لماذا يشهد العالم أزمة غذاء غير مسبوقة؟

لماذا يشهد العالم أزمة غذاء غير مسبوقة؟


06/04/2022

ترجمة: محمد الدخاخني

منذ أن بدأت الحرب الرّوسيّة في أوكرانيا، دار الكثير من الحديث حول أزمة الطاقة التي تلتها، وحاجة العالم إلى التّحوّل إلى الطّاقة النّظيفة. وعلى الرّغم من أنّ الآثار المترتّبة بالنّسبة إلى تغيّر المناخ كبيرة، فإنّ الصّحفيّين لم يوضحوها، إلّا في بعض الأحيان، في تغطيّاتهم.

 الآن، هناك أزمة أخرى تظهر كأثر غير مباشر للحرب: احتمال حدوث نقص في الغذاء، والذي بدوره يمكن أن يؤدّي إلى سوء تغذية، ومجاعات، واضطّرابات في أنحاء العالم كافّة، خاصّة البلدان الفقيرة. مجدّداً، يلعب تغيّر المناخ دوراً بارزاً في هذه الأزمة، حيث يجمع بين قضايا الزّراعة والتّجارة والعدالة والدّبلوماسيّة. إنّها شبكة متواشِجة، لكن من المهمّ أن يتراجع الصّحفيّون لمساعدة الجماهير على مراقبة الصّورة الكبيرة.

مزارعون يحصدون محاصيلهم في حقل قمح بالقرب من قرية تبليسكايا، روسيا (21 تموز "يوليو" 2021)

تُشير النّسخة القصيرة من قصّة أزمة الغذاء، ببساطة، إلى أنّ توقّف الصّادرات الغذائيّة من روسيا وأوكرانيا يمكن أن تكون له عواقب وخيمة على المناطق التي تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائيّ، جزئيّاً بسبب تغيّر المناخ، لكن إليك النّسخة الأطول، بدءاً من شرق أفريقيا:

لثلاثة مواسم ممطرة متتالية، انتهى الحال بمنطقة شرق أفريقيا جافّة، وعبر أجزاء من كينيا وإثيوبيا والصّومال وجيبوتي، الأرض قاحلة، ونضبت احتياطيات المياه، وبسبب تغيّر المناخ أدّى الجفاف والحرارة التّاريخيّة إلى نفوق الماشية والقضاء على المحاصيل، بما في ذلك حبوب أساسيّة، مثل الدُخن والأرز والقمح، وهي تشكّل أجزاء كبيرة من الوجبات الغذائيّة في المنطقة، وكذلك تعاني أجزاء أخرى، واقعة جنوب الصّحراء، من مشكلات مماثلة، لكنّ الوضع في شرق أفريقيا مريع بشكل خاصّ، حيث يواجه حوالي 13 مليون شخص "نقصاً حادّاً في الغذاء والمياه"، ووفق "برنامج الأمم المتّحدة للبيئة"، فإنّه بحلول منتصف العام، من المحتمل أن يصيب المصير نفسه 25 مليوناً آخرين.

ربع صادرات القمح العالميّة

تُفاقِم الحرب في أوكرانيا الأمور؛ لأنّ روسيا وأوكرانيا تشكّلان معاً أكثر من ربع صادرات القمح العالميّة، بما في ذلك ما يصل إلى 90 في المئة من واردات شرق أفريقيا من القمح.

روسيا وأوكرانيا كانتا أيضاً من المُصدّرين الرّئيسين للوقود والأسمدة وزيت عباد الشّمس، وكلّها عوامل بالغة الأهميّة لأنظمة الغذاء في العديد من البلدان النّامية. في خضم الحرب، قامت كلّ من روسيا وأوكرانيا بصادرات محدودة من السّلع الأساسيّة، بما في ذلك القمح.

سيكون هناك نقاش في العالم حول كيفيّة تعويض نقص الغذاء، بالنّظر إلى أنّ عواقب حرب أوكرانيا من المرجّح أن تستمرّ لبعض الوقت، حتى إن كانت الحرب قصيرة الأجل

التّجارة الرّوسيّة مقيّدة بشكل أكبر بفعل العقوبات، وفي الوقت نفسه؛ فإنّ أوكرانيا غير قادرة على تشغيل موانئ البحر الأسود أو السّكك الحديديّة التي تنقل منتجاتها برّاً. قبل الحرب، كان تغيّر المناخ يحدّ من غلّة المحاصيل الأوكرانيّة. الآن، من المتوقّع أن تصبح معظم الأراضي الزّراعيّة في البلاد منطقة حرب، وفي حالة عدم حدوث ذلك، فمن غير الواضح ما إذا كان المزارعون سيحصلون على الموارد والعمالة اللازمين لحصاد المحاصيل والزّراعة للموسم القادم.

 

اقرأ أيضاً: من أكبر الدول المصدرة للقمح.. أزمة روسيا وأوكرانيا تهدد إمدادات الغذاء عالمياً

النّتيجة هي ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة في أنحاء العالم كافّة، في وقت كانت فيه الأسعار مرتفعة بالفعل بسبب مشكلات الإمداد المرتبطة بـ "كوفيد-19" والصّعوبات الزّراعيّة التي يسبّبها تغيّر المناخ. ويقدّر "برنامج الغذاء العالميّ"؛ أنّ منطقة شرق أفريقيا ستكون الأكثر تضرّراً من ارتفاع الأسعار. وتشعر تركيا، ومصر وإندونيسيا وبنغلاديش، وجميعها من كبار مستوردي القمح الرّوسيّ والأوكرانيّ، بالضّغط. وبالنّظر إلى أنّ القمح يُتداول كسلعة عالميّة، فإنّ صدمة الأسعار ستشعر بها أيضاً البلدان الغنية بالقمح، بما في ذلك الصّين والولايات المتّحدة.

 ارتفاع أسعار المواد الغذائيّة في أنحاء العالم كافّة

تعامَل العديد من الصّحفيّين مع الحرب ونقص الغذاء وتغيّر المناخ على أنّها مشكلات منفصلة، أو ربطوا بين قضيّتين فقط من هذه القضايا الثّلاث الرّئيسة. (قصّة صحفيّة حديثة للـ "نيويورك تايمز"، على سبيل المثال، فصّلت كيف يمكن للحرب أن تُسبّب نقصاً في الغذاء، لكنّها لم تذكر المناخ". يربط تغيّر المناخ العديد من القضايا ويؤدّي إلى تفاقم مشكلات أخرى.

 

اقرأ أيضاً: أزمة ارتفاع أسعار الغذاء العالمية.. ما أسبابها؟ وإلى متى تستمر؟

تُعدّ أزمة الغذاء أيضاً فرصة للمساعدة في تثقيف الجمهور، الذي تُظهِر الدّراسات أنّه مهتمّ بشكل متزايد بتغيّر المناخ (والتّغطية الصحفيّة المناخية)، لكن، في كثير من الأحيان، ما يزال لا يدرك ضخامة المشكلة أو الضّرورة التي لا يمكن دحضها للحلول، وهي مشكلة، في قصصنا الصحفيّة، قد تساعد في حلّها جملة أو جملتان ترسمان الصّلة بالمناخ.

المناخ وروسيا يمكن أن يتّحدا

في غضون ذلك، تُظهِر الصّحف التي اتّبعت مقاربة أكثر شموليّة أنّه ليس من الصّعب ربط الأشياء معاً، وفي مقال إخباريّ نشرته منظّمة "إي آند إي" بعنوان "المناخ وروسيا يمكن أن يتّحدا لخلق أزمة غذائيّة"، قدّم المراسلان بنجامين ستورو وسارة شونهاردت هذا الخلاصة الفعّالة: "الحرب تدور رحاها حيث يُبدّل تغيّر المناخ ملامح الزّراعة العالميّة"، وفي قصّة صحفيّة لموقع "كلايميت هوم نيوز" حول أزمة الغذاء في شرق أفريقيا على وجه التّحديد، وصفت كلوي فاراند كيف أسهمت الحرب الأوكرانيّة في ذلك، ثمّ بالضّبط كيف أرسى تغيّر المناخ الأساس لسوء الأمور: "أسهم تغيّر المناخ الذي يسبّبه الإنسان في ارتفاع درجات الحرارة في غرب المحيط الهادئ، ممّا يؤدّي بدوره إلى تقوية ظاهرة "النّينيا" (نمط طقس عالميّ) ويزيد من احتماليّة حدوث جفاف في شرق أفريقيا".

 

اقرأ أيضاً: الغاز الطبيعي... كيف يتم تحديد الأسعار وتنظيم السوق العالمية؟

هناك عنصر أساسيّ آخر في القصّة الضّخمة للحرب والغذاء والمناخ: الحلول التي تكون أحياناً واحدة ومتماثلة بالنّسبة إلى نقص الغذاء والمناخ (بشكل عامّ، يعدّ تأطير الحلول أمراً بالغ الأهميّة للتّغطية الصّحفيّة المناخيّة، فقط للتّأكّد من أنّ الجماهير تعرف أنّ هناك أملاً، إذا تصرّفت البشريّة).

روسيا وأوكرانيا تشكّلان معاً أكثر من ربع صادرات القمح العالميّة

كما هو الحال مع أزمة الطّاقة، سيكون هناك نقاش في أنحاء العالم كافّة حول كيفيّة تعويض نقص الغذاء، بالنّظر إلى أنّ عواقب حرب أوكرانيا من المرجّح أن تستمرّ لبعض الوقت، حتى إن كانت الحرب قصيرة الأجل، مهما كانت الحلول التي تقدّمها الحكومات والصّناعة، فإنّها سوف تستحقّ تدقيق الصّحفيّين. يمثّل إنتاج الغذاء ما يقدّر بثلث إجمالي انبعاثات الغازات الدّفيئة البشريّة، بالتّالي، مع وجود البلدان في مأزق لكبح انبعاثاتها، يقول الخبراء إنّ الوقت ليس مناسباً الآن لمضاعفة بعض الممارسات الصّناعيّة والزّراعيّة التي تكمن وراء تغيّر المناخ وتُسهِم في هذه الفوضى في المقام الأول. بعبارة أخرى، قد تقدّم هذه الأزمة فرصة لتنفيذ تغييرات صديقة للمناخ ولازِمة على أيّة حال في أنظمتنا الغذائيّة العالميّة.

لثلاثة مواسم ممطرة متتالية، انتهى الحال بمنطقة شرق أفريقيا جافّة، وعبر أجزاء من كينيا وإثيوبيا والصّومال وجيبوتي، الأرض قاحلة، ونضبت احتياطيات المياه، وأحد أسباب ذلك تغيّر المناخ

على وجه الخصوص، في أفريقيا، التي تعاني من أسوأ التّأثيرات المناخيّة على الرّغم من مساهمتها بنسبة 3 في المئة فقط من انبعاثات الكربون في العالم، تتمثّل الاحتياجات الملحّة في جعل البلدان أقلّ اعتماداً على الواردات الأجنبيّة وجعل النّظم الغذائيّة أكثر مرونة في مواجهة تغيّر المناخ. قال باتريك فيركويجين، رئيس "المركز العالميّ للتّكيّف"، مؤخّراً في "أفريكا نيوز"، وهي شبكة شقيقة لـ "يورو نيوز" تبثّ عبر أفريقيا جنوب الصّحراء الكبرى: "بالنّسبة إلى العديد من الأفارقة، الأمر يتعلّق بالتّكيّف أو الموت". الحلول جاهزة في متناول اليد، بما في ذلك المحاصيل التي تتحمّل الجفاف، والأدوات الرّقميّة الزّراعيّة، وأنظمة الإنذار المبكّر التي تُساعد المجتمعات على الاستعداد للكوارث المتعلّقة بالمناخ، وتتسابق الحكومات ومنظّمات التّنمية عبر القارة لتنفيذها. لكن التّكيّف مُكلِف، حيث يصل إلى 33 مليار دولار سنويّاً على مستوى القارة، وفقاً لفيركويجين. بموجب اتّفاقيّات المناخ الدّوليّة، كان من المفترض أن تقدّم الدّول الغنية 100 مليار دولار سنويّاً للدّول الفقيرة بدءاً من عام 2020، لدعم جهود التّكيّف والتّخفيف. ومع ذلك، فإنّ معظم تلك الأموال لم تأخذ شكلًا مادّياً قطّ. قال فيركويجين لـ "أفريكا نيوز": "على الدّول الغنية أن تتقدّم، وقد حان وقت العمل".

سيكون من الصّعب، بلا شكّ، ملائمة كلّ هذا في قصّة واحدة، ناهيك عن تغريدة أو عنوان ناجم عن تحسين محرّكات البحث. لكن مع تطوّر الأحداث، من الضّروري أن تُفسِح المؤسّسات الإخباريّة مساحة لربط النّقاط للجمهور. إنّ أزمة الغذاء في شرق أفريقيا ليست سوى لمحة لما يقصده الخبراء عندما يطلقون على تغيّر المناخ "تهديداً مُضاعِفاً"، وسنرى الأسوأ إذا استمرّ الاحتباس الحراريّ من دون رادع.

إنّ تغيّر المناخ وانتشار المجاعات هما نتيجة خيارات اتّخذتها الدّول الغنيّة إلى حدّ كبير، وقد تساعد صحافة أقوى وذات عقليّة تركّز على الحلول النّاس وقادة الحكومات في أنحاء العالم كافّة على الاختيار أخيراً بشكل مختلف.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

أندرو ماكورمك، ذي نيشين، 1 نيسان (أبريل) 2022

https://www.thenation.com/article/environment/climate-change-ukraine-food-shortage/



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية