لماذا تزوّد إسرائيل المستوطنين بطائرات مسيّرة؟

لماذا تزوّد إسرائيل المستوطنين بطائرات مسيّرة؟

مشاهدة

02/03/2021

لم تفتأ حكومات الاحتلال الإسرائيلي، منذ حرب عام 1967، تتّخذ خطوات تهويدية تحمل مدلولات سياسيّة، للسيطرة على الأراضي الفلسطينية والاستيلاء عليها، عبر تمويل العديد من المشروعات الاستيطانية، التي تهدف إلى زيادة أعداد المستوطنين وتهديد الوجود الفلسطيني.

 وقرّرت الحكومة الإسرائيلية تزويد المستوطنين في الضفة الغربية بطائرات مسيّرة، لتعقّب ما تصفه بالبناء الفلسطيني غير الشرعيّ في المناطق "ج"، الخاضعة بالكامل للاحتلال الإٍسرائيلي.

إسرائيل تقوّض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتكرّس سيطرة الاحتلال والمستوطنين على كافة مناطق الضفة الغربية، والتي تحوّلت إلى كانتونات منفصلة 

وكشفت صحيفة "هآرتس"؛ أنّ وزارة المستوطنات أصدرت، في 31 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، معايير لتزويد المجالس الإقليمية لمستوطنات الضفة الغربية بموازنات خاصة، بهدف إقامة وتشغيل ما أسمته "أقسام دوريات أراض"، هدفها تعقّب البناء الفلسطيني "غير القانوني" في المناطق "ج".

وكان "المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان"، التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، قد كشف، في تقريره للعام 2020، أنّ الاحتلال هدم، خلال العام الماضي، 2700 بيت ومنشأة فلسطينية، وصادق على بناء أكثر من 15 ألف وحدة استيطانية في أراضي المنطقة "ج"؛ حيث وصف التقرير العامَ الماضي بأنّه "الأسوأ من حيث النشاط الاستيطانيّ خلال السنوات العشرين الماضية".

كثفت إسرائيل مؤخراً من أنشطة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية

ووفق اتفاق "أوسلو" للتسوية، بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، عام 1993، فقد تمّ تقسيم أراضي الضفة إلى ثلاث مناطق، وهي “أ” و”ب” و”ج”، وتخضع “أ” للسيطرة الفلسطينية الكاملة، و”ب” للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، والمنطقة “ج” تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتبلغ مساحتها 61% من أراضي الضفة.

وكان تقرير خاص أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، أشار إلى أنّ "ما يُقدّر بحوالي 300 ألف فلسطيني يعيشون في المنطقة (ج)، في 530 تجمعاً سكنياً، من بينها 241 تجمّعاً تقع بأكملها، أو جزء منها، في المنطقة (ج)، كما يعيش فيها أيضاً ما يقارب 341 ألف مستوطن إسرائيلي في حوالي 135 مستوطنة، وما يقارب من 100 بؤرة استيطانية.

ودعا مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراء حاسم، ردّاً على تكثيف إسرائيل مؤخراً لأنشطة الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، الأمر الذي يعدّ بمثابة رفض واضح لحلّ الدولتين.

وحذّر مايكل لينك، في بيان صحفي، في 30 كانون الثاني (يناير) 2019، من أنّ عدم ردّ المجتمع الدولي على هذه الخطوات الاستيطانية الإضافية، سيؤدي إلى تجاوز آخر مخرج على الطريق إلى ضمّ إسرائيل الأراضي، مشيراً إلى أنّ المجتمع الدولي أكّد، مراراً وتكراراً، أنّ المستوطنات الإسرائيلية هي انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة عام 1949، وأنّ المستوطنات هي أيضاً جريمة حرب افتراضية، بموجب قانون روما الأساسي لعام 1998م.

وكانت وزارة الخارجية الفلسطينية، قد بينت أنّ إستراتيجية "إسرائيل" الاستعمارية تتركز الآن في المناطق ”ج“، بغطاء أمريكي، معبّرة عن إدانتها للتغوّل الاستيطاني على حساب أرض دولة فلسطين.

اقرأ أيضاً: بتير .. جنة فلسطينية يسعى الاستيطان الإسرائيلي لجعلها جحيماً

وأضافت الوزارة، في بيان لها، في الرابع من آب (أغسطس) 2019: "إدارة ترامب، بفريقها المُتصهين، تحاول فرض الاستيطان وتدعو إلى التسليم به تحت شعار "الواقعية والواقع على الأرض"، كحقائق غير قابلة للتفاوض، ما دفع إدارة ترامب لتصميم مواقفها تجاه حلّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفق مصالح الاحتلال الاستيطانية"، مؤكدة أنّ "عدم تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بالاستيطان، خاصة القرار 2334، وعدم محاسبة سلطات الاحتلال على جرائمها، يُشجع اليمين الحاكم في تل أبيب أيضاً على التمادي في تنفيذ مخططاته التوسعية في المناطق المصنفة ج".

إبادة السكان الفلسطينيين

بدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، د.عماد البشتاوي، خلال حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "خطوة تزويد الاحتلال الإسرائيلي لمستوطنيه بطائرات مسيّرة، هي إجراء ينبع من فلسفة الحركة الصهيونية القائمة على المشاريع الاستيطانية؛ حيث يتسابق رؤساء حكومة الاحتلال من اليمين المتطرف على المشاريع الاستيطانية، لاستخدامها كورقة رابحة في دعايتهم الانتخابية خلال خوض الانتخابات الإسرائيلية"، مبيناً أنّ "المجتمع الإسرائيلي لن يقبل بحكومة صهيونية تشجب أو تعارض الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة".

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل، د.عماد البشتاوي

وتابع: "الهجمة الاستيطانية الشرسة في الضفة الغربية، تحديداً في المناطق "ج"، تأتي ضمن معتقدات الاحتلال بأنّها جزء من الأرض التوراتية المقدسة لليمين الديني، من خلال المزج بين الدين والسياسة"، موضحاً أنّ "الاحتلال يستند على الضوء الأخضر الأمريكي الممتدّ على مدار أربعة أعوام من حكم الرئيس الأمريكي ترامب، لزيادة الاستيطان والوصول إلى مليون مستوطن في الضفة الغربية خلال السنوات القليلة المقبلة".

ولفت البشتاوي إلى أنّ "لغة دولة الاحتلال هي لغة  قائمة على إقصاء الآخرين، وإبادة السكان الفلسطينيين، وإحلال المستوطنين بدلاً عنهم"، مشيراً إلى أنّ "60% من مساحة الضفة الغربية، التي تقدر مساحتها بثلاثة آلاف كيلو متراً مربعاً، هي أراضٍ تقع في المنطقة التي تسمى (ج)، وتتبع أمنياً وإدارياً للاحتلال الإسرائيلي، وهي امتداد للأراضي المحتلة عام 1948؛ حيث تمارس قوات الاحتلال ومستوطنوها عقوبات وتضييقات مستمرة على سكانها الفلسطينيين، من خلال منعهم من البناء والزراعة وإقامة المصانع والمنشآت، بحجة عدم الحصول على تراخيص مسبقة".

الأكاديمي الفلسطيني د.عماد البشتاوي، لـ "حفريات": تزويد الاحتلال الإسرائيلي لمستوطنيه بطائرات مسيّرة، إجراء ينبع من فلسفة الحركة الصهيونية القائمة على المشاريع الاستيطانية

عجز السلطة والفصائل 

وأكّد البشتاوي أنّ "الفلسطينيين، في ظلّ  تنامي الاستيطان الإسرائيلي، يمكن القول إنّهم وصلوا لنقطة اللاعودة لإنهاء ذلك السرطان الجاثم على أراضيهم، منذ ما يزيد عن خمسة عقود؛ حيث أصبح الحديث عن دولة فلسطينية، مع كافة هذه المعطيات، أمراً مستحيلاً وغير قابلة للحياة، بعد فقدان كافة المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية للتواصل الجغرافي مع بعضها، وهو ما سعت إليه دولة الاحتلال بعد نجاحها بفرض أمر واقع يفشل إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقبلية".

وأوضح الأكاديمي الفلسطينيّ؛ أنّ "السلطة الفلسطينية بقيت عاجزة وازدادت عجزاً بعد فشلها في تفعيل المقاومة الشعبية، والذي انعكس سلباً على الفصائل الفلسطينية، حتى التي تؤيد المقاومة الشعبية، كحركة حماس، والتي أعلنت، خلال وثيقتها الصادرة عام 2017، على الحقّ في المقاومة الشعبية، ليبقى الأمر مجرّد شعارات لا تلتزم بها السلطة وبعض الفصائل الفلسطينية، حتى وصل الأمر بهم لمرحلة الاستسلام النهائي، والذي مهّد الطريق أمام الاحتلال للاستمرار في توسيع مشاريعه التهويدية والاستيطانية".

ترهيب الفلسطينيين

من جهته، أكّد أستاذ القضية الفلسطينية في جامعة القدس المفتوحة، د. أسعد العويوي؛ أنّ "تزويد المستوطنين بطائرات مسيّرة رسالة إسرائيلية تهدف لتمكين المستوطنين من ترهيب السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية عامة، وفي المناطق المصنّفة "ج" خاصة، لفرض السيطرة والهيمنة على هذه المنطقة، ومنع قيام أيّ كيان فلسطيني قابل للحياة عليها".

ويضيف العويوي، خلال حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "الاحتلال الإسرائيلي يركّز في عملياته الاستيطانية على الضفة الغربية المحتلة، للتمدّد فيها وإبقائها تحت السيطرة الصهيونية، باعتبارها امتداداً جغرافياً للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وذلك منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967"، مشيراً إلى أنّ "مشروع ألون الذي تمّ طرحه على الحكومة الإسرائيلية خلال عام 1968، كمشروع للتسوية في المنطقة من وجهة النظر الإسرائيلية، كان هدفه الأساسي الحصول على مساحات كبيرة من الأرض مقابل البقاء على أقلّ عدد من السكان الفلسطينيين، بالإضافة إلى السيطرة على كافة المناطق الفلسطينية، حتى التي صنِّفت (أ ،ب) باتفاق أوسلو عام 1993، في حال اقتضت الضرورة الإسرائيلية لذلك".

 أستاذ القضية الفلسطينية في جامعة القدس المفتوحة، د. أسعد العويوي

وتابع: "إسرائيل تلجأ للسيطرة والاستيلاء على المزيد من الأراضي في المنطقة "ج"، تحت مسميات: أراضي دولة، ومناطق إطلاق نار، ومحميات طبيعية، وحدائق وطنية، وظهر ذلك جلياً مؤخراً من خلال قيام الاحتلال بشقّ طريق استيطاني جديد يلتهم العشرات من الدونمات في منطقة العروب بالخليل؛ حيث اقتلعت الجرافات الصهيونية العشرات من الأشجار المعمرة لتنفيذ مخططها الاستيطاني، بحجة أنّ المنطقة تقع ضمن أراض دولة، وهو مسمّى يتهدّد كافة المناطق في الضفة الغربية للاستيلاء عليها ومصادرتها".

اقرأ أيضاً: هذه أبرز محطات الاستيطان قبل "الدولة اليهودية"

وأكّد العويوي أنّ "الإجراءات الصهيونية تقوّض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ويكرّس سيطرة الاحتلال والمستوطنين على كافة مناطق الضفة الغربية، والتي تحوّلت مدنها إلى كانتونات منفصلة عن بعضها"، موضحاً أنّ "إقامة الدولة الفلسطينية لن تتمّ إلا إذا ألزم المجتمع الدولي إسرائيل بإزالة مستوطناتها من الضفة الغربية، والعودة إلى حدود ما قبل الرابع من حزيران عام 1967".

الصفحة الرئيسية