كيف مثّل اشتراك العثمانيين بالحرب العالمية الأولى كارثة على العرب؟

أردوغان

كيف مثّل اشتراك العثمانيين بالحرب العالمية الأولى كارثة على العرب؟

مشاهدة

01/03/2020

بعد أحداث الربيع العربي، وتَصدّر جماعة الإخوان المسلمين المشهد في عددٍ من البلاد العربية، ظنّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ حلمه بإحياء الخلافة العثمانية سيرى النور قريباً، إلّا أنّ آماله ذهّبت أدراج رياح الرفض الشعبي العربي.

عادت لتسيطر على أردوغان أوهام الماضي حاسباً نفسه في نفس موقف العثمانيين بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى

رغم خيبة أمل أردوغان، عادت لتسيطر عليه أوهام الماضي، وكأنّه يحسب نفسه في نفس موقف العثمانيين بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، وعليه أن يخوض "حرب استقلال"، مثل التي خاضها أتاتورك للاستقلال بالمنطقة التي تشكّل تركيا الحديثة، إلّا أنّ هناك فوارق بين الرجلين، من بينها واقعية أتاتورك الذي اكتفى بقضم قطعة من أراضي الأرمن والعرب والأكراد، في حين يطمع أردوغان في بلاد العرب كافّةً.
خلال افتتاحه طريق برّيّ في أزمير، كشف أردوغان عن هذا الهاجس المبيت، وفق ما نقلته صحيفة العرب، بتاريخ 24 شباط (فبراير) الماضي بقوله: "إن لم نجعل تركيا تتبوأ المكانة التي تستحقّها مع تغيّر موازين القوى في المنطقة، ستكون حياتنا على هذه الأراضي صعبة جداً في المستقبل؛ لذلك أقول إنّنا نخوض نضال الاستقلال مجدّداً".

الدولة العثمانية كانت قادرة على تجنب عواقب الحرب العالمية الأولى لو لم تتورّط فيها بجانب ألمانيا
فعن أيّ نضال يتحدّث، فلا تحتل أية قوّة أرضاً تركية، ولم يبادر أحدٌ بمعاداتها، بل من بدأ بالعداوة كان أردوغان، إلّا أنّ فهم ذلك يستقيم عند من يدركون حقيقة الأطماع التركية في المنطقة العربية، تلك الأطماع التي اختارت قيادة جماعة الإخوان أن تعمل على تنفيذها، وتلوينها أمام الرأي العام العربي كي لا ينفّر منها.

الأطماع التركية بالمنطقة اختارت قيادة الإخوان أن تعمل على تنفيذها وتسويغها أمام الرأي العام العربي

تزول الغرابة من موقف الإخوان الاستسلامي تجاه أردوغان وتركيا، حال فهم اللحظة التأسيسية التي انبثقت فيها الجماعة؛ ردّاً على إلغاء الخلافة العثمانية، فتأسّست الجماعة بهدف إحيائها، فكانت مهيأة منذ نشوئها لاتباع أيّ داعية تركي لنفس الحلم، وهو ما استغلّه أردوغان بكفاءةٍ.
من الواضح أن أردوغان لم يتعلّم من درس التاريخ، الذي أطاح بأطماع الباشوات الثلاثة (أنور باشا، طلعت باشا، جمال باشا)، الحكّام الحقيقيين للسلطنة العثمانية بين عامي (1913-1918)، وأصحاب قرار الدخول في الحرب العالمية الأولى بجانب ألمانيا، بالدولة العثمانية، وتسبّبت في القضاء على ما تبقى منها، وفرارهم إلى خارج تركيا، هرباً من عقاب الشعب.
وكما لم يستمع هؤلاء لصوت الحكمة الّذي طالبهم بالوقوف على الحياد في الحرب، لم يستمع أردوغان للأصوات الحكيمة المعارضة للتدخّل في شؤون دول الجوار، والرافضة لأوهام الخلافة، تلك التي استنكرها أردوغان بقوله في افتتاح طريق أزمير: "في الوقت الّذي نخوض فيه عمليات نضالية حرجة في سوريا وليبيا والبحر المتوسط، نلاحظ قيام بعض الأطراف بإطلاق نقاشاتٍ داخليةٍ لا تستند إلى أية أدّلة، ولا تعود بأيّ فائدةٍ على الديمقراطية والاقتصاد والأمن في تركيا، وإنّما الهدف منها التفريط في الطاقات التركية".

اقرأ أيضاً: مرة أخرى.. أردوغان يستخدم اللاجئين

درجت الدولة العثمانية في القرن ونصف القرن الأخير من عمرها على التبعية لإحدى القوى الأوروبية

القومية العربية

تمثّلت المشكّلة الأساسية في العلّاقات العثمانية – العربية حتّى العام 1918 في إصرار العثمانيين على التعامل مع العرب بوصفهم شعوباً مهزومةً، عليها الخضوع للسيّد العثماني المنتصر، في ظلّ عالم شهد تغيّرات كبيرة، وظهرت فيه مفاهيم المواطنة، والدولة القومية، والحرية .. إلخ، وهي التغيّرات التي لم يدركها العثمانيون، وأصرّوا على مقاومتها، والتمسك بمفاهيم الغزو والهيمنة التي تعود إلى عالم العصور الوسطى.
أدّى ذلك إلى الصدّام بين العرب والعثمانيين، ونمت مشاعر القومية العربية الطامحة إلى إنقاذ العرب من الأوضاع المزرية التي يعيشونها في ظلّ الحكم العثماني، والذي زادت وطأتها مع سيطرة حزب الاتحاد والترقي التركي على السلطة في إسطنبول، ومعاداته لجميع الشعوب غير التركية، وفرضه التتريك عليهم.
لم يكن الاستقلال عن العثمانيين هدفاً في حدّ ذاته للعرب، بل وسيلةً للغاية المرجوّة وهي تحسين أوضاعهم، ولم يعارض أغلب القوميّين العرب البقاء في الدولة العثمانية، طالما تحقّقت مطالبهم، وعُومل العرب على قدم المساواة مع الأتراك، إلّا أنّ التعنّت التركي، والإصرار على معاملة غير الأتراك بصفتهم شعوباً خاضعةً، أدّى إلى ارتفاع سقف المطالب العربية، وصولاً إلى مطلب الاستقلال التامّ، والذي وجد التعبير الأسمى عنه في الثورة العربية الكبرى عام 1916، والتي دعمها الإنجليز لتوافقها مع مصالحهم.

التبعية العثمانية لألمانيا
درجت الدولة العثمانية في القرن ونصف القرن الأخير من عمرها على التبعية لإحدى القوى الأوروبية، بهدف حمايتها من أطماع قوى أوروبية أخرى. فحلّت فرنسا ثمّ إنجلترا في المرتبة الأولى بين الدول الأوروبية ذات الحظوة لدى العثمانيين، بما وفّروه من دعم سياسيٍّ وعسكريٍّ في مواجهة أعداء العثمانيين التقليديين من النمسا ثمّ روسيا القيصرية.

بدلاً من الاستثمار في حلّ مشاكلهم اختار حكّام إسطنبول الانجراف وراء أوهام العظمة والاستبداد

أتى الدعم الأوروبي في إطار سياسة حفظ توازن القوى الأوروبية، التي منعت دولة منفردة من الاستئثار بقرار حول الدولة العثمانية، وهو المبدأ الّذي أطال عمرها، وأوقف التقدم الروسي على حسابها، لمدّة قرن ونصف القرن، بحسب كتاب "العصر العثماني من القوّة والهيمنة إلى بداية المسألة الشرقية" لفريق من الباحثين، بإشراف نادية محمود مصطفى.
ظلّت بريطانيا ذات مكانة كبيرة لدى العثمانيين، فقد تلاقت مصالح الطرفين، فمن ناحية عملت بريطانيا على تقوية العثمانيين، ليقفوا حاجزاً أمام التقدّم الروسي نحو المياه الدافئة في البحر المتوسط، وهو الأمر الّذي يهدّد مواصلات بريطانيا مع مستعمراتها في الهند، لذلك جاء القرار البريطاني باحتلال مصر العام 1882 في إطار حماية الطريق مع المستعمرات البريطانية عبر قناة السويس.
وفي الجهة الأخرى استفاد العثمانيون من الدعم البريطاني في مواجهة روسيا؛ فقد تدخّلت لصالحهم مرّات عدّة منها أعوام 1822، و1840، وحرب القرم 1853، والحرب الروسية العثمانية 1877، وفي مؤتمر برلين 1877، ولولا التدخّل البريطاني لاحتلّ الروس إسطنبول، بعد أنّ أوقفتهم تهديدات بريطانيا على بعد عدّة أميال منها، كما ذكر فيليب مانسيل في كتابه "القسطنطينية – المدينة التي اشتهاها العالم (1453-1924)".

اقرأ أيضاً: "سفر برلك" مأساة يجددها أردوغان
شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر صعود ألمانيا كقوّةٍ أوروبيةٍ، تسعى لنيل حصّةٍ من الامتيازات والنفوذ في الدولة العثمانية، وحصّةً من المستعمرات. لم تكن لألمانيا عداوات مع العثمانيين، فلم تحتل أراضي عثمانية كما فعلت بريطانيا باحتلال مصر، وفرنسا باحتلال الجزائر وتونس، ممّا جعلها محطّ قبولٍ من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، ورجال دولته.
تغلغلت ألمانيا في الدولة العثمانية اقتصادياً بما نالته من مشاريعٍ وامتيازاتٍ واستثماراتٍ، وعسكرياً عن طريق صفقات الأسلحة وتدريب الجيش العثماني وابتعاث الضبّاط العثمانيين إليها، وسياسياً بما حازته من نفوذٍ في الجيش العثماني، وصل إلى حدّ الهيمنة على القرار السياسي العثماني.

 

 

مغامرة الحرب العالمية
حتّى العام 1914 كانت الدولة العثمانية تحكم الحجّاز، والعراق، والشام؛ بما فيها الأراضي التي كوّنت فلسطين الحديثة، ولم تكن هناك أخطار مباشرة تتهدّد أيّاً من هذه المناطق، وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى بوقت قليل لم تتعرض أيّ من هذه المناطق لهجومٍ من دول الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، روسيا، والولايات المتحدة، وغيرهم).

يتحمّل العثمانيون المسؤولية عن ضياع فلسطين بقرارهم دخول الحرب العالمية الأولى ثم صدور وعد بلفور

من المؤكّد أنّ الدولة العثمانية كانت قادرة على الخروج من هذه الحرب بدون خسائر، في حال لم تتورّط فيها بجانب ألمانيا، فلم تكن لدى أي من دول الحلفاء خطط للحرب ضدّ العثمانيين، وكان بإمكان القوّة العثمانية التصدّي لأيّ هجومٍ من أيّ طرفٍ على أراضيها، طالما ظلّت في موقف الدفاع. فعندما اندلعت الحرب نقل الروس معظم قوّاتهم إلى الجبهة الغربية مع ألمانيا، ولم يكن على الحدود العثمانية في القوقاز سوى قوّات قليلة، ضعيفة التجهيز. وفي الجبهة الجنوبية لم تبادر بريطانيا بأي هجومٍ على الحجاز، ولم تهتم بدعم القوميّين العرب، ورغبتهم القديمة في الثورة، والتخلّص من نير الاحتلال التركي.
لم يضع الحلفاء أية خطّةً للاستيلاء على الأراضي العثمانية، بل كان همّهم هو التصدي للقوّة الألمانية، ولو ظلّت الدولة العثمانية على الحياد لما هاجم أحد أراضيها من ناحية، ومن الناحية الأخرى لكانت قادرة على صدّ أيّ هجومٍ من أيّ قوّةٍ.
إلّا أنّ دخول العثمانيين الحرب بجانب ألمانيا، ومبادرتهم بالهجوم على روسيا، ثمّ بريطانيا في مصر، أدّى إلى هجوم بريطانيا على العراق، وغاليبولي، والهجوم على الشام من ناحية مصر، ودعّم الثورة العربية الكبرى، ثمّ التنسيق بين وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وروسيا حول تقسيم أملاك العثمانيين، بعد هزيمتهم في الحرب، وهي الاتفاقية التي عُرفت باسم سايكس-بيكو، بعد انسحاب الروس منها، عقب قيام الثورة البلشفية العام 1917.
وبهزيمة العثمانيين وقعت البلاد العربية التي كانت تحت سيطرتهم تحت الاحتلال البريطاني والفرنسي، وتمّ وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ممّا أدّى إلى تضاعف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، لتبدأ مأساة ضياع فلسطين، وظهور الكيان الصهيوني.

 

 

ضياع فلسطين
لم ينتهِ عهد الاحتلال العثماني-التركي إلّا بكارثة ضياع فلسطين، فعلى الرغم من إدراك العثمانيين للمخاطر المحيطة بهم، إلّا أنّهم لم يعملوا على حلّ الأزمة مع الشعوب غير التركية، للارتقاء بحياتها بعد أنّ عانت قروناً من الظلم والتخلّف تحت حكمهم، ولم يدركوا أنّ عصور إمبراطوريات الغزو قد ولّى، وأن السيطرة العسكرية وحدها لم يعد لها مكانٌ في عالم القرن العشرين، وأن من حقّ كلّ شعب تقرير مصيره، وتحقيق تطلّعاته نحو الحياة الكريمة والعدالة والحرّية.

حديث أردوغان عن الحرب في ليبيا وسوريا على أنّها حرب استقلال يكشف عن الأطماع التركية

دخل العثمانيون الحرب بجبهة داخلية مُفكّكة؛ فلم يمضِ على هزيمتهم الساحقة في حرب البلقان الأولى العام 1912، على يد دول اتحاد البلقان (اليونان، بلغاريا، صربيا، الجبل الأسود) سوى عامين، بجانب ذلك شهدت البلاد منذ الإطاحة بالسلطان المستبدّ عبد الحميد الثاني العام 1909 اضطرابات سياسية كبيرة نتيجة الصراع بين حزب الاتحاد والترقي المتعصّب للعرق التركي، وحزب الائتلاف والحرّية الّذي يضمّ طيفاً واسعاً من الأعراق المكوِّنة للدولة العثمانية، والأقرب للديمقراطية، فضلاً عن ذلك كانت هناك المسألة الكبرى وهي مطالب القوميات غير التركية من أرمن وعرّب وأكراد ويونانيين وآشوريين في الحكم الذاتي، والشراكة التامّة في إدارة الدولة التي تجمّعهم.
بدلاً من الاستثمار في حلّ هذه المشاكل، وغيرها من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة، اختار حكّام إسطنبول الانجراف وراء أوهام العظمة والاستبداد، ودخلوا حرباً لا ناقة لهم فيها ولا جملٌ، إلّا أوهام استعباد من تحرّر من احتلالهم مرّةً أخرى، مثل أحلامهم بإعادة احتلال مصر والقوقاز والبلقان.

اقرأ أيضاً: كيف يحرّك أردوغان جيشه الموازي من المرتزقة؟
وضعت الحرب أوزارها بهزيمة دول المحور، ومنهم الدولة العثمانية، وجاء وقت الحساب لهذه الدول، فكان عقاب العثمانيين طردهم من الشام والعراق والحجاز، وحصرهم في الأناضول وشطر من أوروبا. رحل العثمانيون عن البلاد العربية بالهزيمة العسكرية، لا بالاتفاق مع هذه الشعوب، والاعتذار عن الماضي الإجرامي، أو العمل على بناء شراكة مستقبلية.

 

 

يتحمّل العثمانيون المسؤولية الأولى عن ضياع فلسطين، فلولا قرارهم بدخول الحرب العالمية الأولى لما صدر وعد بلفور، الّذي كان مكافأةً للصهيونية من ناحيةٍ، وعقاباً للعثمانيين من ناحية أخرى، ولا وقعت فلسطين بيد البريطانيين، ولا مُكّن للصهيونية العالمية تنفيذ مخططاتها، لكنّ أحلام العظمة والطغيان التركية كانت أهم من ضياع البلاد العربية.
علاوةٌ على ذلك فقد العرب عشرات آلاف الضحايا من المجندّين في جيش الأتراك، وعانوا من مجاعة الشام العام 1915 التي حصدت أرواح نصف مليون عربي، بحسب كتاب "يقظة العرب-تاريخ حركة العرب القومية" لجورج أنطونيوس.
يأتي اليوم أردوغان ليزيّف هذا الماضي وفق هواه، بما يخدم أحلام الطغيان والغزو التركية، فيشبه ضياع أحلامه في الزعامة الإقليمية، بعد هزيمة اتباعه الإخوان في مصر وغيرها، كأنّها هزيمة الباشوات الثلاثة في الحرب العالمية الأولى، ويشبه نفسه بأتاتورك الّذي يخوض "حرب الاستقلال"، لا لتحرير بلاده، بل لاحتلال بلاد العرب.
حديث أردوغان عن الحرب في ليبيا وسوريا على أنّها "حرب استقلال"، يكشف عن الأطماع التركية في احتلال هذين البلدين العربيين، عن طريق دعم حلفائها من الجماعات الإرهابية المسلحة من "النصرة" وغيرها، وبالتدخّل العسكري المباشر لتولّي زمام الأمور، ونهب خيرات الشعوب العربية.

 

 

الصفحة الرئيسية