كيف فضح فيلم "شوغالي" إرهاب ميليشيات السراج لابتزاز روسيا؟

كيف فضح فيلم "شوغالي" إرهاب ميليشيات السراج لابتزاز روسيا؟

مشاهدة

05/07/2020

بعد اختطاف استمرّ أكثر من عام، يئست "ناتاشا شوغالي"، من الإفراج عن زوجها، الذي لم تعرض وسائل الإعلام قضيته بالشكل الكافي لتصبح قضية رأي عام، وهو ما جعل ميليشيات حكومة الوفاق الوطني، برئاسة فايز السراج، تحتجر عالم الاجتماع الروسي، ماكسيم شوغالي، ومترجمه سامر سفيان، في سجن معيتيقة، التابع لميليشيات "ردع"، بعد وقوعهما أسيرَين بين يدَي مدمّر طرابلس، الإرهابي عبد الرؤوف كاره، في أيار (مايو) 2019.

بعد السقوط

ليبيا في ظلّ الإرهاب هي المعنى الحقيقي لجمهورية "ما بعد السقوط"، والذي حاول الفيلم تسليط الضوء عليه، من خلال رحلة شوغالي التي استمّرت ثلاثة أشهر، قبل إلقاء القبض عليه، ليكمل عاماً في السجن، الذي يشرف عليه الإرهابي عبد الرؤوف كاره، قائد الميليشيات التابعة لجماعة فجر ليبيا، والتي تسيطر على طرابلس منذ صيف 2018، وفور انتقاله إلى طرابلس، ذهب ماكسيم إلى فندق تريفولي بلو، مقر عمل حكومة الوفاق الوطني، واجتمع بخالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، الذي أبدى ترحيباً كبيراً بشوغالي، وصدّق على طبيعة عمله الرسمية، التي دخل إلى ليبيا ليمارسها، وهي رصد الوضع الاقتصادي والاجتماعي للشعب الليبي، بعد ثمانية أعوام من سقوط القذافي.

نشر الصحفي الروسي، ألكسندر مالكوفيتيش، مكالمة استقبلها من الإخواني خالد المشري، يعرض عليه فيها صفقة مفادها تحرير السجينين، مقابل استقبال بوتين لرئيس حكومتهم فايز السراج

 وبحسب الفيلم، الذي بنيت أحداثه على رسائل ماكسيم إلى زوجته، فإنّ المشري تساءل إذا ما كان شوغالي سيلتقي بسيف القذافي أم لا، وطلب منه أن يخبرهم بمكانه، الذي ما يزال مجهولاً لحكومة الوفاق، رغم أنّها أسقطت كافة التهم الموجهة إليه، إلّا أنّ شوغالي لم يفعل، رغم لقائه بنجل القذافي، الذي تدعم موسكو عودته لحكم ليبيا، بحسب عدة تقارير إعلامية.

بعد قمة برلين، في كانون الثاني (يناير) 2020، أعرب الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، عن أمله في الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين في ليبيا، على خلفية تهم غير موجودة، لكنّ هذا لم يحدث، خاصّة لأبرز معتقلي روسيا، الذين لم توجه إليهم، حتى الآن، أيّة تهمة، سوى التجسس من أجل التلاعب بالانتخابات الرئاسية، لكن لحسن الحظ، كان ثالث أعضاء الفريق، والذي عاد إلى روسيا قبل إلقاء القبض على أصدقائه، ألكسندر بروكييف، من يملك القصة الكاملة لرحلة رفيقَيه، وبحسب ردّه على اتهامات حكومة الوفاق، لوكالة "سبوتنيك" الروسية: " لقد اتُّهمنا بالتدخل في الانتخابات في بلد لا يوجد فيه دستور، ولا يوجد قانون انتخابي، ولم يتم التخطيط لإجراء انتخابات بعد، ولا يوجد أساس قانوني لهذه القصة، كما أنّ الرجال متهمون بالاجتماع مع نجل القذافي، ولا يمكن أن يكون هناك عدم قانونية في الاجتماع مع سيف القذافي، فقد تمّ العفو عنه وإطلاق سراحه بموجب القوانين الليبية، واجتمع به الصحفيون الغربيون، إنّه شخصية عامة، كلّ ما هنالك أنّهم يرغبون في الكشف عن مكانه والضغط على روسيا للاعتراف بهم".

الإرهاب من أجل الخضوع

في مقطع فيديو مصوّر عرضته وكالة "روسيا 24"، في السابع عشر من أيار (مايو) 2020، وصورته إدارة سجن معيتيقه للسجينين، يعلنان فيه أنّهما بخير في أحد سجون ليبيا، لكنّ حقيقة الفيديو بدأت بعد أن أُمِرا بأن يطلبا من الحكومة الروسية الاعتراف بحكومة الوفاق في ليبيا، والتوقف عن دعم المشير خليفة حفتر، هذا ما أظهره الفيلم، وحديث شوغالي عن الإرهابيين الذين يملأون ليبيا، من تنظيمَي القاعدة وطالبان، وغيرهما من الجماعات الإرهابية، التي تمارس كافة أشكال الوحشية في حقّ السجناء الآخرين، والمدنيين أيضاً، حسبما قاله المحامي الخاص بماكسيم لزوجته ناتاشا، وعرض في الفيلم.

بحسب الفيلم، الذي بنيت أحداثه على رسائل ماكسيم إلى زوجته، فإنّ المشري تساءل إذا ما كان شوغالي سيلتقي بسيف القذافي أم لا، وطلب منه أن يخبرهم بمكانه

 غير أنّ هذا الاعتقال التعسفي، يحرم السجينَين من العلاج؛ فسامر، المترجم الروسي من أصول أردنية، مريض بالسكريّ، تمنع عنه إدارة السجن حقن الأنسولين، وماكسيم، الرجل ذو الــ 53 عاماً، تعرّض سابقاً لسكتة دماغية تستوجب علاجاً دائماً ومهدئات، إلّا أنّ الإدارة لا تستجيب لطلب محاميه وزوجته في إدخال العلاج له، بحسب حوار أجرته ناتاشا مع شبكة "BBC" بالروسية، كما أضافت أنّ سامر يمكث في زنزانة مشتركة مساحتها 12 متراً، مع أكثر من 30 شخصاً، بينما مكسيم يجلس في مكان من زجاج خرساني مساحته 90 × 120 سم، دون أسرّة أو أغطية للنوم، أو أيّة أدوات للنظافة الشخصية.

يركّز الفيلم على أبرز وجهَين من المتآمرين على اعتقال سامر وشوغالي، وهما: عبد الرؤف كاره، وخالد المشري، أحد أهم أذرع تركيا داخل طرابلس، إذ لُقِّب كاره بـ "مدمّر طرابلس" و"سفاح ليبيا"؛ فالشيخ الملازم، كما يحب أن يطلق عليه، أحد أهم كوادر تيار السلفية المدخلية، الذي انضمّ أغلب أعضاء تنظيمه إلى قوات الجيش الليبي.

اقرأ أيضاً: اتهامات لميليشيات الوفاق.. هل تجر السراج إلى قفص مجرمي الحرب؟

 أمّا كاره؛ فقد فضّل الانضمام لصفوف الإخوان المسلمين، والعمل تحت سيطرة الإرهابي عبد الحكيم بلحاج، أحد أقطاب تنظيم القاعدة في ليبيا، وبحسب المقابلات التي أجراها شوغالي ومترجمه، مع أهالي عدّة قبائل ليبية؛ فإنّ اختطاف الأطفال والمراهقين وتجنيدهم الإجباري للقتال، كان أحد أهم إستراتيجيات الإرهابيين لبناء ميليشياتهم المسلحة، ومن مئات الوثائق التي جمعها شوغالي ورفيقه عن الوضع في ليبيا، وصلته معظمها من مصادر مجهولة، رفضت الإفصاح عن اسمها خوفاً من بطش الإرهابيين، ولم يمضِ كثير من الوقت حتى أصدرت السلطات الإرهابية في ليبيا أمراً باعتقال الروسيَّين، ما جعلهما يحاولان الفكاك من هذا الهرب، لكن لقاء سيف القذافي كان الطُعم الذي أسقطهما في أيدي الميليشيات.

المشري وكاره دمى تركيّة

في الثلاثين من أيار (مايو) 2020، نشر الصحفي الروسي، ألكسندر مالكوفيتيش، مكالمة استقبلها من الإخواني خالد المشري، يعرض عليه فيها صفقة مفادها تحرير السجينين، مقابل استقبال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لرئيس حكومتهم فايز السراج، واعترافٍ رسمي من روسيا بالحكومة الحالية، وهو ما عدّه الصحفي عاراً جديداً يضاف لتاريخ طويل من الجرائم المماثلة، التي ترتكبها جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية المحظورة في روسيا.

وما تزال حكومة الوفاق ترفض الإفراج عن المعتقلَين، وذلك لاستخدامهما كورقة ضغط على الجانب الروسي، لأجل الاعتراف بالإرهابيين كحكومة رسمية، ومن أجل ألّا يفضح شوغالي ورفيقه، بما جمعاه من بيانات ووثائق، جرائم الإرهابيين من ميليشيات السراج المدعومة تركيّاً، بحق المدنيين الليبيين.

اقرأ أيضاً: أنقرة تواصل استفزازها.. اتفاقية أردوغان والسراج ماذا تعني؟

خرج الفيلم، الذي صنعه أصدقاء شوغالي وزوجته، من مأساة السجينَين، إلى مأساة الشعب الليبي، وجرائم ميليشيات الإرهاب بحقّ السجناء، وعامة الشعب، وجرائم التعذيب والقتل التي يشرف عليها الإرهابي كاره شخصياً، ضمن أحد الأذرع النشطة لتركيا داخل ليبيا، والتي تهدّد حالياً بتصعيد قضية شوغالي وصديقه إلى المحكمة، ونقلهما إلى تركيا ليتم التحقيق معهما من قبل المخابرات الروسية، هذا ما تصبو إليه تركيا وميليشياتها، الراغبة في الاعتراف الروسي، وتستمر في التصعيد، لكن لا أحد يعلم ماذا سيكون مصير شوغالي.


الصفحة الرئيسية