كيف طبّع أردوغان خطاب الكراهية والعنصرية؟

كيف طبّع أردوغان خطاب الكراهية والعنصرية؟

مشاهدة

21/11/2020

هركيلوس مايلز

تتراوح خطابات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاتهامية بين التعبير عن مظالم العالم الغربي لتركيا والتعبير الصارخ عن الكراهية والتهديد والإهانة. ويكشف الدافع وراء هذه الهجمات عن شخصية الرجل الذي يعتمد مصير الكثيرين عليه.

وتمتد ممارساته ضد خصومه المحليين أيضا، لكنني سأتحدّث عن أدائه الدولي فقط. ويمكن تصنيف عدوانيته عبر خمسة مجالات مختلفة: التاريخ والثقافة والدين والسياسة والأخلاقيات. وفي جميع الحالات، تكمن القضايا الأساسية في مقارنة "الأتراك الإيجابيين" مقابل "الغرب السلبي".

يصوّر الجانب التاريخي الأتراك ورثة للإمبراطورية العثمانية القوية والتي يُفترض أنها "الخير". بينما يصوّر البعض الآخر على أنهم "مستعمرون، وإمبرياليون، ومستغلون، وتجار عبيد قساة، وغزاة. ووفقا لتفسيره للتاريخ، كان الأتراك يحترمون غير المسلمين ويحمونهم ولم يستغلوا أي دولة أو مجتمع أبدا على عكس الغرب.

ثقافيا، كان الغرب وفقا لأردوغان "قمعيا وعنصريا (نازيا، فاشيا)، وغير متعاطف مع المحتاجين"، وكان "وقحا، ومخادعا، وعدوانيا، وتوسعيا". في المقابل، لم يُظهر الأتراك مثل هذه العيوب أبدا، بل كانوا مصدر ثقافة إنسانية غنية. ويشير  أردوغان إلى أن تركيا تساعد الفقراء في مناطق مثل أفريقيا.

كما تتكرر التفسيرات الدينية. فوفقا للرئيس التركي، يعدّ الإسلام دين السلام. وفي نفس الوقت، يشير إلى الحروب الصليبية ضد العالم الإسلامي، ومحاكم التفتيش تحت السيطرة البابوية، وإحراق المدانين، والحروب الدينية، وكراهية الإسلام الحديثة التي تنتهك حقوق الإنسان، والتمييز، وإهانة مقدسات المسلمين.

يزعم أردوغان أن المسلمين احترموا غير المسلمين وتعايشوا معهم لقرون. وفي نفس الوقت، كثيرا ما يطرح تاريخ كراهية المسيحيين للمسلمين في حالة إسبانيا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. ولا يهتم بالقرون التي مرّت على كل مثال عندما يريد تصوير "شخصية الأمم".

وتهيمن نظريات المؤامرة على منظور الرئيس التركي السياسي. إذ يزعم أردوغان وأنصاره سعي الغرب (وخاصة الولايات المتحدة) إلى تنظيم انقلابات عسكرية للإطاحة بالحكومات. كما يساعد الغرب الجماعات "الإرهابية" (الأكراد وأتباع غولن) وأعداء تركيا الذين يسعون إلى تقسيم البلاد. ويقول أردوغان إن هذه القوى هي التي تقوض اقتصاد تركيا.

تأتي اتهامات أردوغان مدمجة في حزمة من الأخلاق ومحاربة الشر بالخير. وقد تظهر الاتهامات والشتائم مختلطة في خطاب واحد، مع خلط سياسات اليوم بما كان سائدا في القرن الثالث عشر، والاقتصاد مع الدين، وقضايا الناتو مع معركة بروزة في القرن السادس عشر.

تشمل الصفات المستخدمة ضد أعداء تركيا (الغرب المسيحي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) "القتلة، والعنصريين، والنازيين، والأنانيين، والمستغلين، والمنافقين". وقال: "أنتم ترتكبون إبادات جماعية، وتعاملون المسلمين معاملة سيئة، وتهينون نبينا، وتخططون لمكائد على أرض وطننا، وتساعدون أعداءنا، وتبتزوننا، وتتدخلون في ممارساتنا اليومية، وتحتقروننا، وتميزون ضدنا بمعايير مزدوجة".

قد تبدو هذه النعوت والاتهامات غير عادلة ومبالغا فيها، لكنها ليست كذلك بالنسبة للعديد من الأتراك. فبمجرد وضع "الصفات" التاريخية والثقافية والدينية والسياسية والأخلاقية على أساس "نحن" (الأتراك) "ضدهم" (الغرب)، تصبح الأدوار المنسوبة إلى "الغرب" مقبولة لدى قسم كبير من الجمهور التركي. وتبقى المجموعة التي ترى في خطاب الكراهية أمرا طبيعيا من داعمي الرئيس التركي.

لكن، وفي الواقع، ليس هذا خاصا بتركيا. إذ يتم التعبير عن القومية بـ"حجج" مماثلة في العديد من البلدان. وهو شرط لا غنى عنه في القومية. ومع ذلك، يبرز مكوّن الآخر لخطابات الرئيس التركي شخصيته، ويكمن في ما يقوله عن الآخرين. ففي هذه الأيام، وفي أسوأ الحالات، قد يتم استنتاج خطاب الكراهية القومي والأوصاف العنصرية الصارخة أو التلميح إليها بشكل غير مباشر. هذا هو السبب في بروز "أسلوب" أردوغان الذي  يُنظر إليه كإهانة واستفزاز. فهو ليس ما يقوله فقط، ولكنه يشمل الطريقة التي يتحدّث بها.

هنا يُطرح السؤال التالي: لماذا اختار أردوغان هذه الطريقة المزعجة للتعبير عن نفسه؟ ألا يشعر أن هذا النهج يعمل ضد مصالحه؟

تخطر ببالي إجابات مختلفة: قد يعتقد أردوغان أنه سيحفز أتباعه ويعزز مكانته السياسية في البلاد بذلك. أو أنه سيثير إعجاب العالم الإسلامي ويكتسب أتباعا جددا من جميع أنحاء العالم. وربما يعبر عما يؤمن به، ويشعر أنه يقول "الحقيقة". أو ربما يمهد الطريق للانفصال عن العالم الغربي. أو قد يكون في حالة ارتباك وقد يكون فقد السيطرة على بيئته.

قد يفكر المرء في احتمالات مختلفة عما سبق. وفي جميع الحالات، يقوّي أردوغان المشاعر العنصرية وتصوّرات أولئك الذين يشعرون أن "معاقبة" الغرب مبررة.

عن "أحوال" تركية

الصفحة الرئيسية