كيف يتحول الأسوياء إلى أعضاء بخلايا العنف؟

كيف يتحول الأسوياء إلى أعضاء بخلايا العنف؟

مشاهدة

27/06/2021

لم يتفق الخبراء على أبعاد أساسية لتحوّل الأسوياء إلى أعضاء متطرفين، فكثيرون منهم يحيلون الظاهرة إلى التنشئة الاجتماعية والعوامل الذاتية، والأخرى المحفزة، أو الإفراط في التدين، واستقبال تلك العناصر لما يعتبرونه دليلاً إرشادياً إلى التطرف العنيف.

استراتيجية استقطاب الأعضاء

يقول نسيم بهلول في كتابه عن السلفية الجهادية: إن الجماعات وضعت خطة لتسليح الأمة والتحرك على العدو من خلال أمة مسلحة تعمل على رقعة جغرافية مهولة من خلال: الدعوة لتجييش الأمة من خلال برنامج عملياتي ناجح لإكسابها الثقة في القدرة على تحقيق النصر، وأنّ هذه الدعوة لتجييش الأمة لا بد أن يسبقها تشكيل خلايا مسلحة تمثل الطليعة المقاتلة، وتوسيع رقعة الصراع جغرافياً، من أجل تشتيت قوة العدو.

 تحرص التنظيمات على توفير إجابات للتساؤلات الحائرة الساكنة في عقول المستهدفين بالاستقطاب

وتعتبر جماعة الإخوان هي العمدة والمرجعية في التنظير لاستقطاب الأعضاء، وفي الكتاب الذي تقوم الجماعة بتدريسه في محاضنها التربوية (الدعوة الفردية) يقسّم مرشد الجماعة الأسبق، مصطفى مشهور، الدعوة إلى جماعية علنية، وفردية سرية مباشرة، ومراحلها هي:

الأولى: إيجاد صلة وتعارف بمن تريد دعوته وإشعاره عملياً باهتمامك به والسؤال عنه إذا غاب، وغير ذلك دون الحديث في أي أمر من أمور الدعوة حتى ينفتح قلبه ويتهيأ لاستيعاب ما يُقال له ليستفيد منه.

الثانية: إيقاظ الإيمان المخدر في نفس المدعو، ولا يكون الحديث حول قضية الإيمان مباشراً، ولكن الأفضل أن يأتي طبيعياً وكأنه دون قصد، بانتهاز فرصة رؤية طائر أو نبتة أو حشرة أو أي مخلوق من خلق الله ويتحدث معه عن قدرة الله وإبداعه وعظمته في هذا الخلق، وهكذا بمثل هذا الحوار وتكراره والتفكر في خلق الله سيثمر بإذن الله تنزيهاً وتعظيماً وتقديساً لله سبحانه.

الثالثة: معاونته في تدارك حاله بالتعرف على طاعة الله والعبادات المفروضة وممارستها، والانتظام فيها، والابتعاد عن المعاصي والتحلي بالأخلاق الإسلامية، ويفضل تزويده بما يقرؤه من الكتب الميسرة في العقيدة والعبادة والأخلاق، كما يُدعى إلى حضور بعض الدروس والمواعظ.

 من الاستراتيجيات المهمة والرئيسية التي يستخدمها التنظيم المتطرف لاستقطاب أعضائه الجدد طمس شخصيتهم المتفردة والمستقلة

الرابعة: توضيح المعنى الشمولي للعبادة، وعدم قصره على الصلاة والصوم والزكاة والحج، ولكن يشمل كل مناحي الحياة مثل الدعوة والجهاد.

الخامسة: يوضح فيها للمدعو أنّ الإسلام لا يكتفي منا بأن نكون مسلمين في ذواتنا كأفراد نؤدي العبادات ونتحلى بالأخلاق الحسنة ولا نؤذي أحداً ولا شيء غير ذلك، بل إنّ إسلامنا دين جماعي.

السادسة: الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه: مع أي جماعة يعمل؟

اقرأ أيضاً: مرتزق يكشف عمليات تجنيد الأطفال والفظائع التي ارتكبها أردوغان في عفرين

أما في تنظيم القاعدة فقد عرّف أبو عمر القاعدي، في دورته للتجنيد، الدعوة الفردية قائلاً: "اتصال الداعية بالمدعو اتصالاً شخصياً مباشراً بهدف إحداث نقله في مقدار تمسكه والتزامه بالإسلام، بحيث تتحقق فيه سمات المسلم الصالح ويتوفر لديه الاستعداد للقيام بواجب الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله من خلال الانتظام في صفوف المجاهدين".

ووفق أبي مصعب السوري، يبدأ تكوين الجماعات الجهادية المسلحة عبر فتح الإمكانية للمشاركة أمام المتعاطفين مع الجهاد، وتحويل نبضاتهم العاطفية إلى ظاهرة يتم توجيهها واستثمارها، ثم إنشاء خلايا متنوعة لا ترتبط تنظيمياً، وتجمع ما بين المركزية على صعيد الانتماء والشعارات والرموز والأفكار، وبين عدم الارتباط المركزي بحيث لا يمكن إجهاضها أمنياً، ويتم ربط كل أطياف الخلايا والسرايا والأفراد، الذين يتم دعوتهم، بـ3 روابط، هي: الاسم المشترك والبيعة، والعقيدة المشتركة، والهدف المشترك، وذلك لتحقيق المردود السياسي والهدف، ثم إرشاد المدعوين إلى أن تعد كل مجموعة نفسها بنفسها، على ما يلزم من العمل العسكري، بدءاً من أساليب المقاومة الشعبية وانتهاءً بالعمليات الاستراتيجية المعقدة، ومروراً بكل أشكال ومستويات عمليات العصابات سواء كانت في المدن أو الأرياف. على هذا تتكون كل سرية من فرد أو أكثر، وتكون وحدة مستقلة يرأسها أميرها ويدبر شؤونها، وتتجه للعمل العسكري مباشرة ولا تتجه لأي شكل من أشكال التنظيم والدعوة والتحريض وسوى ذلك من أعمال الجماعات السرية، بل تختار هدفها وتهاجمه، وتبلغ أي وسيلة إعلام باسمها الخاص الذي اختارته، وتعلن مسؤوليتها عن العمل الذي قامت به .

المسار النفسي للتطرف

وفق دراسة حملت عنوان "ظاهرة الذئب المنفرد: تقييم الملفات الشخصية" لِأورلاندري دانزل، وليساندرا مونتانيز، نشرتها جامعة ميرسي هيرست بالولايات المتحدة، في دورية “Behavioral Science of Terrorism and Political Aggression”  في أيلول (سبتمبر) 2015 ، فإنّ التطرف العنيف عملية شخصية، يتبنى الفرد خلالها مُثُلاً وتطلعات سياسية أو اجتماعية أو دينية متطرفة، ويسعى لتحقيق أهداف هذه التطلعات من خلال استخدام العنف العشوائي، وبشكل عام فإنّ عملية التطرف هي مسار نفسي، إذا توافرت الظروف المناسبة له، يمكن أن يلحق بأي شخص أو جماعة أو أمة.

 الإخوان العمدة والمرجعية في التنظير لاستقطاب الأعضاء ولديهم كتاب يُدرس في محاضنهم التربوية هو "الدعوة الفردية"

أكدت الدراسة أنّ المقاربات النفسية والاجتماعية بقدر ما هي تحاول أن تعطي مرجعيات شاملة تتسبب في الجنوح للعنف والتطرف، فهي تطرح مجموعة واسعة من المتناقضات في الوقت نفسه، وفي هذا السياق فهناك تفسير لعملية تحول الإنسان إلى الشر يمكن توظيفها لفهم العوامل المؤدية للسلوك الإرهابي المتطرف، وهي ثلاثة عوامل تعمل مجتمعة وتتفاعل فيما بينها، وهي:

ـ السمات الشخصية للفرد واستعداده النفسي ونزعته لسلوك معين، وهذا يتشكل من خلال الأساليب التربوية والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها، ما يجعل بعض الأفراد، ونظراً إلى تكوينهم النفسي، أكثر احتمالاً للتأثر بالأفكار المتطرفة والقيام بأعمال عنف وإرهاب .

ـ المنظومة الثقافية والاجتماعية والسياسية التي يعيش فيها الشخص، وتشمل المعايير والأنظمة والقوانين والمعايير الاجتماعية، وثقافة المجتمع بشكل عام وتشمل البيئة على المستوى المحلي أو العالمي .

ـ السياق الآني الذي يوجد فيه الشخص في وقت من الأوقات، فهو قد يشكل دافعاً للفرد لتبني موقف أو سلوك معين، وتدخل تحت ذلك السياق المؤثرات الاجتماعية والإعلامية وغيرها .

تشكيل الطاعة الكاملة

لا تكتفي التنظيمات باستقطاب عناصر، بل بتحويلهم إلى أعضاء كاملين يظنون إنما يقدمون هدية للدين الإسلامي تضعهم على طريق الجنة، ومن أجل هذا تلبي لهم الاحتياجات النفسية الرئيسية، حتى ليبدو أنّ العامل النفسي هو الأكثر اهتماماً من العامل الديني؛ لأنّ المعركة الحقيقية للاستقطاب تدور حول عقول المتحمسين وقلوبهم، ولا يتصور كسبها بالاعتماد على مرتكزات دينية فقط!.

اقرأ أيضاً: صحيفة بريطانية تكشف طرق تجنيد حزب الله للمرتزقة السوريين

تحرص التنظيمات على توفير إجابات للتساؤلات الحائرة الساكنة في عقول المستهدفين بالاستقطاب، وهي أسئلة نشأت بالأساس من منطقة عدم اليقين حول المستقبل مثل "ماذا سيعمل، إلى أين يذهب، ماذا سيقدم في حياته"، هنا تأتي مهمة التنظيم بتوفير أجوبة قطعية بطريقة "أسود أو أبيض" مباشرة، ويعد بحلول سريعة للمشكلات التي تواجه الأفراد والمجتمعات والأمة الإسلامية بشكل عام.

إنّ الاستراتيجيات المهمة والرئيسية التي يستخدمها التنظيم المتطرف لاستقطاب أعضائه الجدد تعتمد بالأساس على طمس شخصيتهم المتفردة والمستقلة، من خلال إدخالهم في نمط التفكير الجمعي والالتزام بأفكار الجماعة والطاعة العمياء لها، وذلك عن طريق: تصويره على أنه بطل سيكون له إنجازات، وسيشار إليه بالبنان، وكذا استثمار الغضب وفتح أبواب الانتقام، وتقديم البديل في الفردوس الأرضي بفكرة "الدولة الإسلامية" لدى القاعدة وداعش، و"أستاذية العالم" لدى الإخوان، كحل نموذجي شامل وغامض في آن واحد، في مواجهة الإحباط والشعور باليأس والبنية النفسية الهشة عند بعض الشباب، وعدم تمتعهم بشخصية مستقلة، أو القدرة على مواجهة الضغوط أو المغريات.

الصفحة الرئيسية