
إسلام عفيفي
إمتى نصدق وإمتى ما نصدقش؟.. هناك لحظات يصبح فيها السؤال نفسه أهم من الإجابة: إمتى نصدق؟ وإمتى ما نصدقش؟ خصوصًا عندما تتقاطع فى قضية واحدة ثلاثة ملفات شديدة الحساسية.. أمن الوطن، وحرية الصحافة، وثقة المواطن فى مؤسسات الدولة، فى مثل هذه القضايا لا يجوز أن نبدأ من موقف سياسى ثم نبحث عن الأدلة التى تؤيده؛ القاعدة الصحيحة هى العكس: نبدأ من الوقائع والإجراءات والأدلة، ثم نبنى موقفنا.
قضية «متصدقش» تضعنا أمام هذا الاختبار بوضوح، وهنا يجب أن نسرد الحقائق والتحليلات لا التأويلات، ولنبدأ بالحقيقة الأولى : النيابة العامة أعلنت فى 7 أكتوبر حبس ستة متهمين احتياطيًا فى القضية رقم 8083 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا، وقالت: إن تحريات الأمن الوطنى توصلت إلى أن الصفحة كانت منصة إعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية تُدار من الخارج، وأن التحقيقات تضمنت اتهامات بنشر أخبار وبيانات كاذبة والتشكيك فى مؤسسات الدولة، كما أعلنت أن المتهمين أقروا بالعمل فى الصفحة وتلقى مبالغ مالية بالدولار، مع إنكارهم مسألة الانضمام للجماعة، وأن أحدهم فقط أقر بانتمائه إليها وفق ما ورد فى البيان.
ولكن منذ اللحظة الأولى للإعلان عن القبض على الصحفيين الستة، وهناك «استباق للأحداث» من قبِل نقابة الصحفيين، فراحت تشكك وتوجه الجماعة الصحفية نحو وجهة واحدة هى أن ما يحدث استهداف لحرية الرأى والتعبير ورسالة الصحافة وتحول الأمر وفى اتجاه واحد إلى هجوم عنيف على مؤسسات الدولة أمنية وقضائية، فلم ترضِ النقابة عن تحريات الأمن الوطنى ولا حتى عن تحقيقات النيابة العامة وما أعلنه بيانها من ثبوت ارتكاب المتهمين للجرائم السالف ذكرها رغم أنها الجهة المحايدة والضمانة الأكبر للعدالة وتطبيق القانون.
وفى المقابل طرحت النقابة وفريق الدفاع ومنظمات حقوقية رواية مختلفة بشأن ظروف الاحتجاز وسلامة الإجراءات، وهو ما ينحاز بنا نحو التساؤل لماذا حوّلت النقابة اتهاماتها أو دفوعها إلى أحكام نهائية قبل استكمال التحقيقات ؟
لكن هناك حقيقة سياسية أكبر لا يجوز تجاهلها: الدولة التى تتعرض لاستهداف منظم لا تبدأ معركتها عند لحظة إسقاط السلطة، وإنما قبل ذلك، عندما يجرى ضرب الثقة فى مؤسساتها، وتشويه قدرتها على حماية المجتمع، وتحويل جهاز الأمن من مؤسسة عامة إلى «خصم» فى وعى الناس.
مصر عرفت فى 28 يناير 2011 ماذا يعنى انهيار الحضور الشرطى فى الشارع؛ والهجوم على الأقسام واقتحام السجون، فظهر فراغ أمنى واسع اضطرت القوات المسلحة إلى التعامل معه، عشنا أيامًا صعبة التى لا يتمنى أى منا أن تطل برأسها من جديد.
نعم، ضرب الجهاز الأمنى هدفًا فى استراتيجيات إضعاف الدول، لأن الأمن ليس مجرد وزارة؛ إنه قدرة الدولة اليومية على منع الجريمة وحماية المنشآت وضبط الحدود وإنفاذ القانون، وهنا أعتقد أنه من الواجب والإنصاف التأكيد على مساحات الثقة التى بنتها الداخلية بينها وبين الشارع خلال السنوات الماضية، ويرتبط ذلك بسؤال منطقى هل هناك محاولات دائمة لضرب هذه الثقة فى كل حدث يتحول إلى حالة جدلية بفعل منصات وصفحات مُمولة من الخارج ( حتى بعد أن تم القبض على كل محررى هذه الصفحة ما زالت تعمل وبكفاءة من الخارج ) حسب توقيتات محددة سلفًا؟
لا ينكر أحد على الصحافة دورها، فهى عين الدولة الراصدة وصوت المواطن صاحب الحق فى المعرفة وهذا الدور يحميه الدستور والقانون، وعلى الجانب الآخر الصحافة لا تستطيع أن تطالب الدولة باحترام القانون ثم تتعامل هى نفسها مع القانون باعتباره «تفصيلًا»، قانون نقابة الصحفيين يمنح النقابة ضماناتٍ واضحة، ومنها: حق النقيب أو من ينيبه فى حضور التحقيق إذا اتُهم الصحفى فى جناية أو جنحة خاصة بعمله الصحفى، وفى هذه القضية أعلنت النيابة أن التحقيقات جرت بحضور المحامين وأحد أعضاء النقابة مع الصحفى عضو النقابة، هذه ضمانة مهمة لا يجب إغفالها.
وهنا سؤال مهنى لا سياسى: إذا كانت هناك اتهامات بالتعذيب أو الإكراه على الإدلاء بأى معلومات، وثبت عدم صحة هذه الادعاءات، فهل يمتلك من ألقى هذه الاتهامات مسبقًا شجاعة الاعتراف بأنه أخطأ؟ النيابة قالت إن ثلاثة ممن ادعوا استعمال القسوة بحقهم أُحيلوا إلى الطب الشرعى، وإن التقارير أثبتت خلوهم من الإصابات وعدم وجود علامات تدل على استعمال أى عنف.
المشكلة أن جزءًا من الخطاب العام لتيار بعينه يريد إجابة مريحة: أن مؤسسات الدولة تكذب والحقيقة أكثر تعقيدًا، بينما يتم تجاهل وجود قضية أمنية حقيقية، بالأدلة ومن واقع مستندات تؤكد تحويلات دولارية بلغت ثلاثة ونصف المليون دولار فى ست سنوات، والسؤال هنا أليس هناك احتمال أن يكون بعض المتهمين متورطين فى جريمة ؟، لنفاجأ ببيان يستبق التحقيقات بما يضع مجلس النقابة فى خندق واحد وكأنه يدافع عمن يروجون الشائعات ويحاربون من أجل جماعة إرهابية دون أن يعنى ذلك أن كل صحفى ينتقد الدولة جزء من المؤامرة أو يرتكب جريمة، فكل صحفى من حقه ممارسة النقد، دون أن يمنحه ذلك حصانة إذا ثبت أنه تجاوز من العمل الصحفى إلى نشاط إجرامى، هذه حقائق لا جدال فيها ولا لىّ لها.
وإذا كنت صاحب مصلحة كعضو جمعية عمومية غيور على مهنته وقبلها مواطن مصرى حريص على استقرار وأمن بلده، أرفض تحويل نقابة الصحفيين إلى طرف سياسى فى مواجهة وزارة الداخلية ومؤسسات الدولة والانفصال عن الواقع لغرض فى نفس البعض سواء هوى سياسيًا أو فشلًا نقابيًا.. النقابة وظيفتها أن تحمى أعضاءها بالقانون، وتتابع التحقيقات، وتطالب بالضمانات، وتواجه أى تجاوز إذا ثبت، لكنها لا تملك أن تحكم فى القضية، كما مكنت مؤسسات الدولة ممثلى النقابة من الحضور وأداء دورهم فى المتابعة، وفى المقابل لا يجوز أن تتحول حماية الصحفى إلى حماية تنظيم أو نشاط غير قانونى، الصحفى له حقوقه، والمتهم له ضماناته، والدولة لها حقها فى حماية أمنها، والقضاء وحده يملك الفصل فى الاتهامات.
لقد حسم المصريون موقفهم من جماعة الإخوان ومشروعها السياسى فى 30 يونيو، وكان الصحفيون فى صدارة المشهد دفاعًا عن هوية الوطن واستلاب مقدراته ومصيره فى يد مكتب الإرشاد والتنظيم الدولى نحن هنا لا نبرر شيئًا أو إجراءات تعسفية.. فمواجهة الجماعة لا تعنى تعليق العقل، ولا تعنى أن يصبح كل نقد للدولة خيانة، كما أن الدفاع عن الحريات لا يعنى تبرئة من تثبت علاقته بتنظيم إرهابى، وأعتقد جازمًا أن الدولة لا تخلط بين المعارضة والجريمة، فكم ممن يتبنون مواقف وآراء معارضة يتقدمون الصفوف فى الإعلام ومناسبات الدولة المختلفة فهم جزء من المشهد، ولهذا فإن أخطر خدمة يمكن تقديمها للجماعات التى تستهدف الدولة هى جعل كل أجهزة الدولة تبدو فى نظر المواطن خصمًا للصحافة والمجتمع على غير الحقيقة والواقع.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: « مع الداخلية أم مع الصحفيين؟» بل: «مع القانون أم ضده؟» إذا كان هناك دليل على جريمة، فليُقدم أمام القضاء. وإذا كان هناك تجاوز من جهاز أمنى، فليُحقق فيه ويُحاسب مرتكبه. وإذا كان هناك صحفى يمارس عمله المهنى، فليحصل على الحماية التى يكفلها الدستور والقانون. وإذا ثبت أن منصة إعلامية تحولت إلى ذراع لتنظيم إرهابى، فليكن الحكم عليها بالأدلة لا بالشعارات.
إمتى نصدق؟ عندما نجد دليلًا يمكن اختباره، وإمتى ما نصدقش؟ عندما يُطلب منا أن نصدق لمجرد أن الرواية توافق غضبنا أو خوفنا أو انحيازنا، وحديثى لعقلاء وكبار هذه المهنة، هذه هى المعركة الحقيقية: ألا تتحول المواجهة بيننا كجماعة صحفية تؤدى التى انشقاقات واتهامات لن يستفيد منها سوى خصمنا جميعًا، خصم حاربناه وأزحناه بدماء غالية، وهو الآن يراقب ويتربص ويسكب البنزين على النار ليزيد الموقف اشتعالًا، فهل نمنحه « متعة الفرجة « ؟!
من غير المقبول أن نضع المهنة ومؤسسات الدولة فى مواجهة وكأنهما خصمان بما يتناقض مع الواقع، فالخاسر هنا هو الوطن والمواطن ومهنة البحث عن الحقيقة، والعناد لن ينصف المهنة ولن يأتى لأصحابها بما يعتقده البعض حقوقًا ولن يقود إلا إلى الصدام، لا أحد فوق المساءلة، ولا يجوز ولا ينبغى أن نستثنى أحدًا من المحاسبة.
أخبار اليوم

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B5%D8%B1_200_0_0_6.jpg.webp?itok=sfXiAAhI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%862_1.jpg.webp?itok=NbYf02g7)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_17.jpg.webp?itok=GjcpY4Fo)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4_3.jpg.webp?itok=xYnwoZOt)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_9.jpg.webp?itok=Hcb3diFf)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%84%D8%AC%D9%8A%D9%83%D8%A7.png.webp?itok=6YN5feSB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7_13_0_1_1_7.jpg.webp?itok=C3_-cDzL)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1_9.jpg.webp?itok=UTPKT8DU)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84_6.jpg.webp?itok=Dxmr0F8p)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A97.png.webp?itok=zXaGxkqX)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_18.jpg.webp?itok=vI_zXC6Y)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A_5.jpg.webp?itok=gkINRwYB)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%88%D9%83%D8%B3%D9%84.jpeg.webp?itok=GEMUsrl5)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_132.jpg.webp?itok=XtB3llMF)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D9%86%D8%BA%D9%84%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%B41_0.png.webp?itok=l1o-Vngl)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%BA%D8%B2%D8%A96.jpg.webp?itok=CMePW5Ll)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A%D8%A9_1.jpg.webp?itok=8TNniebr)

![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88%D9%86-1_0_4_2_0_0.png.webp?itok=w3xvpROk)


![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%AC1_1_7.jpg.webp?itok=I6xdJcur)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86_14.jpg.webp?itok=aSKivHsG)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%AA%D9%85%D9%88%D9%8A%D9%84%200.jpg.webp?itok=wkrtYvi9)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%B5%D9%84%D8%A7%D8%A8%D9%8A_0.jpg.webp?itok=tBMyYKB8)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_57_3_0_0_0_4_9.jpg.webp?itok=iP0-4sjy)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_51.jpg.webp?itok=ismhmetI)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/8WH7t7JI7wI1cBaxjzCdRHr9QesTrIWI2MDy1cYVv5vxbAtDqjQOHKeY3V1_LJ5tQ5Kzn04qcx--J9_azb7mfmPlYnx5nDofxaycDx5eOdOMhNOnv82XJROpczJeJdQPuYXMpWv7Rg5bFebmKl0J845VKSFGM2Tvu53PNgrg29sQOdRYyFrWratZ3D7vElpk%20%281%29_1.jpg.webp?itok=chls05sE)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9_1_2_0_0.jpg.webp?itok=rXvKKk2e)
![[node:title] [node:title]](/sites/default/files/styles/weekly_section/public/%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9_5.jpg.webp?itok=90TVlB61)
