لماذا فشل الإسلام السياسي في تنمية السودان؟

لماذا فشل الإسلام السياسي في تنمية السودان؟

مشاهدة

07/10/2020

في 30 حزيران (يونيو) من العام 1989 قام عدد من الضباط بانقلاب على الحكومة الديمقراطية المنتخبة في السودان التي ترأسها الصادق المهدي، مرت الحكومة بأزمة اقتصادية وسياسية واكبتها احتجاجات وإضرابات عامة منذ نهاية العام 1988، كانت الحرب الأهلية وفشل الحكومة في الوصول إلى حل فيها قد خلقت شروطاً مسبقة للمغامرة العسكرية والقضاء على التجربة الديمقراطية الوليدة، ليأتي الانقلاب بالرئيس عمر البشير الذي سيحكم السودان طيلة 30 عاماً قبل عزله إثر ثورة شعبية.

يسعى كتاب "الإسلام السياسي ورأس المال الهارب، السودان نموذجاً" لتفسير نجاح الجبهة القومية الإسلامية بالاستيلاء على الحكم

وقع الانقلاب بتخطيط من الجبهة الإسلامية القومية التي يتزعمها الدكتور حسن الترابي، والمحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين في السودان؛ لتبدأ الدولة السودانية في أسلمة المجتمع وتأسيس حكم الشريعة الإسلامية، كما اخترقت البرلمان والحكومة والجيش والمنظمات المحلية والإقليمية ومنظمات رعاية المرأة والشباب، وقد قامت أيضاً بإنشاء منظمات الرعاية الخاصة بهم مثل شباب البناء ورائدات النهضة، وأقاموا الحملات التعليمية لأسلمة المجتمع من خلال الدولة، وفي نفس الوقت قاموا بالسيطرة على مؤسسات إسلامية خيرية من أجل الترويج لأفكارهم والتي أدت لنشر أفكارهم في المجتمع السوداني.

الإسلام السياسي وتأميم الدولة السودانية

يسعى كتاب "الإسلام السياسي ورأس المال الهارب، السودان نموذجاً" لعالمة الاجتماع السودانية الدكتورة خديجة صفوت إلى تقديم تفسير لنجاح الجبهة القومية الإسلامية في الاستيلاء على الحكم والالتحام بمفاصل الدولة وجهازها البيروقراطي.

غلاف الكتاب

يستند التفسير إلى فحص العلاقة بين النظام الاقتصادي الدولي الجديد وبين الإسلام السياسي، حيث ترى صفوت أن النظام الاقتصادي الدولي فرض تحديات جسيمة على الدولة الوطنية الحديثة باتجاهاته السياسية التقليدية؛ فقد شهد الاقتصاد الدولي عدداً من المتغيرات الجديدة أهمها تخطي رؤوس الأموال السريع للحدود وارتكازه على ثورة معلومات غير مسبوقة، وأنّه يتراكم فوق رأس الدولة القومية، في حركة المال وسوق الأسهم والسندات، ولا تملك الدولة سيطرة أو سلطة عليه، ولا تستطيع أن تفرض ضريبة عليه، أو تقيم أمامه الحواجز الجمركية، بالإضافة إلى عولمة رأس المال وتحول المال إلى سلعة تدر أرباحاً هائلة، فبالمقارنة مع الستينيات بلغت جملة الأعمال المصرفية الدولية مجرد 1% من الناتج القومي الإجمالي للاقتصاد العالمي مجتمعاً، فيما بلغت جملة الأعمال المصرفية ما بين 1970-1980 إلى 20% من الناتج القومي الإجمالي للاقتصاد العالمي.

ظواهر جديدة تهدد الاقتصاديات النامية

شهد الاقتصاد الدولي ظاهرة جديدة تعرف بـ "تجزئة الإنتاج" حيث أصبحت السلعة يتقاسم إنتاجها عدة دول، وقد أدت تلك الظاهرة إلى تعميق البطالة في بلدان العالم الثالث وتحويل العمال إلى مهمشين، حيث يتحول 80% من المنتجين إلى عمال متعاقدين، أي كعمال تراحيل وبرغم أنّ "تجزئة الإنتاج" يخفض سعر تكلفة الإنتاج، فإنّه وفقاً لمؤلفة الكتاب ترفع أو ترحل التكلفة الحقيقية للإنتاج من وحدة اجتماعية اقتصادية إلى أخرى، فالآثار الاجتماعية لتلك الظاهرة تتحمل الدولة تكاليفها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

ومع تزايد تلك التكاليف يتسع عجز الموازنة لتقع الدولة في فخ الاستدانة؛ حيث يساهم حجم رؤوس الأموال المتاحة والفائضة عن حاجة القطاعات الإنتاجية المختلفة في تسهيل عملية اقتراض دول العالم النامي.

اقرأ أيضاً: هل تحقق اتفاقية السلام في جوبا أهداف الثورة السودانية؟

وبعد عقود من تدخل الدولة في الاقتصاد تختزل الدولة نفسها مع الليبرالية الجديدة في دور "الدولة الحارسة".

أحزاب اليمين واليسار والتحديات الاقتصادية الجديدة

التحديات إذن التي تواجهها اقتصاديات العالم النامي بشكل غير مسبوق دفعت التيارات السياسية التقليدية إلى حافة العجز عن إيجاد حلول تكفل مواجهة تلك التحديات، ومع ذلك الفشل الذريع سيصاب الرأي العام بالإحباط وستتراجع نسب مشاركة المواطنين في التصويت في الانتخابات عالمياً.

مع الإحباط تصعد التيارات اليمينية المتشددة التي تسعى لتقديم إجابات سطحية عن أسئلة وتحديات عميقة

ومع الإحباط يصعد في سماء السياسة التيارات اليمينية المتشددة التي تسعى لتقديم إجابات سطحية عن أسئلة وتحديات عميقة، فيشحن شعار "الإسلام هو الحل" برغم عموميته طاقات المؤيدين لتيار الإسلام السياسي؛ ليصبح طوق نجاة لملايين المواطنين الذين سئموا من الحياة الحزبية الفارغة وغير الجادة ولكن سرعان ما يتبين للرأي العام إفلاس تلك الشعارات ولكن بعد فوات الأوان.

تؤكد صفوت أنّ النظام الاقتصادي العالمي يسعى لتفتيت الأسواق المحلية عبر تقسيم الدول نفسها إلى دويلات لا تمتلك مقومات الاستقلال الاقتصادي؛ لتتعمق تبعية اقتصاديات تلك البلدان للنظام الاقتصادي العالمي، وتعد السودان نموذجاً كاشفاً، حيث انقسمت إلى شمال وجنوب السودان بسبب الأخطاء الكارثية التي وقع فيها النظام الحاكم، ومع الانقسام فقد شمال السودان ثرواته النفطية الممكنة وبالتالي زادت تبعيته إلى الخارج.

مآزق الإسلام السياسي في السودان

تذكر الباحثة أنّ أول مأزق للدولة الإسلامية في السودان هو إقصاء عدد كبير من العاملين في الخدمة المدنية، والاستغناء عنهم ومن ثم خلق جيش من العاطلين، ومن هذا المنحى تأتي مشروعية الدولة لدى أغلبية ساحقة من المهنيين والعمال والنساء.

سرعان ما يتبين الرأي العام إفلاس شعارات الإسلام السياسي ولكن بعد فوات الأوان

وثاني مأزق تجد الدولة السودانية فيه عندما يصر رأس المال الإسلامي السياسي على البقاء في الخارج فالجميع كان يعلم أنّ الجبهة لديها رأس مال في البنوك الإسلامية في الغرب في الوقت الذي يعاني السودان من نقص شديد في الاستثمارات ومن أزمة اقتصادية تتفاقم يومياً.

وتقدر دراسة أجرتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة العام 1981 رأس مال الجبهة الإسلامية السودانية بالخارج بأكثر من 60 مليار دولار والجبهة عازفة عن استثمار رأس المال المتوفر لدى أتباعها وحلفائها من رجال المال والأعمال داخل السودان بسبب عدم استقرار الأحوال ومستفيدة من سعر الفائدة المرتفع بالمصارف الأجنبية.

أما المأزق الثالث فيتعلق بالحصار العسكري بانقطاع المعونات العسكرية في ظروف حرجة من الحرب الأهلية.

أول مأزق للدولة الإسلامية بالسودان إقصاء عدد كبير من العاملين الحكوميين ما أوجد جيشاً من العاطلين

تشير الباحثة إلى التناقضات بين الاسلام السياسي والاقتصاد الرأسمالي متعدد الجنسيات حيث ينزع الإسلام السياسي نحو اقتناص الدولة، في حين أنّ الدولة الجديدة بطبيعتها تدافع عن النموذج الليبرالي للتنمية الاقتصادية حيث تقوم بدور القابلة في عملية توفير الشروط المسبقة للتنمية الرأسمالية.

وفي حين تدعم الليبرالية مبادئ التعددية السياسية ينحاز الإسلام السياسي لفكرة الحزب الواحد، وينادي بتعزيز أجهزة السلطة والدولة الإسلامية والدستور الإسلامي من أجل نظام شمولي، ويقع التناقض بين النظام الإسلامي والنظام العالمي الجديد، وبرغم حدة التناقض ظاهرياً فنتيجة لضعف موقف النظام السوداني الواقع تحت الحصار يصبح لزاماً عليه التعامل مع هذا النظام وتقديم تنازلات ضخمة تسمح له بالاستمرار في الحكم.

الصفحة الرئيسية