لماذا قرر بايدن الاعتراف بإبادة الأرمن؟ وما تداعيات القرار؟

لماذا قرر بايدن الاعتراف بإبادة الأرمن؟ وما تداعيات القرار؟

مشاهدة

25/04/2021

 لم يكن مستغرباً إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن الاعتراف بإبادة جماعية للأرمن من قبل الدولة العثمانية خلال الأعوام ما بين "1915- 1918"، في أواخر عمر الإمبراطورية العثمانية، خلافاً لرغبة القيادة التركية التي تتوجس من مصطلح "الإبادة الجماعية"، وتعترف بأنّ  "فظاعات" جرت ضد الأرمن، لكنها كانت محدودة ولم تصل إلى ما يمكن وصفه بـ"الإبادة الجماعية"، لا سيّما أنّ مفهوم الإبادة يرتب تبعات على القيادة التركية ستجعلها موضع محاسبة من قبل الأرمن والهيئات الدولية، وخاصة أنّ دولاً أخرى، مثل؛ روسيا وفرنسا، أقرّت بأنّ ما جرى للأرمن من قبل الدولة العثمانية كان "إبادة جماعية".

سياقات الاعتراف الأمريكي ودلالاته مرتبطة بوعود الرئيس بايدن في حملته الانتخابية في أواخر العام الماضي، وتنفيذاً لقرارات سابقة اتخذها الكونغرس الأمريكي بموافقة أعضاء يمثلون الحزبين: الجمهوري والديمقراطي، علماً بأنّ إبادة الأرمن قضية مطروحة في أوساط القرار الأمريكي منذ الرئيس رونالد ريغان وصولاً إلى الرئيس باراك أوباما، وكانت تراوح بين تصعيد وتعليق بما ينسجم مع متطلبات السياسة الأمريكية وعلاقات واشنطن مع أنقرة.

الاعتراف الأمريكي يعني على المدى المتوسط والبعيد فتح الباب على مصراعيه أمام الأرمن لرفع دعاوى ضد القيادة التركية في المحاكم الدولية الأمريكية والأوروبية، تتضمن مطالبات بالتعويضات المالية

ردّة فعل أنقرة على الإعلان الأمريكي، والمتمثلة بحملة إعلامية مضادة تقودها وزارة الخارجية التركية ومؤسسات الدولة التركية، تستنكر هذا الإعلان، واستدعاء السفير الأمريكي لدى أنقرة للاحتجاج على الإعلان تعكس المخاوف التركية ممّا سيتبع هذا الاعتراف على المستوى القانوني، والإدراك بأنّ قضية الإبادة خرجت من عناوين الجدالات التاريخية حول القصدية من قبل الأتراك في ارتكاب تلك المجازر، أو أنها كانت فقط في أطر محدودة، إلى فضاءات رحبة تفضي جميعها إلى إدانة تركيا، في ظل قيادة حالية تتبنّى مفهوم العثمانية الجديدة وإعادة إنتاجها في تركيا وخارجها، وخاصة في محيط تركيا العربي ومناطق البلقان الأوروبية.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني اعتراف بايدن بإبادة الأرمن؟.. وكيف جاءت ردود الفعل التركية والدولية؟

وربما من الصعوبة بمكان قراءة الاعتراف الأمريكي خارج إطار العلاقة غير الدافئة بين واشنطن وأنقرة، بعد وصول الديمقراطيين إلى الحكم، والقناعات الراسخة في الدولة الأمريكية العميقة بمؤسساتها المختلفة الفاعلة أنّ اتجاهات السياسات التركية بقيادة حزب العدالة، التي أبرمت اتفاقات وصفقات مع الرئيس دونالد ترامب، لا تفضي مخرجاتها بأن تكون تركيا دولة حليفة لأمريكا ولحلف الأطلسي، بل ذهبت داخلياً باتجاهات تؤكد الدكتاتورية والعمل ضد حقوق الإنسان والديمقراطية، وذهبت سياساتها باتجاه التحالف مع موسكو وتهديد أمن أوروبا والتدخل في شرق المتوسط ومناطق شرق أوسطية أخرى من بينها ليبيا وسورية، واتجاهات داعمة للإرهاب الأصولي. وإذا كانت أمريكا تنظر إلى القيادة الإيرانية بوصفها عدواً يمكن بناء تفاهمات معه، فإنها تنظر إلى القيادة التركية بوصفها حليفاً متمرداً، ولا بدّ من معاقبته، ولعلّ ما يلفت النظر هنا النظرة الأمريكية وحالة التوافق بين أغلبية من  الجمهوريين والديمقراطيين على معاقبة تركيا ومحاسبتها، خلافاً للنظرة إلى قوى إقليمية أخرى مثل إيران والمملكة العربية السعودية، وحتى إسرائيل، إذ تبرز تباينات بين مؤيدين ومعارضين لهذه القوى.

اقرأ أيضاً: وثيقة تاريخية.. كيف أدان الأزهر مذابح الأرمن قبل 100 عام؟

مرجّح أنّ تداعيات القرار الأمريكي في المدى المنظور لن تكون مباشرة وملحوظة، لكنها تشير إلى مواقف أمريكية لاحقة تجاه القيادة التركية، ستشكّل ضغطاً عليها، وخاصة في ملفات حقوق الإنسان، وربما دعم المعارضة التركية في الانتخابات القادمة، و"خاصّة أنّ أمريكا وأوروبا تفصلان بين الشعب التركي والقيادة التركية". ويشار هنا إلى إمكانية أن يتعرّض الموقف التركي لضغوط في العديد من ملفات المنطقة، ومن بينها الملف السوري، على ضوء احتمالات صفقات أمريكية جديدة تلوح في الأفق بين واشنطن مع كلٍّ من طهران وموسكو، والتي ستجد تجلياتها وترجمتها في الملف السوري قبل غيره من الملفات، خاصّة أنّ موسكو وطهران لا تثقان بالتزامات القيادة التركية.

تداعيات القرار الأمريكي لن تكون مباشرة، لكنها تشير إلى مواقف أمريكية لاحقة تجاه القيادة التركية، ستشكّل ضغطاً عليها، وخاصة في ملفات حقوق الإنسان، وربما دعم المعارضة التركية في الانتخابات القادمة

الاعتراف الأمريكي بإبادة جماعية للأرمن يعني على المدى المتوسط والبعيد فتح الباب على مصراعيه أمام الأرمن لرفع دعاوى ضد القيادة التركية في المحاكم الدولية الأمريكية والأوروبية، تتضمن مطالبات بالتعويضات المالية، التي سبق أن رُفضت لعدم وجود سند قانوني لها، وقد وفّره الاعتراف الأمريكي، واستعادة أملاك الأرمن في تركيا، وربما تفضي لتفريغ النصر العسكري التركي ـ الأذربيجاني ضدّ أرمينيا العام الماضي من مضمونه، وإعادة التفاوض على إقليم قرة باخ المتنازع عليه.

القيادة التركية، التي تضيق أمامها هوامش المناورة التي اعتادتها بانقلابات الرئيس أردوغان، ربما لا تفيد تركيا في هذه القضية، إلا في إطار استثمارها داخلياً من قبل الرئيس أردوغان في تحقيق شعبية انتخابية، على غرار تعاطيه مع الملف الكردي بوصفه تهديداً قومياً للأتراك، وهو ما يعني الذهاب بخطابات وسياسات "شعبوية"، أصبحت مرفوضة بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض.  

الصفحة الرئيسية