"التباعد الجسدي" لا الاجتماعي سلاح إستراتيجي ضدّ كورونا

كورونا

"التباعد الجسدي" لا الاجتماعي سلاح إستراتيجي ضدّ كورونا

مشاهدة

02/04/2020

لم يكد عام 2020 يبدأ، حتى اجتاح فيروس كورونا العالم، في مدة لم تزد عن شهرين، وبدأت المعلومات تتوافد من كلّ مكانٍ حول خطره، وأعداد الإصابات والوفيات، وكعادتنا نحن البشر، انتشرت كذلك إشاعات لا حصر لها، تبدأ من نظرية المؤامرة، ولا تنتهي عند إيجاد لقاح تارة، ومن ثم الادعاء بأنّه لا يوجد علاج تارة أخرى، بينما يبدو أنّ العلماء والأطباء يعملون في صمتٍ، لا تبدّده المنافسة بين الدول على إيجاد لقاحٍ ناجع في أقصر وقت ممكن.

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت أكاذيب ملالي إيران في انتشار فيروس كورونا؟
وبينما يعمل المختصون، ويعلو ضجيج غير المختصين على وسائل التواصل، إضافةً إلى جهود الدول العربية والعالمية في تقليل الإصابات والضحايا، لا بدّ من وقفة طبية مع مختصين حول الفيروس، ومن الضروري أيضاً، تبيان رأي أطباء حوله، خصوصاً مع انتشار مصطلحات مثل: التباعد الاجتماعي، والمخالطة، والعدوى المتدحرجة.

التباعد والانتشار
يبلغ عدد الإصابات بفيروس كورونا المستجد، حتى اللحظة، أكثر من 828 ألف إصابةٍ حول العالم، وأكثر من 40 ألف حالة وفاة، إضافةً إلى أكثر من 174 ألف معافى، بحسب بيانات مساء أمس الثلاثاء.

اقرأ أيضاً: هل ستحكم أمريكا قبضتها على العالم بعد كورونا؟
خريطة العالم في الموقع العالمي المخصص لمراقبة انتشار المرض، ملونة باللون الأزرق؛ حيث ينتشر في أكثر من مئتين وخمسين دولة كانت الصين أولها، ثم أصبحت إيطاليا في قلب أوروبا بؤرةً انتشر المرض فيها بصورةٍ تعد الأكثر رعباً اليوم، بينما أصيبت باقي الدول بالداء ذاته تباعاً، إلى أن وصل إلى عالمنا العربي؛ إذ اتخذت معظم الدول العربية تدابير مبكرة بعدما شهدت ما حصل في إيطاليا والصين، وأخذ مصطلح التباعد الاجتماعي ينتشر محلياً، بينما قالت منظمة الصحة العالمية، مؤخراً، إنّه أصبح يعدّ نوعاً من أنواع العلاج، مع أنها غيّرته إلى "التباعد الجسدي".
وبسؤال استشاري الأمراض التنفسية والصدرية ومناعة البالغين، الطبيب محمود الشبول، عن هذا المصطلح، أكّد الشبول؛ أنّ "الفيروس الذي يعدّ عدائياً جداً حتى الآن يحتاج إلى إجراءاتٍ وقائيةٍ عالية المستوى، من أهمها فكرة التباعد الاجتماعي".

حماد والشبول: الالتزام بالتعقيم والتعليمات الرسمية والأخلاق الاجتماعية هي سلاح في مواجهة المرض وتضمن سلامة الناس والأنظمة الصحية

وقال الشبول لـ "حفريات"، عن فيروس كورونا" "حتى اللحظة لا يوجد علاج واحد محدد وناجع تماماً للكورونا، فهو يصيب مختلف الفئات العمرية، خاصة ممن يحملون أمراضاً مزمنة كأمراض القلب والجهاز التنفسي والسكري، وكذلك الحوامل، ولأنّ طبيعة تركيبة الفيروس تعدّ عدائية، وتنقل العدوى بين الناس سريعاً عن طريق رذاذ العطاس أو لمس الأسطح الموبوءة؛ فإنّ التباعد الاجتماعي هو الحلّ الأمثل لاتقاء المرض".
وأشار الطبيب إلى أنّ الأبحاث قائمةٌ الآن في العديد من الدول، غير أنّ "هذه العلاجات تحتاج إلى مزيدٍ من الوقت، وفي انتظارها، يوجد حلّ طبي واجتماعي أثبت أهميته عبر التاريخ، يجب اللجوء إليه، وهو العزل؛ إذ نبّه إلى أنّ المصاب الذي يتم عزله في المستشفيات، يعني تقليل  احتمالية إصابة أفراد المجتمع من حوله بالمرض، أما من تمّ عزلهم في بيوتهم بعد شفائهم، أو عزلهم وهم مرضى، كما يحصل في بعض الدول؛ فإنّ هناك معايير عالية للفرد كي يلتزم بها في منزله، من أهمها عدم مخالطة أفراد أسرته وعدم مشاركتهم أياً من حاجياتهم أو نشاطاتهم المنزلية، واستخدام التعقيم المستمر والالتزام بالنظافة الشخصية".

اقرأ أيضاً: "أوراسيا تايمز": الإمارات تبرز كاستثناء وسط فوضى "كورونا"
وكانت دولة الأردن، ودول عربية أخرى عديدة، قد اتخذت إجراءات وقائية مشددة وعالية المستوى من خلال إعلان حظر التجول وعزل المواطنين في بيوتهم للتقليل من خطر انتشار الفيروس، وقد انتشر مصطلح التباعد الاجتماعي عالمياً، حتى إنّ قواميس اللغة الإنجليزية أضافت أخيراً مصطلح "covidiot"؛ ويعني الشخص "الأخرق الذي لا يلتزم بالتعليمات الطبية والوطنية والإنسانية لحماية نفسه وحماية الآخرين من فيروس كورونا"، وذلك للتنبيه بكلّ الطرق الممكنة حول العالم، من خطر انتشار الفيروس، وأنّ التباعد الاجتماعي أضحى علاجاً ناجعاً اليوم، مع أنّ المطلوب اليوم ليس تباعداً اجتماعياً، بل تقارباً اجتماعيا وتباعداً جسدياً.

الخريطة العالمية المتغيرة للفيروس ونسبه حول العالم

الوعي ملاذ البشرية
في الأوضاع الطبيعية، لا تسهل السيطرة على الجموع البشرية إلا من خلال نوعٍ من الضبط الخارجي، والتنظيم الشخصي الذي يعتمد على الأفراد أنفسهم، وغالباً ما يكون الفرد المصاب بمرضٍ معين يخص جسده، مهتماً بوضعه الخاص، لكن حين يعم وباء مثل وباء الكورونا، أثبت علم الاجتماع أنه حتى غير المرضى يتأثرون اجتماعياً ونفسياً بالوباء؛ لذلك فإنّ التقليل من التجمعات ومنع التهافت على الأماكن العامة والأسواق، ومنع أيّة حالات هلع بسبب انتشار الإصابات، كانت مهمة حكومية لدى العديد من الدول اليوم، وقد شدّد عليها الأطباء المعتادون على التعامل مع الجمهور، إضافة إلى مهنتهم في مزاولة الطبّ.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت الطقوس الدينية في نشر فيروس كورونا؟
الطبيب العام في وكالة تشغيل وإغاثة اللاجئين "أونروا" في الأردن، السيد حسين حماد، قال: إنّ "مسألة التعامل مع الجمهور في حالات انتشار الأوبئة، ليست مسألةً صحية"، مؤكداً أنّ كلّ حالة إصابة بفيروس كورونا يتم عزلها والتعامل معها على حدة، سواء في المستشفيات أو في المنازل، لكن الأهم، هو الالتزام بالمعلومات الطبية الرسمية، وعدم اتباع الإشاعات".

وبسؤاله عن الإشاعات المنتشرة بين الناس عن خطر المرض، وما يقوله البعض كون الفيروس مخبرياً وليس طبيعياً، شدّد حماد على أنّ "العدوى العالية جداً بسبب انتقال الفيروس بعدة طرق، تستوجب من المواطنين التزاماً عالياً بتعليمات الدولة، ومتابعة وسائل الإعلام الرسمية لأخذ التعليمات منها، وعدم الالتفات للنظريات والمقولات غير العلمية المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي من أجل عدم نشر حالة من الهلع أو الفوضى بين الناس".
وقال خلال تصريحه الخاص بـ "حفريات": "الفيروس يمكن له البقاء على الأسطح مدة ثلاثة أيام، مما يجعله قابلاً للعدوى من خلال ملامسة الأسطح والاحتكاك بالمرضى أو أدواتهم الخاصة؛ لذا من الأفضل دوماً اللجوء إلى عدم الاختلاط قدر الممكن، والحفاظ على التباعد الاجتماعي".

الدول التي بدأت إجراءات التباعد الجسدي مبكراً ضمنت سلاحاً إستراتيجياً بعيد الأمد سيقلل من الإصابات والوفيات من الوباء

أما بالنسبة إلى الخوف من أعداد الوفيات والإصابات؛ فقد رأى الطبيب أنّ "نسبة الوفاة من الفيروس تعدّ غير كبيرة على الورق ووفق الإحصائيات، لكنّ أرواح المواطنين غالية في كلّ مكان، ويجب الحفاظ عليها، وربما تشكل إيطاليا مثالاً على عدم الالتزام مبكراً وانتشار الإشاعات في بداية انتشار الفيروس؛ لذلك فإنّ عدم الاستهتار بالخطر، يعدّ أيضاً حلاً لمكافحة الوباء".
دول عديدة انتشر فيها فيروس كورونا، وقد اتضح منذ البداية، أنّ أيّ دولةٍ اتخذت الإجراءات الوقائية اللازمة، وطلبت من مواطنيها الالتزام بالبقاء في منازلهم، والعمل منها لو أمكن، وعدم الخروج، هي التي نجحت إستراتيجياً وعلى المدى البعيد، في التقليل من أعداد الإصابات والوفيات بطبيعة الحال.
الطبيبان، الشبول وحماد، أشادا بالتجربة الأردنية في هذا المجال، وطمأنا المواطنين بأنّهم يملكون سلاحاً فعالاً في مواجهة الفيروس، وهو: التباعد الاجتماعي، التعقيم، وعدم الاستهتار، موجهين رسالةً إلى العالم كلّه أيضاً، أنّ الإنسان ليس فقط مجرد مستفيدٍ من النظام الصحي، بل إنّ أخلاقه الاجتماعية في هذه الأوقات العصيبة، هي أهم أداةٍ لحماية البشرية، وضمان عدم انهيار الأنظمة الصحية في أيّ مكان.

الصفحة الرئيسية