كيف تضطهد تركيا طائفة العلويين؟

كيف تضطهد تركيا طائفة العلويين؟

مشاهدة

02/02/2020

ترجمة: محمد الدخاخني


يصل تعداد العلويّين في تركيا إلى حوالي 14 مليون شخص. ومنذ عقود، يصارع أبناء الطّائفة التّمييز في هذا البلد، ويدعون إلى تصوير العلويّة بشكل مختلف في الكتب المدرسيّة، ويناشدون الدّولة الاعتراف بهم مجتمعاً دينيّاً بشكل رسميّ. فحتّى هذه اللحظة، ترفض الحكومة التّركيّة الاعتراف ببيوت الصّلاة الخاصّة بالطّائفة على أنّها دور عبادة: لا يُنظَر إلى العلويّين بوصفهم مجتمعاً دينيّاً وإنّما يصنّفون في تعداد المجتمعات الثّقافيّة.

يصل تعداد العلويّين في تركيا إلى حوالي 14 مليون شخص. ومنذ عقود يصارع أبناء الطّائفة التّمييز في هذا البلد

مراراً وتكراراً، حاول أعضاء بالبرلمان إثارة مسألة الاعتراف بالعلويّين. والآن، وبفضل مبادرة من أكبر حزب معارض، حزب الشّعب الجمهوريّ، أقرّت بلديّة مدينة إزمير بالإجماع التعاطي مع خطط البناء الخاصّة ببيوت الصّلاة العلويّة على أنّها خطط تندرج ضمن تلك المتعلّقة بدور العبادة - وليس، كما كانت العادة، باعتبارها خططاً تخصّ المراكز الثّقافيّة.
من جانبه، حاول عمدة إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، القيام بشيء مماثل، لكن أعضاء مجلس المدينة، بقيادة ممثّلين عن حزب العدالة والتّنمية الّذي يتزعمه الرّئيس أردوغان وشريكه في الائتلاف حزب الحركة القوميّة المتطرّف، رفضوا مبادرته. وقال الزّعيم البرلمانيّ عن حزب العدالة والتّنمية في مجلس مدينة إسطنبول، محمّد توفيق غوكسو، إنّ مسألة ما إذا كان ينبغي الاعتراف ببيوت التّجمّع والبيوت الثّقافيّة العلويّة - أو بيوت الـ "جيم"، كما هي معروفة - دوراً للعبادة هي مسألة من اختصاص علماء الدّين.

رفض الدّولة الاعتراف ببيوت الـ "جيم" دوراً للعبادة

انعكاسات عمليّة
حسين غوزلغول، وهو زعيم دينيّ علويّ، أو "ديدي"، ورئيس الاتّحاد البكتاشيّ العلويّ، يعلّق قائلاً إنّه بمواصلة رفض الاعتراف بالعلويّين طائفةً دينيّة، تتجاهل الدّولة التّركيّة قرارات المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان والمحكمة الإداريّة العليا ومحكمة الاستئناف. ويواصل: "لكن بغض النّظر عن أنّهم يغمضون أعينهم عن الحقيقة بتعنّت، فإنّ بيوت الـ 'جيم' الخاصّة بنا هي دور عبادة؛ إنّ تجمّعاتنا (جيم) هي شكل الصّلاة عندنا. والصّلاة الطّقوسيّة الإسلاميّة ليست طريقتنا للصّلاة، ولا المساجد هي بيوت الصّلاة عندنا. وليس لأحد أن يحدّد كيف وأين نصلّي".

ترفض الحكومة التّركيّة الاعتراف ببيوت الصّلاة الخاصّة بالعلويين على أنّها دور عبادة. ويصنّفون في تعداد المجتمعات الثّقافيّة لا الدينية

إنّ رفض الدّولة الاعتراف ببيوت الـ "جيم" دوراً للعبادة له انعكاسات عمليّة وماليّة ملموسة. فعلى عكس المجتمعات الدّينيّة الأخرى المعترف بها، لا تستطيع أماكن التّجمّع العلويّة الحصول على دعم ماليّ حكوميّ - لتجديد دور الصّلاة الخاصّة بالطّائفة، مثلاً - لأنّه يجري النّظر إليهم بوصفهم مجتمعاً ثقافيّاً.
هذا، ويشدّد علي كينان أوغلو، وهو ممثّل عن حزب الشّعوب الدّيمقراطيّ المؤيّد للأكراد، على أنّ المجتمعات العلويّة لا تتلقّى أيّ دعم ماليّ من الحكومة على الإطلاق. على سبيل المثال، إذا توفّي أحد أفراد المجتمع، فلن يتمكّنوا حتّى من طلب الأموال لشراء الأدوات الّلازمة لغسل الجثّة. ويشرح قائلاً: "على عكس الأئمة المسلمين، لا يتلقّى رجال الدّين في المجتمعات العلويّة أيّ أموال من هيئة رئاسة الشّؤون الدّينيّة. وبالتّالي، تعتمد مجتمعات العلويّين دائماً على تبرّعات أعضائها".

حسين غوزلغول زعيم دينيّ علويّ

الطّوائف الأخرى تتلقّى تمويلاً حكوميّاً
تقدّم هيئة رئاسة الشّؤون الدّينيّة الدّعم الماليّ للطّوائف الأخرى، لكن يتحتّم على أفراد المجتمع العلويّ تحمّل جميع تكاليف بيوت الصّلاة الخاصّة بالطّائفة، حتّى عندما يتعلّق الأمر بالمياه والكهرباء.

اقرأ أيضاً: العلويون في تركيا.. تاريخ من العزلة
وفي مقابلة مع دويتشه فيله، أكّد أحد أعضاء الّلجنة التّنفيذيّة لهيئة رئاسة الشّؤون الدّينيّة، الّذي أراد عدم الإفصاح عن هويّته، أنّ الهيئة تدفع فواتير الكهرباء الخاصّة بالمساجد، وأنّ الأخيرة لا تحصل حتّى على أيّ رسوم مقابل استخدام المياه. وأضاف أنّ تكاليف التّدفئة وتكييف الهواء تغطّيها التّبرّعات الخيريّة.
غوزلغول غاضب من أنّ الدّولة لا تتحمّل أيضاً تكاليف دور العبادة العلويّة. يقول: "عندما ندفع الضّرائب أو نقوم بالخدمة العسكريّة، فإنّنا نعامل تماماً مثل المواطنين السّنّة. لكن عندما يتعلّق الأمر بتكاليف دور العبادة الخاصّة بنا - لا. هنا، نتعرّض للتّمييز".

علي كينان أوغلو ممثّل عن حزب الشّعوب الدّيمقراطيّ المؤيّد للأكراد
يؤكّد غوزلغول أنّه في العقيدة الإسلاميّة، هناك مبدأ أساسيّ يرتبط بـ "حقّ المؤمنين بالله"، والّذي ينصّ على الآتي: "عندما تأتي إلى الله،  احضر كما أنت، لكن لا تأتي إذا سلبت حقّ شخص آخر. لأنّني قاضٍ عدل، ولن أسامحك". يواصل غوزغلول: "وبصفتي زعيماً دينيّاً علويّاً، أقول: لا ينبغي أن يُسامَح أيّ شخص يسلبنا حقوقنا".

تجاهل أحكام القضاء
حتّى الآن، في معظم القضايا الّتي رفعها أفراد ومنظّمات، أصدرت المحاكم قراراتها لصالح المجتمع العلويّ. ففي عام 2014، قضت المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان بضرورة اعتبار أماكن الصّلاة العلويّة دوراً للعبادة. وأقرّت المحكمة العليا التّركيّة حكماً مشابهاً لذاك الخاصّ بالمحكمة الأوروبيّة في عام 2015، ممّا يعني أنّ الحكم صالح من النّاحية القانونيّة أيضاً داخل تركيا. ومؤخّراً، في عام 2018، أصدرت المحكمة الإداريّة العليا حكماً آخر يدعم الاعتراف بالـ "جيم" بيوتاً للصّلاة.

اقرأ أيضاً: العلويون في تركيا: قصة طائفة اضطهدها العثمانيون والجمهوريون والإسلاميون
لكن حتّى الآن، لم تطبّق هذه الأحكام. وبالنّسبة إلى العلويّين، يأخذ التّمييز شكلاً أكثر جوهريّة. ما يريدونه هو الاعتراف بهم مجتمعاً دينيّاً. ويعترض الكثيرون منهم أيضاً على التّعليم الدّينيّ الإسلاميّ الإلزاميّ وغيره من القيود الّتي توجد في العديد من مجالات المجتمع.

الافتقار إلى الاعتراف
تحدّث مواطن علويّ، رفض ذكر اسمه، عن تجربة ابنه مع التّعليم الدّينيّ والأخلاقيّ في المدرسة الابتدائيّة: "لا تقدّم العلويّة إلى التّلاميذ باعتبارها ديناً مستقلّاً، وإنّما بوصفها شكلاً من الأخوّة أو تيّاراً باطنيّاً. ولا يُنظَر إلى صومنا وصلاتنا على أنّها واجبات دينيّة، بل على أنّها تقاليد".
العضو عن حزب الشّعوب الدّيمقراطيّ في البرلمان علي كينان أوغلو مقتنع بأنّه لا يمكن حلّ هذه المشكلات إلّا على المستوى الحكوميّ. وقبل كلّ شيء، يجب تنفيذ قرارات المحاكم. فهذا، كما يقول، من شأنه أن يحلّ مسألة الاعتراف ببيوت الصّلاة. على كلّ حال، يعتقد كينان أوغلو أنّ الإرادة السّياسيّة للقيام بذلك غائبة تماماً حتّى الآن - كما يتّضح من حقيقة أنّ الحكومة تصرّ على بناء المساجد في القرى ذات الأغلبيّة العلويّة.


تونجا أوغريتن، دويتشه فيله

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/the-alevis-fight-for-recognition-in-turkey/a-52154523

الصفحة الرئيسية