الكلب الحائر بين الطهارة والدنس.. مدخل لفهم كيفيات استثمار رأس المال الديني

الكلب الحائر بين الطهارة والدنس.. مدخل لفهم كيفيات استثمار رأس المال الديني

مشاهدة

27/07/2020

نعم يا عزيزي القارئ، لم يخدعك بصرك، ولا هو خطأ مطبعي، المقال عن الكلب الحائر، وليس القلب الحائر، فالقلوب الحائرة وجدت دائماً من يتعاطف معها، في حين وقف صاحبنا ذو القوائم الأربع وحيداً في مأساته؛ فقد مرّ بالمقدّس سريعاً، حين ربض أمام كهف الفتية حتى عُدّ واحداً منهم، بيد أنّه لم يهنأ بتلك المكانة طويلاً؛ إذ وجد نفسه بعد ذلك منبوذاً دنساً، مطروداً هو وصاحبه من الجنة.

قبل أن أبدأ بسرد ما أودّ إبلاغه، أريد الوصول مباشرة إلى خلاصة حكايتي، حتى لا يتوه القارئ في شعابها، ثم يتهمني بتضليله. خلاصة المقال إنّ الإنسان الذكي يقتنص كل الفرص ويطرق كل الأبواب، مستعيناً بما لديه من مخزون معرفي أو صلاحية ثقافية أو تميز ديني، فيحيل الحق باطلاً، ويلبس الباطل ثياب الحق، بل ويقسم بالله إنّ ذلك قد حدث ولم يحدث، وإنّ هذا لم يحدث وقد شبع حدوثاً. سوف نطلق على هذا التلاعب مؤقتاً اسم "رأس المال الديني"، والذي تمثل الحكاية التالية مدخلاً أولياً لفهم أولى أشكال تراكم هذا النوع من رأس المال الثقافي، ونجاعته في دفع عملية تراكم الثروة.

لنعاود فتح الحديث من مدخل آخر؛ تعالوا لنحكي حكاية نصفها متخيل، ونصفها الآخر حقيقي. نبدأ بالمتخيل فنقول إنه كان هناك رجل يُدعى عكرمة، وهذا مؤكد، ففي كل الأزمنة وجد في الجزيرة العربية رجل يُدعى عكرمة. كان عكرمتنا رجلاً أعمى فقيراً، يسكن خيمة مهلهلة في إحدى وهاد صحراء نجد، مسلم هو عن اقتناع وإيمان كامل، يؤدي الصلوات الخمس مستهدياً بحواسه، وبقيظ النهار وبرد الليل، لمعرفة مواعيد الصلاة بالتقريب. كان يصوم رمضان، بل وحجّ البيت بمعاونة البعض. صحيح أنّه لم يكن يحسن إلى الفقراء، ولم يؤدِّ الزكاة يوماً، لكنه معذور في ذلك؛ فهو ذاته فقير يتحصل على قوت يومه بصعوبة، لكنّ ذلك لم ينتقص من إيمانه، ولولا إعاقته لشارك في الغزوات الإسلامية المقدسة.

امتلك هذا الرجل كلباً يمضي به في الطرقات، فيجنبه عثرات الطريق ويحميه من لص أحمق قد يظنه ممتلئ الجيب، فيذهب به إلى المسجد ليؤذن الفجر، ثم يعيده إلى بيته، ومثل ذلك في بقية الصلوات الخمس. نقول إنّ الأيام مضت على نحو حسن مع الرجل، حتى تعثر أحد المصلين بالكلب الرابض أمام المسجد منتظراً خروج صاحبه الأعمى ليعيده إلى بيته، ولسوء حظ صاحبنا المؤذن كان الرجل المتعثر بالكلب أحد رواة الحديث الثقاة، فهاج وماج، ورغى وأزبد، وصرخ في وجه مؤذننا الأعمى: ألم تعرف أنّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل الكلاب، إلّا كلب صيد أو كلب غنم، أو ماشية؟ فتذكّر عكرمة المؤذن حديث الرسول: "من اقتنى كلباً إلا كلب ضار أو ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان"، فخبط رأسه بيده ندماً وألماً، وبادر إلى التخلص من الكلب رغم ما أصابه من وجع. وكانت نهاية الحكاية الخيالية مبكية وحزينة؛ ففي اليوم التالي، يسلك المؤذن الأعمى طريقه اليومي قبل بزوغ الفجر، يسير مرتبكاً، يتحسّس طريقه بعصاه، فيسقط في حفرة ويموت شهيد الالتزام الديني.

غير أنّ النصف الحقيقي من الحكاية لم يكن مأساوياً شأن النصف المتخيل، فالواقع يفرض حلولاً غير متوقعة. فها هو ذا أبو هريرة نفسه يجد الحل من داخل الإيديولوجيا، مؤسساً، لما سنتناوله فيما بعد، لاستثمار رأس المال الديني. فأبو هريرة يمتلك، هو الآخر، كلباً يحرس ممتلكاته، لكنّ الرجل كان أكثر حصافة؛ فحصّن زرعه بكلب يحرسه، وحصّن كلبه بإضافة ثلاث كلمات فقط إلى الحديث الشريف المذكور أعلاه. ففي صحيح مسلم عن ابن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، إلا كلب صيد أو كلب غنم، أو ماشية، فقيل لابن عمر: إنّ أبا هريرة يقول: أو كلب زرع. فقال ابن عمر: إنّ لأبي هريرة زرعاً.
وفي صحيح مسلم أيضاً قال الزهري: فذكر لابن عمر قول أبي هريرة، فقال: يرحم الله أبا هريرة كان صاحب زرع. وفيه أيضاً عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال: من اقتنى كلباً إلّا كلب ضار أو ماشية نقص من عمله كلّ يوم قيراطان. قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان صاحب حرث.

فهذه الروايات نفسها التي وردت في صحيح مسلم تدلّ صراحة على أنّ أبا هريرة كان صاحب زرع.

لقد استخدم أبو هريرة الثقة التي يتمتع بها، بصفته راوياً للحديث، لتعديل النص، حماية لثروته وزراعته. بقول آخر، استخدم مخزونه من المعرفة والمهارة والثقة المجتمعية في آرائه الدينية، وقربه الحميم من الرسول، عليه السلام، ليخرج من مأزق الاختيار الإكراهي بين الدين والمصلحة الاقتصادية. فاستطاع بحيلة بسيطة الجمع بينهما، مستفيداً ممّا أسماه بيير بورديو برأس المال الثقافي. فقد عرّف بورديو هذا النوع الاجتماعي من رأس المال، باعتباره مجموع المنابت والينابيع والمصادر الثقافية التي ينهل منها الفرد، وتتوزع إلى العادات والتقاليد والأعراف والسرديات والأساطير والرمز والدين والفنون.  

إنّ ما امتلكه أبو هريرة، وافتقر إليه عكرمة، هو رأس المال الديني، الذي يتمثل، كما يقول روجر فينكي، في درجة حيازة الفرد على الثقافة الدينية وسيطرته عليها، من خلال تعلمه واكتسابه للمعرفة والشعائر الخاصة بدين معيّن، وتعود عليه بمنافع اجتماعية واقتصادية.

ولمّا كان لرأس المال الديني وجهاه؛ فإنه يحقق إفادة لمن يمتلكه، وهو في مثلنا التاريخي أبو هريرة، ويمارس عنفاً رمزياً على من يفتقر إليه، وهو في حالتنا عكرمة. فالأول استفاد، والثاني امتثل مكرهاً لما يخالف مصلحته، قابلاً بعلاقات الهيمنة المقرّة، ومعترفاً طواعية بالتقسيم التراتبي في مجتمعه، متوافقاً مع الموروث الديني، الذي تأسّس في اللّاوعي الجمعي للمجتمع بكامله.


الصفحة الرئيسية