون سوى القليل ليقوله حول اللّائكيّة، بما هي الفصل القانونيّ بين الدّين والدّولة، وأيضاً الثّقافة الأشمل للعلمانيّة والعداء لرجال الدّين في فرنسا، ولمّا كان من الصّعب بمكان على نحو معروف أن يثبّت موقعه كمرشح في الانتخابات الرئاسية العام الماضي، فإنه، كما هو مرجَّح، لم يرَ فائدة تذكر في إبداء موقف بشأن موضوع صار جدالياً بشكل متزايد في الأعوام الأخيرة، وعلى مدار فترة رئاسته، قام ماكرون، في معظم الأحيان، بتفويض مارلين شيابا للحديث حول اللّائكيّة، وهي تشغل موقع وزير الدولة المسؤول عن قضايا المساواة بين الجنسين، وكذلك وزيره لشؤون التعليم جان-ميشيل بلانكي، وفيما دعم أعضاء حكومته هؤلاء تقريباً ما يسمّيه البعض "النّهج الصّارم للعلمانيّة"؛ فإنّ ماكرون نفسه ألمح أحياناً إلى اتّباعه نهجاً مختلفاً، محذّراً ذات مرّة من "ردكلة اللّائكيّة"، وتماشياً مع روحه المعروفة ببعث رسائل متناقضة "في الوقت نفسه"، فقد منحت الأشهر الأولى لماكرون في المنصب كلاً من العلمانيين ونقادهم شيئاً ليكون موضع كراهية من جانبهم.

في نيسان الماضي قبل ماكرون دعوة للتحدث بالمؤتمر السنوي لأساقفة فرنسا

وفي شهر نيسان (أبريل) الماضي، قام ماكرون بخطوة مثيرة للجدل تمثّلت في قبول دعوة للتحدث في المؤتمر السنوي لأساقفة فرنسا، وفي بلد له تاريخ طويل في الصراع العدواني ضدّ رجال الدين، فإنّ حقيقة أنّ الرئيس قد يجتمع في غرفة مع كبار رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكيّة، كانت كافية لإثارة بعض مخاوف العلمانيين من أنّ التزام ماكرون باللّائكية كان أقلّ رسوخاً، وبعد دقائق من خطابه، بدا الرئيس الشاب كأنّه يؤكد هذه المخاوف، معلناً للأساقفة أنّ "الصِلة بين الكنيسة والدولة أصبحت متوترة، والأمر متروك لنا لإصلاحها".

مضى ماكرون في طريقه مقترحاً دوراً للدّين والإيمان الكاثوليكيّ على وجه الخصوص ببرنامجه السياسي

مضى ماكرون في طريقه مقترحاً دوراً للدّين، والإيمان الكاثوليكيّ على وجه الخصوص، في برنامجه السياسي، قد يعتقد المرء أنّ رئيساً كثيراً ما صوِّر على أنّه بطل لجناح وسطي ليبرالي تقدمي، لن يكون له أيّة فائدة تذكر للكنيسة، لكن بعد مرور عام على رئاسته، عندما أصبح الجمهور الفرنسي ينظر إليه على نحو متزايد كيميني، قام ماكرون بمفصلة صلة جلية على نحو مفاجئ، بين أجندته للإصلاح النيوليبرالي والهوية الدينية الكاثوليكية.

في خطابه إلى الأساقفة، بعد أيام قليلة فقط من إضراب العمّال للنضال ضد تحرير حكومته لخدمة السكك الحديدية الوطنيّة، انتهز ماكرون الفرصة ليصف ما يعتقد أنه التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع الفرنسي: "إنها ليست أزمة اقتصادية فحسب"، كما أصرّ قائلاً: "إنها نسبوية، بل عدمية، فكرة أنه لا شيء جدير بالأهمية: التعلم ليس جديراً بالأهمية، العمل ليس جديراً بالأهمية، خاصة تقديم يد المساعدة ليس من الأمور الجديرة بالأهمية". ففي عصرنا "ما بعد الحداثي"، تابع ماكرون قائلاً، "نظامنا يضع الناس في شرك سؤال: "وما الهدف من ذلك؟"، عن طريق تثبيط العمل الشاق والمغامرة في بناء المشاريع.

اقرأ أيضاً: ماكرون.. الكنيسة والعلمانية والإسلام الفرنسي

كانت الرسالة واضحة لأيّ شخص على دراية بمَيل ماكرون نحو إضفاء طابع أخلاقي على النشاط الاقتصادي، فخلال مسيرته السياسية القصيرة، قدم نفسه على أنّه بطل رواد الأعمال والمغامرين [بالمعنى الرأسمالي] في مواجهة "الكسالى"، بالنسبة إلى ماكرون، تنقسم فرنسا إلى أولئك الذين يريدون وضع البلاد في موضع الحركة، أو كما سمى حركة حملته الانتخابية، إلى الأمام! وأولئك الذين يريدون إبقاء البلاد عالقة في مكانها.

في خطابه إلى الأساقفة، ألمح ماكرون على نحو لا يدعو إلى الدهشة، إلى أنّ العمال المضربين في كافة أنحاء البلاد، يقفون إلى جانب الجمود والكسل؛ ومن خلال اختيار كلماته بعناية، أشار إلى أنّ هذه الأزمة الأخلاقية "تثقل كاهل بلادنا"؛ حيث استخدم الفعل الفرنسي (grever) أي "يثقل"، كمجانس لكلمة (grève) أي "إضراب"، وكان الشيء الأكثر طرافة هو اقتراحه بأنّ الكنيسة تقف على جانب الديناميكية والمبادرة، وخلال كلمته، امتدح "الطاقة" الكاثوليكية التي اعتقد أنّها كانت المصدر الحقيقي للسياسة والثقافة الفرنسيتين، ودعا الكاثوليك إلى مواصلة "العمل السياسي" في هذا الصراع.

كانت الرسالة واضحة لأيّ شخص على دراية بمَيل ماكرون نحو إضفاء طابع أخلاقي على النشاط الاقتصادي

وقالباً الفهم الفرنسي المعتاد للتقدم، سعى ماكرون إلى اعتبار الدين المنظم أداة التغيير، في معارضة لحركات المساواة الاجتماعية، ومع تكرار ماكرون تحذيراته بشأن "العدمية" في الأسابيع الأخيرة، يبدو أنّ هذه النظرة؛ إمّا أنّها قناعة صادقة، أو رسالة سياسية محسوبة.

في أحد الاستعراضات التهكمية بشكل خاص، في أوائل حزيران (مايو)، على سبيل المثال، قارن ماكرون، وهو مليونير ومصرفي سابق، قيم شرطي الدرك الذي ضحى بنفسه مؤخراً لوضع حدّ لهجوم إرهابي (وهو كاثوليكي ملتزم)، بقيم أولئك الناشطين "الذين يعتقدون أنّ أعلى هدف للنضال السياسي هو 50 يورو في المساعدة السكنية"، لقد قام ماكرون، بالطبع، بفرض تخفيض على مساعدات الإسكان المذكورة أعلاه قبل بضعة أشهر.

اقرأ أيضاً: كيف يخطط الرئيس الفرنسي لتنظيم الإسلام في فرنسا؟

لم يكن خطاب ماكرون مجرد خرق للبروتوكول في بلد يعتقد كثيرون فيه أنّ الساسة، يجب أن يمتنعوا عن التحدث مباشرة إلى الجماعات الدينية، وإنما كان ذلك تعبيراً عن مشروع سياسي محافظ للغاية، يضع على وجهه برقة قناع لغة "الابتكار"، وكلما تخلى ماكرون بشكل متزايد عن مؤيديه من يسار الوسط، الذين ما يزالون في انتظار "استدارته" نحو ديمقراطية اجتماعية "مرنة" على النمط الاسكندنافي، حاول أن يدرج كلاً من الهيراركية الكنسية والكاثوليك الذين يميلون إلى اليمين كحلفاء في صراع ضدّ النقابات ودولة الرفاهية.

تعميم أقصى اليمين

بالنظر إلى الطريقة التي يتم بها استخدام الحديث عن اللائكية، في كثير من الأحيان، في الخطاب السياسي الفرنسي في الأعوام الأخيرة، فقد يميل بعض المراقبين إلى الترحيب بمسافة ماكرون من اتخاذ موقف علماني صارم، مهما كانت نواياه السياسية، فرغم أنّ مفهوم اللائكية هو أحد المكونات الأساسية للقانون الدستوري الفرنسي، الذي يضمن كلاً من الحياد الديني للدولة وحرية الضمير الفردية، فقد تم استغلاله بشكل لا يمكن إنكاره وبطرق مثيرة للقلق على مدى الأعوام القليلة الماضية، على كافة جوانب الطيف السياسي (إلى حدّ كبير على طريقة "حرية التعبير" في الخطاب الأميركي)، لكن اهتمام ماكرون بتصحيح هذه الاستخدامات الخاطئة للخطاب العلماني، أقلّ من اهتمامه بحشد سياسة الهوية اليمينية التي حفزتها في المقام الأول.

هذا الاستغلال للّائكية كان واضحاً جداً عند أقصى اليمين؛ فعندما تسلمت مارين لوبن زعامة الجبهة الوطنية من والدها، جان ماري، عام 2011، شرعت في محاولة تطهير الحزب من ارتباطاته بمعاداة السامية والفاشية، كجزء من إستراتيجية عرفت باسم "إزالة الشيطنة"، ورغم قيام الجبهة الوطنية بمعارضة الجمهورانية العلمانية، وحفاظها على علاقات مع اليمين المسيحي الرجعي، فقد كان أحد المكونات الرئيسة لإستراتيجية مارين لوبن؛ هو الوصول لخطاب يحتضن اللائكية، ما ساعد في وضع نسيج محترم على برنامج لوبن المناهض للهجرة، فمن خلال مساواة المهاجرين العرب والأفارقة بصورة مجوهرة للدين الإسلامي، على نحو يفترض معاداة الأخير للعلمانية، فإن أقصى اليمين يمكن أن يجند القيم الديمقراطية الفرنسية في خدمة كره الأجانب، وجزء ممّا يفسر النجاح الانتخابي التاريخي للجبهة الوطنية في الانتخابات الرئاسية لعام 2017؛ حيث حصلت لوبن على أكثر من خمس أصوات الجولة الأولى قبل التقدم إلى المنافسة النهائية ضد ماكرون، هو هذه القدرة على تعكير المياه حول معنى اللائكية والمثل الجمهورية الأخرى.

لقد جعلت الجبهة الوطنية "غير المشيطنة" المعارضة المتشددة للهجرة مقبولة لدى الناخبين، الذين ربما كانوا قد رفضوا من ناحية أخرى السياسة البيتانية [نسبة إلى الماريشال بيتان] اليمينية الأكثر تقليدية للوبن الأب.

ومن منطلق إدراك الاحترام والشعبية المتزايدين اللذين يحظى بهما الخطاب المناهض للمهاجرين، قامت شخصيات بارزة عديدة في اليمين السائد في فرنسا بعقد العزم على عدم السماح للجبهة الوطنية بجني كافة الفوائد، ونتيجة لذلك؛ فإنّ إستراتيجيتها في الأعوام الأخيرة، تمثلت بشكل متزايد في مفاقمة تشويشات أقصى اليمين من خلال ربط اللائكية، بشكل متناقض، مع الهوية الدينية الكاثوليكية، وقد كشفت الاحتجاجات الضخمة ضدّ تقنين زواج المثليين، عام 2013، عن إمكانية أن تصبح المشاركة السياسية للمحافظين المسيحيين قوة سياسية أكبر بكثير مما كان يعترف به كثيرون من قبل. وتحت قيادة الرئيس السابق، نيكولا ساركوزي، شرع اليمين في الرهان على مستقبله، عبر مزيج تلفيقي من الخطابات المناهضة للهجرة وسياسات الهوية الكاثوليكية المعرقنة، يمكن أن يتنافس مع خطاب الجبهة الوطنية.

كان ساركوزي قد بدأ في مناشدة القيم الكاثوليكية منذ الأسابيع الأولى من رئاسته

وكان ساركوزي قد بدأ بالفعل في مناشدة القيم الكاثوليكية، في الأسابيع الأولى من رئاسته، فبعد وقت قصير من انتخابه، عام 2007، على سبيل المثال، أعلن في خطاب مثير للجدل (والذي قارنه كثيرون بأثر رجعي بخطاب ماكرون في نيسان (أبريل) الماضي)؛ أنّ "جذور فرنسا مسيحية بشكل جوهري"، لكن على وجه الخصوص في أعقاب هجمات إرهابية لم يسبق لها مثيل، عام 2015، اتبع لوبن في استخدام اللائكية كاختزال للهوية الفرنسية الأصلية، الكاثوليكية جوهرياً، في معارضة للمهاجرين المسلمين.

إنّ أوضح مثال على هذا الخطاب كان دعم ساركوزي الحماسي، في آب (أغسطس) 2016، لحفنة من البلديات، يسيطر عليها عموماً أعضاء محافظون من حزبه في جنوب فرنسا، التي حظرت ارتداء "البوركيني"، لباس السباحة الذي يغطي كامل الجسم، وغالباً باسم اللّائكية (وقد قامت السلطات الدستورية الفرنسية في وقت لاحق بإلغاء هذا الحظر، وذلك جزئياً على أساس أنه ينتهك حرية الضمير)، وبعد أسابيع من ذلك، وبينما كان يستعد لاستئناف محاولته الفاشلة للعودة إلى الرئاسة، ألقى ساركوزي خطاباً حول الاندماج؛ حيث ادعى أنه كي يكون المرء فرنسياً، ينبغي أن يشاطر سلالة تعود إلى بلاد الغال. بعبارة أخرى: لا تكمن المواطنة في اعتناق المثل العليا للتقاليد الديمقراطية في فرنسا، سواء كانت الحرية، أو المساواة، أو الإخاء، أو اللائكية، عوضاً عن ذلك، تنحدر هذه المثل من هوية فرنسية بدائية تشكلت على مرّ القرون من جانب المسيحية، وفيما استهل ساركوزي عودة اليمين الديغولي (نسبة إلى الجنرال شارل ديغول) إلى القومية العرقية الكاثوليكية، حافظ على التزام حزبه بالجمهورانية العلمانية حرفياً (بالاسم فقط) ليعيد تسميته بــ "الجمهوريين".

اقرأ أيضاً: فرنسا: قانون جديد لمكافحة الإرهاب.. ومخاوف من تطبيقه

ومع هذا التعاون، بين اليمين وأقصى اليمين، الذي ساعد في إضفاء الشرعية على أفكار الجبهة الوطنية بشأن الهجرة والهوية الدينية، أصبح من غير الضروري على نحو متزايد تبرير مثل هذه الأفكار تحت لواء اللائكية، لقد خسر ساركوزي ترشيح حزبه له في الانتخابات الرئاسية، عام 2017، لكنّ الترشح ذهب عوضاً عن ذلك إلى رئيس الوزراء السابق، فرانسوا فيون، الذي أعلن عن إيمانه المسيحي خلال الحملة، وحافظ على علاقات مع المنظمات الكاثوليكية اليمينية المتشددة، التي تم حشدها من خلال قانون زواج المثليين. وفي الوقت نفسه، رغم أنّ برنامجه المتعلق بالهجرة قد صمّم بشكل واضح لمناشدة ناخبي أقصى اليمين، حيث اشتمل على حصص قومية المنشأ وإجراء إصلاح شامل لعملية طلب اللجوء، فلم يكن لديه إلا القليل نسبياً ليقوله في دفاعه عن موضوع اللائكية.

وبعد الفضيحة العاصفة، انتهى أمر فيون وراء لوبن في انتخابات 2017، وذهبت قيادة الحزب إلى أحد أتباع ساركوزي، لوران فوكيي، ورغم أنّه سياسي غير كفؤ مقارنة بأسلافه، إلا أنّ فوكيي واصل بإخلاص الدفع نحو طمس الخطوط بين اليمينيين المعتدلين والمتطرفين، لكن مع قيامه هو أيضاً بمضاعفة موقفه المتعصب ضد المهاجرين، فإنّ التزامه بالمشاعر الكاثوليكية قد ألغى واجهة الالتزامات العلمانية، وهو ما كان واضحاً في أعمال مثيرة، مثل محاولته وضع، بشكل غير قانوني، منظر لميلاد المسيح أمام مكتبه، وفي هذه الأثناء، عندما حاولت الجبهة الوطنية التعافي من العرض المحرج لمارين لوبن في الحملة الانتخابية، أظهرت الجبهة مؤشرات على الابتعاد عن إستراتيجية "إزالة الشيطنة"، وقامت بالعودة إلى بعض الرموز الأكثر تقليدية لليمين النيوفاشي.

اقرأ أيضاً: مسلمون فرنسيون يعادون قيم الجمهورية التي كانت سببا في احتضانهم

لقد فتح تعميم أقصى اليمين مساحة كبيرة غير محدودة للسياسيين الفرنسيين الذين يقدمون تركيبات متنوعة؛ من كلّ من الهوية القومية العرقية-الدينية، والعداء للمهاجرين واللاجئين.

في هذا السياق، تظهر مناشدات ماكرون الأخيرة لفضائل الكنيسة كجزء من إستراتيجية المطالبة بجزء من هذه المساحة لحزبه، الذي ينتمي إلى يمين الوسط، الجمهورية إلى الأمام، لا سيما عندما ينظر إليها جنباً إلى جنب مع إجراءاته القمعية ضد المهاجرين في كافة أنحاء البلاد، بالطبع، لا يعتقد أن ماكرون على الأرجح سيكون قادراً على الذهاب إلى ما ذهب إليه ساركوزي وفيون وفوكيي، بحثاً عن الناخبين اليمينيين المتشددين؛ فبعد أن اقترح دعم زواج المثليين والإنجاب بمساعدة طبية، لا يمكنه أن يأمل في الحصول على دعم الأصوليين الكاثوليك، لكنّ ماكرون أحسّ مع ذلك بأنّ القابلية المتنامية للهوياتية العرقية-الدينية، قد تخلق فرصة لحزب الأغلبية الوليد في اليمين المعتدل.

"يساران"؟

بالنسبة إلى اليسار، بعبارة أخرى، فإنّ تخلي الرئيس الشاب عن اللائكية لا يمثل شيئاً يستحق الاحتفال به، فاليسار الفرنسي بالطبع بعيد عن التوصل إلى إجماع حول هذا الموضوع، ورغم أنّ التقاليد العريقة لليسار قد شهدت التحرر من السلطة الدينية باعتباره خطوة ضرورية نحو المزيد من المساواة الاجتماعية، فإنّ اليساريين يختلفون بشكل عميق حول ما يجب أن تبدو عليه السياسة العلمانية الملموسة اليوم، لكنّ الجدال الإعلامي الأخير حول اللائكية قد بالغ بشكل كبير في الأهمية السياسية لهذه الخلافات، وحجب ما هو في الواقع أحد النقاط القليلة للوحدة بين مختلف الحركات اليسارية المعارضة لأجندة ماكرون.

اقرأ أيضاً: ماكرون يتحدث عن الحجاب وعلمانية الدولة والمجتمع

على مدى الأشهر القليلة الماضية، احتضنت كثير من وسائل الإعلام الفرنسية سرداً يحوي في الواقع وجوداً لـ "يسارَين": واحد يدعم علمانية متشددة تقليدية، وآخر يدعم مراجعة أو حتى استبدالاً للائكية باسم التعددية الثقافية. ويتهم أحد الأطراف الآخر بالرضا عن الذات في مواجهة سياسات الهوية المسيحية والإسلامية، بينما يرد الآخر باتهام نظيره بالتحيز ضدّ المسلمين. لكن أولئك الذين استطاعوا الاستفادة أكثر من هذا السرد حول وجود "يسارَين" قد اشتملوا على شخصيات مثل الاشتراكي السابق مانويل فالس، الذي لم يعد، بأي شكل من الأشكال، على أي جانب يساري، كرئيس للوزراء، أشرف فالس على تنفيذ تدابير الطوارئ رداً على الهجمات الإرهابية، عام 2015، على مسرح باتاكلا، فضلاً عن الدفع الكارثي لتعديل الدستور حتى يتسنى تجريد الإرهابيين المدانين من جنسيتهم، وهو ما اعترف به فرانسوا هولاند نفسه كضربة حاسمة لشرعية الحزب الاشتراكي. ومنذ ذلك الحين، حاول فالس إنشاء قاعدة يسار وسط جديدة؛ بالجمع بين مواقف "صارمة ضدّ الإرهاب"، وموقف يميني متزايد بشأن الهجرة، ودفاع خطابي عدواني عن اللائكية. وبعبارة أخرى، نسخة يسارية من هذا النوع من الأدوات التي رأيناها على اليمين.

رغم أنّ اليسار تحرر من السلطة الدينية إلا أنّ اليساريين يختلفون عميقاً حول شكل السياسة العلمانية

خسر فالس الانتخابات التمهيدية للحزب الاشتراكي عام 2017، لصالح بينوا أمو الذي كان يمثل في ذلك الوقت الاتجاه اليساري المتبقي للحزب؛ ورفض إيمانويل ماكرون فيما بعد محاولة فالس الانضمام إلى حزبه، "الجمهورية إلى الأمام".

ورغم أنه تمكن من الدخول إلى البرلمان، وله حضور متكرر في وسائل الإعلام، فإنّ سياساته أصبحت هامشية بشكل متزايد؛ فهو يفكر في مغادرة فرنسا كلياً للترشح لمنصب العمدة في برشلونة، بلده الأصلي، ومع ذلك، فإن السرد المتعلق بوجود "يسارين" يحافظ على الوهم بوجود جمهور انتخابي يساري حقيقي يناظر العلمانية الأمنية عند فالس، وهو قد اغتنم ذلك بشكل غير مفاجئ، مدعياً بشكل غير قابل للتصديق أنّ السياسيين الذين يقفون إلى يساره، مثل أمو وجان-لوك ميلانشو، متعاطفون مع الإسلاموية.

الاشتراكي السابق مانويل فالس

رغم أنّ هذه الخلافات يمكن أن تصير عميقة على اليسار، ويمكن أن تظهر بشكل سيئ خاصة عندما ينخرط فيها الغرور الثقافي، فمن المهم أن نلاحظ أنها لم تترجم في الواقع إلى اعتراضات سياسية مهمة.

ثمة أسئلة أساسية تقسم اليسار الفرنسي. فخلال انتخابات عام 2017، على سبيل المثال، برهنت خلافات حول كيفية تحقيق التوازن بين دعم المشروع الأوروبي ومقاومة تسهيل الاتحاد الأوروبي للعولمة النيوليبرالية، على استحالة التحالف بين حركة ميلانشو، فرنسا الأبية، والجناح اليساري الذي يتزعمه أمو في الحزب الاشتراكي. وقد تطرح الأسئلة الإستراتيجية والتكتيكية حول كيفية الاستفادة من الإضرابات والحركات الاجتماعية تحديات مماثلة، لكن من الصعب أن نتصور أن تسبّب مسألة اللائكية فجوة قابلة للمقارنة، وحقيقة أن شخصية مثل دانييلي أوبونو، التي دعمت في الماضي علناً الحزب المعارض بشدة للعلمانية حزب سكان الجمهورية الأصليين، قد دخلت البرلمان من البوابة العلمانية المتشددة لميلانشو، تشير إلى أنّ الاختلافات حول هذه المسألة ليست مستعصية على الحل.

فيما سعت حركة فرنسا لادّعاء التفوق ضمن المعارضة اليسارية لماكرون فإن علاقاتها بنظرائها في اليسار لم تكن مستقرة

وفيما سعت حركة فرنسا إلى ادّعاء التفوق ضمن المعارضة اليسارية لماكرون، فإن العلاقات مع نظرائها في اليسار، مثل الحزب الشيوعي، ومختلف الأحزاب الخضراء وأحزاب أقصى اليسار، أو الحركة المستقلة لإيمو، جيل/أجيال، لم تكن دائما دافئة.

وبعد نتيجة مهينة في السباق الرئاسي والتشريعي في العام الماضي، يكافح الحزب الاشتراكي ليبقى على أهميته، بما أنّ هذه الحركات تجاه اليسار قد تحاشته على نحو متزايد، لكنّ أسئلة اللائكية تميل إلى توفير لحظات نادرة من الاتفاق بين هذه الحركات اليسارية المنقسمة، والتي كانت شبه مجمعة على إدانة كلام ماكرون للأساقفة.

إنّ هذا الإجماع على اللائكية، هو في جزء منه ضرورة عملية للسياسة الانتخابية، فدعم دولة ومجتمع علمانيين أمر ما يزال مرتفعاً عبر الطيف السياسي الفرنسي، وجزء من تراث تاريخ اليسار، لكنّه يعكس أيضاً القيم التي ستكون حاسمة لأيّ اعتراض يساري لكلّ من ماكرون وأقصى اليمين.

ماكرون يبني سياساته على الرهان بأنّ فرنسا تتجه باتجاه اليمين في مسائل الدين والهوية

إنّ فهم اليسار للائكية يرفض النظرة الجوهرانية للمجتمعات الدينية، سواء كانت مسلمة أو مسيحية، والتي ساعدت سياسيين مثل مارين لوبن في الاستيلاء على الرأي العام، ومع سعيها إلى جانب آخرين في اليمين نحو مساواة مفاهيم "العرب" و"المسلمين" و"المهاجرين" و"الإرهابيين" في المخيلة الشعبية، فإن الأمر متروك لليسار للإصرار على التمييز بين الانتماء الديني والأيديولوجي، من ناحية، والهوية العرقية والوضع القانوني من ناحية أخرى.

ومهما كانت عيوبه الأخرى، فقد أظهر ميلانشو أنّه من الممكن دعم برنامج علماني راسخ، والدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين، ومعارضة التعصب الأعمى في آن واحد، وفي الوقت الذي شجب فيه استخدام اللائكية لتبرير التمييز ضدّ المسلمين، يدعو برنامج حركة فرنسا الأبية إلى وضع مناهج علمانية قوية في المدارس العامة، وتمديد قانون الفصل لعام 1905 لألزاس-موزيل (وهي منطقة تم ضمها إلى ألمانيا عندما تم تمرير القانون في الأصل). ولا يبدو أنّ هذه المقاومة لسياسات الهوية الدينية، وهذا الدعم للائكية، قد أعاقا المجتمعات ذات التجمعات السكانية الكبيرة من العرب، التي، كما يذكرنا أوليفييه روا، لا يمكن وصفها بـ "الصوت الإسلامي"، عن التصويت لصالح ميلانشو العلماني.

إن ماكرون؛ هو فقط سياسي آخر يبني سياساته على الرهان بأنّ فرنسا تتجه نحو تحول طويل الأمد، باتجاه اليمين، في مسائل الدين والهوية، ومن خلال القيام بهذا الرهان، شأنه شأن مارين لوبن ونيكولا ساركوزي، وإلى حدّ ما مانويل فالس، فقد ساعد في تقريبه إلى أن يصير حقيقة، لكن رغم السرديات الإعلامية التي تشير إلى عكس ذلك، فإن معارضي ماكرون على اليسار العلماني، رغم أنّهم قد لا يتفقون في الكثير، باتوا مجمعين، حتى الآن، من خلال الاعتقاد بأنّه عندما يتعلق الأمر بالتمييز العرقي والديني، كما هو الحال مع العولمة النيوليبرالية، فهناك في الواقع بديل.

جيكوب هامبورغر، جاكوبين، 6 حزيران (يونيو) 2018

المصدر: Emmanuel Macron Goes to Church

اقرأ المزيد...

الوسوم: