ماذا وراء هتاف الشعب الإيراني ضد خامنئي والنظام: أنتم عدونا؟

ماذا وراء هتاف الشعب الإيراني ضد خامنئي والنظام: أنتم عدونا؟

مشاهدة

15/01/2020

في تحرك فاق معظم التوقعات، فبمجرد مرور ثلاثة أيامٍ على حادثتي مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني، والرد غريب الأطوار للحرس الثوري الإيراني بإسقاط طائرةٍ مدنية أوكرانية في سمائها، انتفض الشعب الإيراني ضد خامنئي وقواته القمعية في طهران، بعد مقتل مئات المدنيين الإيرانيين والأوكرانيين في حادثة الطائرة.
الملفت للنظر في الأحداث المتتابعة بعد مقتل سليماني، أنّ الشعب الإيراني عموماً، ورغم تربيته طوعاً وقسراً خلال عقود، أنّ عدوه هو أمريكا أو إسرائيل أو دولة ما في الخارج، هتف في مظاهراته ضد نظامه وحاكمه، متهماً إياهما بأنّهما هما العدو، ولا أحد آخر. فما الذي يكمن وراء هذا الهتاف الجريء، في واحدةٍ من أعقد الفترات السياسية والأمنية في إيران والمنطقة؟

الانتفاضة رد فعل واضح للإيرانيين الذين شعروا أنّهم سيكونون ضحايا لأي معارك أو أعمالٍ انتقامية بين طهران وأمريكا

جرأة في الهتاف
لم يأت الرد الإيراني الأول، وفق التكهنات الدولية بأن تقوم طهران بإشعال المنطقة بعد اغتيال جنرالها الأعظم سليماني من خلال ردودٍ انتقامية "مزلزلة" محتملة، كما ادعت؛ لأن الشعب الإيراني انتفض بجرأةٍ داخل أرض بلاده، بعد سلسلة الأحداث المشؤومة، التي لا بد أنّ الكثير من المواطنين الإيرانيين، رأوا أنّهم سيكونون ضحاياها في المستقبل القريب.

اقرأ أيضاً: العقيدة العسكرية الإيرانية توظف الديني والمذهبي لبسط أيديولوجية ولاية الفقيه

وفي هذا السياق، تقول رئيسة تحرير صحيفة "اندبندنت فارسي"، الكاتبة كاميليا انتخابي في مقالها المنشور بموقع الصحيفة في الرابع عشر من الشهر الجاري، إنّه "منذ اغتيال الجنرال سليماني، لقي أكثر من 200 شخص مصرعهم في حوادث ذات صلة.  فقد قُتل ما يزيد على 50 شخصاً في تدافع خلال جنازة سليماني، وبُعيد بدء الهجوم الإيراني على القواعد الأمريكية في العراق، سقطت طائرة مدنية تابعة لشركة الخطوط الجوية الأوكرانية في ضواحي طهران، ما أسفر عن مقتل 176 شخصاً، على الأقل، 147 منهم مواطنون إيرانيون، وفقاً للسلطات الإيرانية".
وهذه أحداثُ تسببت بتحديد خيارات الرد الإيراني على مقتل سليماني، كما ترى انتخابي، إضافة إلى أنّها شكلت رد فعل واضح لدى المواطنين الإيرانيين الذي شعروا أنّهم سيكونون ضحايا لأي معارك أو أعمالٍ انتقامية بين طهران وأمريكا، عدا عن "مأساة الإيرانيين المستمرة في دولة بوليسية، والإذلال الاقتصادي والاجتماعي الذي يعاني منه المواطنون" وفقاً للكاتبة.

تحمل الانتفاضة الشعبية شعاراتٍ سياسيةً هذه المرة ضد خامنئي والنظام كله

ولعل هذه الأسباب، التي أدت لانكفاء النظام على ذاته في الداخل، كانت كافيةً كذلك، حتى يثور الإيرانيون ضده، وأضحى لهم طريق من الآن فصاعداً تختلف عن تلك الطريق التي يسلكها النظام، بل إن أصدقاء النظام وأعداءه، ليسوا ذاتهم أصدقاء المواطنين الإيرانيين، بدءاً من رفض طلاب الجامعات في طهران دوس العلم الأمريكي في أحد ممرات الجامعة، وهتاف المتظاهرين الإيرانيين في محيط جامعة أمير، بأنّ خامنئي خان الشعب والوطن، وأنّ عليه ونظامه التنحي. إضافةً إلى هتاف الإيرانيات للحرس الثوري وهو يضربهن في الشوارع، بأنّه (بي شرف)؛ أي بلا شرف.

مظاهرات الإيرانيين وهتافاتهم:

ولعل جرأة الشعب الإيراني هذه المرة، فاقت جرأته في انتفاضته التي قُمعت بعنفٍ وشدة خلال شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الماضي، وقد حققت هذه الجرأة، هدفاً لم يكن يخطر ببال النظام الإيراني، الذي لا بد أنّه تمت مباغتته بأنّ شعبه حي ولم يخفه القمع، كما لم ينفع موت سليماني الذي كان يمكن للنظام الإيراني استثماره، من أجل "إسكات الإيرانيين ولو مؤقتاً، والتفرغ لما تواجهه إيران في العراق ولبنان واليمن" بحسب تقريرٍ لـ "الحرة" مطلع العام الجاري. إلا أنّ المسألة تفوق الاستفادة المحتملة من موت سليماني بعد انقلاب الموازين.

انتفض الإيرانيون للمأساة المستمرة في دولةٍ بوليسية وبسبب الإذلال الاقتصادي والاجتماعي الذي يعانون منه

نهاية حقبة
لم يكد يمض يومان على اغتيال سليماني، حتى عاد الشارعان العراقي واللبناني للانتفاض بقوةٍ ضد الفساد والتدخلات الخارجية في بلديهما، خصوصاً إيران وميليشياتها المتغولة على السياسة والاجتماع والاقتصاد في كلٍ من البلدين، حتى لا يتم تحويل الأنظار إيرانياً عن قضايا الشعب العراقي والشعب اللبناني، لصالح شعارات إيران المتكررة، عن كون العدو أمريكياً أو إسرائيلياً، رغم أنّ لها ما لا يقل عن ثلاثين عاماً تحارب أعداءها، من خلال قمع شعوبها وأطماعها في مقدرات وحقوق شعوب المنطقة.

اقرأ أيضاً: عقوبات جديدة بانتظار إيران: هل يحتضر نظام الملالي؟

إنّ الإيرانيين اليوم، يدركون هذا الأمر أكثر من غيرهم، وهم من فوّتوا الفرصة على نظامهم هذه المرة، حتى يخرج من مآزقه هو وميليشياته، المنتشرة في العراق ودولٍ أخرى؛ إذ انتفض ضد "السياسات القمعية والدكتاتورية التي تمارسها السلطة بحق جميع الإيرانيين، وخاصة الشعوب غير الفارسية التي تعاني الحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية والقومية ومن سياسات التفريس ومصادرة الأراضي" أما خارجياً فإنّ الشعب الإيراني "بات لا يتحمل ما تقوم به طهران في المنطقة مثل صرف الأموال على الميليشيات في العراق ولبنان واليمن بدلاً من صرفها على مواطنيها" وفق ما صرح به مدير "المركز الأحوازي للإعلام و الدراسات الاستراتيجية" حسن راضي الأحوازي لوسائل إعلامٍ غربية مؤخراً منها موقع "إيران إنترناشيونال".

لم يعط الشعب الإيراني فرصةً لنظامه حتى يستثمر داخلياً وخارجياً في موت سليماني

وكان أستاذ العلوم السياسية الإيراني محمد مهدي مجاهدي، صرح للموقع ذاته، بالقول إنّ الاحتجاجات الشعبية الإيرانية جدية، وهي تطال العديد من فئات الشعب الإيراني؛ إذ ينقسم المحتجون إلى ثلاث مجموعات: مجموعة كان لها ما تملكه لكنها فقدته، وليس لها حاضر ولا مستقبل، وتضم فئات من الطبقة الوسطى. ومجموعة تمثل أولئك الذين كانوا يبنون مستقبلهم وفقدوه فجأة بسبب الظروف الاقتصادية، وأغلبهم من الشرائح الشابة والمتعلمة. ومجموعةٌ تمثل العمال والمحرومين الذين ليس لهم ماض، وأجورهم لا تكفي، وهي الطبقة المضطربة الأكثر خطورة". مما يكشف أنّه لا يوجد أحد له مصلحة باستمرار سياسة إيران في الداخل والخارج، سوى نظام خامنئي ومن حوله من الأمنيين والعسكريين المتنفذين.

ستترك انتفاضة الإيرانيين أثرها على سلوك طهران بالمنطقة وعلى التيارات المتوقع ظهورها في أروقة النظام لتقود نوعاً من التغيير

إنّ انتفاضة الإيرانيين الحالية، ووفق كل ما سبق، تتمتع بكافة الأسباب التي تدعو الشعب الإيراني ليثور ضد القمع، وضد تعنت نظامه في الخارج، وجعله مصالح شعبه في حالةِ خطرٍ دائم، ونزيف اقتصادي واجتماعيٍ متكررين، مما أكسبها زخماً كبيراً، تمثل في شعارات استهدفت النظام، وسط مطالبةٍ خامنئي بالتنحي، وهو ما
رأى فيه المحلل السياسي حسن راضي "انتفاضةً مختلفة، ربما تأخذ طابعاً دولياً، بسبب القمع الذي يمارسه النظام بصورةٍ شديدة ضد مطالبات شعبه بحقوقه، مما أكسب الانتفاضة تعاطفاً دولياً ودعماً معنوياً، ربما وقفت خلفه مصالح دول غربية، تريد تطبيق شروط قاهرة على إيران، حتى تخوض معها مفاوضاتٍ تقود إلى تحقيق هذه المصالح" بحسب مقابلةٍ مع راضي على قناة "dw" في الثالث عشر من الشهر 

اقرأ أيضاً: هل يهدد التدخل التركي في ليبيا أمن المغرب العربي؟

الجاري. إلا أنّ هذا كله، لن يخفي الأثر الكبير الذي ستتركه انتفاضة الإيرانيين، على سلوك إيران المستقبلي في المنطقة، وعلى التيارات المتوقع ظهورها مستقبلاً في أروقة النظام الإيراني نفسه، لتقود نوعاً من التغيير في السياستين؛ الداخلية والخارجية في إيران.

في النهاية، تأتي ورقة العقوبات الاقتصادية الجديدة ضد إيران، والتي ستطال الشعب الإيراني بكل حال، مؤثرةً على حياة المواطنين اليومية، مما سيدفع مستقبلاً، إلى تغييرٍ محتوم، بمطالباتٍ شعبية، وانتفاضة ربما يكون ثمنها كبيراً على الشعب الإيراني، بعيداً عن المحاولات الخارجية لاستثمار هذا الأمر للتفاوض مع النظام، الذي ربما لن يكون موجوداً بصيغته الحالية على الأقل، وبسياساته القمعية؛ داخلياً وخارجياً، حتى يتفاوض.

الصفحة الرئيسية