كيف يستثمر الاحتلال الإسرائيلي كل فرصة لمعاقبة غزة؟

كيف يستثمر الاحتلال الإسرائيلي كل فرصة لمعاقبة غزة؟

مشاهدة

31/07/2021

منذ إعلان الاحتلال الإسرائيلي وقف إطلاق النار من طرف واحد، في 21 أيار (مايو)، بعد حرب دامية شنّها الاحتلال على قطاع غزة، استمرّت 11 يوماً، عادت إسرائيل بحصارها لغزة إلى نقطة الصفر من جديد، بعد تشديد إغلاق المعابر، ومنع سفر المرضى، وكذلك رفضها تزويد القطاع بالمواد الخام اللازمة للمنشآت والمصانع المختلفة، وغيرها من الإجراءات التي تشكّل ابتزازاً حقيقياً لسكان غزة وفصائل المقاومة الفلسطينية أيضاً.

وكانت حركة حماس قد أطلقت، في العاشر من آذار (مايو)، ثمانية صواريخ على مدينة القدس، بعد رفض إسرائيل الاستجابة لتهديد الحركة بوقف الانتهاكات في الحرم القدسي وحي الشيخ جراح، وإطلاق سراح الفلسطينيين الذين اعتُقلوا خلال هبّة القدس الأخيرة.

وعدّت إسرائيل استهداف حماس لـ "عاصمتها"، في يوم الاحتفال بـ "توحيد شطري القدس" بعد احتلالها بالكامل في حزيران (يونيو) 1967، إهانة كبيرة، فسارعت إلى شنّ عملية "حارس الأسوار"، التي شملت قصفاً مُدمِّراً من الجوّ والبحر والبرّ ضدّ قطاع غزة، وبدورها ردّت حماس والجهاد الإسلامي وباقي الفصائل الفلسطينية على القصف الإسرائيلي بعملية "سيف القدس"، التي شملت إطلاق الصواريخ على مستعمرات غلاف غزة، ومدن وسط إسرائيل، وحتى جنوبها.

تصرّ إسرائيل على الاستمرار في سياساتها الإجرامية

ورغم حملات الانتقاد الدولية والإعلامية والحقوقية التي تعرّضت لها إسرائيل، لمحاولة ثنيها عن ممارسة سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها بحقّ السكان في غزة، والتي تنتهك بشكل واضح القوانين والمواثيق الدولية، إلا أنّها تصرّ على الاستمرار في سياساتها الإجرامية.

وفي وقت سابق، صرّح يحيى السنوار، رئيس حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في قطاع غزة؛ بأنّ اللقاء مع تور وينسلاند، منسّق الأمم المتحدة الخاص لعملية سلام الشرق الأوسط والوفد المرافق له كان سيئاً، ولم يكن إيجابياً، محذراً إسرائيل من مغبة مواصلة فرض الحصار على القطاع وابتزاز المقاومة والشعب الفلسطيني.

الاحتلال الإسرائيلي استطاع أن يستغل سيطرة حماس على قطاع غزة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية وحدوث الانقسام الفلسطيني لتمرير حصارها وتشديده

وذكر رئيس حماس بغزة، في تصريحات صحفية، في حزيران (يونيو) الماضي، أنّه تمّ إبلاغ ممثلي الأمم المتحدة بأنّ حماس لن تقبل باستمرار الأزمة الإنسانية في قطاع غزة، وأضاف أنّ الاحتلال يحاول ابتزاز المقاومة والشعب الفلسطيني، وهو مستمرّ في سياساته ضدّ الشعب الفلسطيني والأسرى، ولا توجد بوادر لحلّ الأزمة الإنسانية في غزة.

وظلّ قطاع غزة عرضة للتضييق الأمني والحصار الاقتصادي منذ أن خضع للاحتلال الإسرائيلي، إثر حرب 1967 بين إسرائيل ومصر وسوريا، لكنّ أشدّ فترات حصاره قسوة وأفظعها أثراً هي تلك التي بدأت في النصف الأول من عام 2006.

اقرأ أيضاً: فلسطينيون من غزة لـ "حفريات": الآن بدأت معاناتنا الحقيقية

وفي 30 أيار (مايو) 2016، قالت الناشطة الفرنسية ورئيسة جمعية "أورو فلسطين"، أوليفيا زيمور: "الناس في غزة يعيشون في معسكرات اعتقال والأطفال يموتون يومياً، وهذا الحصار فرضته إسرائيل لأنّ حركة حماس فازت بالانتخابات بطريقة ديمقراطية 2006، وهي انتخابات كانت انتصاراً لكلّ فلسطين المحتلة، وهذا العقاب الجماعي سببه فوز حماس غير المحبّبة للدول الغربية".

وعلى مستوى الوضع الإنساني؛ أكّد تقرير حقوقي إسرائيلي أصدره مركز "مسلك"، وهو مركز إسرائيلي للدفاع عن حرية الحركة، في 14 كانون الأول (أكتوبر) عام 2010؛ أنّ مجمل ما يسمح الاحتلال بدخوله إلى غزة لا يتجاوز 38% من احتياجات سكانه المطلوبة، والتي كانت تلبيها حوالي عشرة آلاف سلعة كانت تدخل إلى القطاع قبل صيف عام 2007.

وفي 30 أيلول (سبتمبر) 2012، صرّحت رئيسة المكتب التنفيذي لرابطة الحقوقيين الديمقراطيين العالمية، جيني ميلر، في مؤتمر صحفي عقدته هي و21 محامياً ومحامية من أعضاء اللجنة التنفيذية للرابطة في ختام زيارتهم لغزة؛ بأنّ "الحصار جريمة لأنّه يحرم الفلسطينيين من مقومات وسبل العيش الكريم، وذرائعه التي يسوقها الاحتلال غير قانونية لأنّها تعزل القطاع عن العالم الخارجي".

جريمة حرب واضطهاد جماعي

بدوره، يقول رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، وعضو مجلس أمناء منظمة القانون من أجل فلسطين، الدكتور صلاح عبد العاطي، في حديثه لـ "حفريات": "إسرائيل تحاول دائماً ابتزاز قطاع غزة والتلاعب باستحقاقات التهدئة، وذلك بعد وصول أحزاب متطرفة إلى سدة الحكم في دولة الاحتلال، والتي تتنافس في مجال انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، وهي أحزاب لا تؤمن بالحقوق الوطنية الفلسطينية كما وردت في قرارات الشرعية الدولية".

الدكتور صلاح عبد العاطي

وتابع: "دولة الاحتلال صعّدت من حصارها ضدّ غزة نتيجة حالة الانقسام الفلسطيني، وغياب رؤية جماعية للتعامل مع دولة الاحتلال، بما في ذلك التحلل من اتفاقية أوسلو، والتي لم تحترمها إسرائيل، في ظلّ الفيتو الأمريكي الحاضر، الذي يقطع الطريق على المجتمع الدولي، لضمان إلزام دولة الاحتلال بتقديم كافة التسهيلات واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني وأحكامه".

ولفت عبد العاطي إلى أنّ "الحصار الإسرائيلي يرقى إلى جريمة حرب واضطهاد جماعي، وهو أمر مدان دولياً، حيث طالبت الأمم المتحدة كافة دول العالم برفع الحصار المفروض على قطاع غزة، إلا أنّ دولة الاحتلال تتمسك بفرض هذا الحصار، طالما أنّ القطاع متمسّك بالمقاومة الشعبية والعسكرية، وذلك لتركيع السكان، وجعل القطاع غير صالح للحياة البشرية، في إطار دفع حركات المقاومة الفلسطينية إلى وقف النضال ضدّ الاحتلال الإسرائيلي".

محاسبة إسرائيل

وأوضح أنّ "كسر الحصار عن غزة لن يتحقق دون استمرار الجهود الوطنية لإنهاء حالة الانقسام، واستعادة الوحدة الوطنية، وتعظيم حالة الاشتباك الشعبي والدبلوماسي والقانوني مع دولة الاحتلال، لدفعها ثمن احتلالها وحصارها لقطاع غزة، وبعد ذلك نستطيع الحديث عن رفع الحصار الصهيوني الظالم على غزة".

وأكّد أنّ "إسرائيل، كسلطة احتلال، تفلت دائماً من العقاب على جرائمها، وذلك نتاج مؤامرة الصمت الدولية، وغياب التعاطي الجاد مع مساءلة إسرائيل، ومحاسبة قادتها كمجرمي حرب، في ظلّ غياب إستراتيجية وطنية لتدويل هذا الصراع، واستغلال الأدوات التي أتاحها انضمام فلسطين لمحكمة الجنايات الدولية، والولاية القضائية الدولية، بما في ذلك استخدام القضاء الوطني الفلسطيني، وكذلك في ظلّ استمرار حالة الانتظار والمراوحة على المفاوضات من قبل القيادة السياسية الفلسطينية".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تسعى لاستبدال نظام المساعدات الأجنبية لأهل غزة... ما هدفها؟

وبيّن عبد العاطي أنّه "لن يتم اللجوء لمحاسبة إسرائيل إلا عندما تستمر حركة المقاطعة وتبنيها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد أن يدرك العالم جرائمها وانتهاكاتها الجسيمة، وتبدأ دولة الاحتلال بدفع ثمن احتلالها، عندها يمكن الحديث عن توقّف الانتهاكات الإسرائيلية ولجمها، ومساءلة إسرائيل".

تداعيات خطيرة

وأوضح عبد العاطي: "التداعيات الخطيرة لاستمرار الحصار كارثية، مع ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وانعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة إلى ما يقارب 70%، وارتفاع معدلات البطالة إلى 56%، وبين الشباب إلى 70%، إضافة إلى انقطاع خدمات التيار الكهربائي، وعدم صلاحية مياه الشرب، وتراجع مستوى الخدمات، وكذلك توقف عمل المصانع نتيجة منع دخول مواد الخام، وإعاقة عملية إعادة إعمار غزة، ومنع مواد البناء وهو أمر يدفع سكان غزة للعيش في مستوى كارثي، وهو ما ترغب إسرائيل في تحقيقه، للضغط عليهم وثنيهم عن مقاومة الاحتلال، وضمان جعل الحصار مقبولاً على المجتمع الدولي، من خلال إجراءات تخفيفية لا ترقى إلى مستوى رفع الحصار".

الأكاديمي الفلسطيني، الدكتور عبد المجيد سويلم لـ"حفريات": عودة المقاومة الفلسطينية لمربع المواجهة العسكرية مجدداً ليس أمراً سهلاً، بعد تحقيقها انتصاراً معنوياً أكثر من كونه مادياً

وبسؤاله عمّا إذا كانت الجهود الدولية والإقليمية المبذولة لتثبيت وقف إطلاق النار تبيّن رغبة جميع الأطراف لعدم العودة إلى مربع المواجهة العسكرية، قال عبد العاطي إنّ "هناك رغبة في عدم عودة الجميع إلى المواجهة العسكرية، إلا أنّ دولة الاحتلال ترغب في تقليص الاستفادة الفلسطينية من المواجهة الشاملة، وتستمرّ في مواصلة انتهاكات حقوق الإنسان في غزة والقدس والضفة، في ظلّ وجود حكومة يمينية متطرفة، وهذا أمر قد يدفع بعودة المواجهة العسكرية في حال لم تلتزم دولة الاحتلال بجهود الوسطاء، وعلى رأسهم مصر"، مبيناً أنّ "المقاومة الفلسطينية تحاول استنفاد جهود الوسطاء قبل وقوع أيّة مواجهة عسكرية، والتي يبقى اندلاعها أمراً محتملاً طالما لم تخفّف دولة الكيان الحصار وصولاً إلى رفعه، إضافة إلى ضرورة التزامها بالحدّ الأدنى من قواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".

ابتزاز غزة وتشديد حصارها

ويرى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور عبد المجيد سويلم؛ أنّ "الحكومة الإسرائيلية الجديدة، رغم هشاشتها وصعوبة توقّع صمودها وبقائها في سدة الحكم عند أول خلاف قد يقع بين مكوناتها، إلا أنّ قضية غزة وابتزازها هي من القضايا المتوافق عليها داخل هذه الحكومة، من خلال إصرارها على عدم تخفيف الحصار المفروض إلا باسترجاع جنودها الأسرى لدى المقاومة الفلسطينية".

الدكتور عبد المجيد سويلم

وتابع سويلم: "عودة المقاومة الفلسطينية لمربع المواجهة العسكرية مجدداً ليس أمراً سهلاً، بعد تحقيقها انتصاراً معنوياً أكثر من كونه مادياً، في حين تفرض مواصلة الاحتلال لابتزاز القطاع على المقاومة ألا تبقى مكتوفة الأيدي، مع إمعان إسرائيل في تشديد الحصار، وعدم اهتمامها بحالة البؤس التي وصل إليها سكان القطاع"، موضحاً أنّ "دولة الكيان لن تستطيع فرض شروطها على المقاومة بغزة، والمضي قدماً في مفاوضات وقف إطلاق النار، دون شروط تأتي بنتائج جدية على الأرض".

قضية عالمية

ولفت إلى أنّ "الاحتلال الإسرائيلي استطاع أن يستغل سيطرة حماس على قطاع غزة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية وحدوث الانقسام الفلسطيني لتمرير حصارها وتشديده، وما يدلل على ذلك أنّ المجتمع الدولي يتضامن بشكل كبير مع غزة ويرغب في إنهاء الحصار الصهيوني على القطاع بصورة أو بأخرى، لكنّه يبقى غير متفهّم لإطلاق المقاومة للصواريخ على إسرائيل، بالتالي، حتى إن خُفِّف الحصار أو انتهى فستبقى الاحتياطات الأمنية الإسرائيلية المشددة على المعابر، وسيكون هناك نوع من الحصار، لأسباب سياسية، لا أمنية".

اقرأ أيضاً: الخلافات السياسية الفلسطينية تؤخر عملية إعادة إعمار غزة؟

وأكّد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني؛ أنّ "مطالبة وزير الخارجية الفلسطيني قبل عدة أشهر لدول عدم الانحياز بالوقوف عند مسؤولياتها عمّا يتعرّض له الشعب الفلسطيني من جرائم شرسة ترتكبها قوات الاحتلال، تأتي في ظلّ الدعم الدولي الكبير وغير المسبوق للقضية الفلسطينية، إضافة إلى الأدوار العربية المشرّفة لكلّ من الأردن ومصر في دعم الفلسطينيين وقضيتهم العادلة على مختلف الأصعدة"، مبيناً أنّه "يجب التعويل على هذه الدبلوماسية بعد أن أصبحت القضية الفلسطينية قضية عالمية مرتبطة بالمجتمع الدولي والقوى العالمية المؤثرة".

الصفحة الرئيسية